تشكل وجهات النظر التي وضعها عالم النفس ألفرد أدلر إحدى الركائز التي يمكن الانطلاق منها في محاولة فهم طبيعة الحياة ومعناها، ونفض الغبار عن الكثير من المشكلات التي تعتري حياتنا كبشر، والتي تُأخذ في الغالب على أنها أشياء ثابتة وطبيعية لا يمكن تغييرها، لكن الحقيقة تكمن في عكس هذه التصورات البشرية القائمة، وهو ما يفرض نشوء وجهات نظر جديدة تمكننا من العيش والسير قدماً بعيداً عن الجمود والركون إلى مسلماتنا العقلية أو ممارستنا الحياتية القائمة.
يطرح أدلر أحد أعقد الأسئلة التي يمكن أن تشغل عقل الإنسان، ألا وهي: «ما معنى الحياة؟»، ويحاول تفكيك الإجابة عن هذا التساؤل العميق من خلال منهجيته في علم النفس الفردي، ومن خلال بحثه المعمق في طبيعة حياة البشرية والطبيعة والظروف التي جعلت من كل إنسان ما هو عليه.
وقد بدأ إدلر بحثه هذا من خلال عمله في حقل علم النفس ومن الحالات التي ذكرها أنه عرف جنديين خلال الحرب أصابت كلاً منهما قذيفة أطاحت بذراعه، ولما انتهت الحرب.. ومضت سنوات عديدة لقيهما أدلر مصادفة، كلاً على حدة، ولكن في وقت متقارب، وكان أحدهما قد استسلم لحالته وعجز عن القيام بأي عمل، أما الآخر فكان مندفعاً ومقبلا على الحياة.
دفع التناقض الواضح بين تصرفات الجنديين أدلر إلى التمعن والتفكير، وبرر هذا التناقض من خلال الشجاعة التي تحلى بها الجندي الثاني في مجابهة الحياة وما تحمّله من كوارث ومحن، ويعزو أدلر هذا الفرق العظيم بين الشابين إلى أن أحدهما قد تعوّد منذ الطفولة، أن يكون شجاعاً، يتحدى ويتصدى، في حين تعوّد الآخر خلال طفولته أن يجبن ويفر ويستكين.
وخرج أدلر من هذا كله بأن هذا الفارق وتلك الفجوة الشاسعة بين الموقفين كان نتيجة للتربية التي تلقاها كل منهما، وهنا يظهر لنا أهمية الدور الذي يلعبه النشاط الاجتماعي في حياة كل فرد منا.
يقول أدلر: «إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا إذا عرف أن لحياته معنى، فنحن لا نتعامل مع الأشياء المختلفة باعتبار ما هي عليه، لكننا نتعامل معها من خلال ما تعنيه بالنسبة إلينا، أي إننا لا نتعامل مع أشياء مجردة.. بل نعرفها ونتعامل معها من خلال ذواتنا».
من هنا نرى أن الأشخاص الذين يواجهون بنجاح مشكلات الحياة يوجد بينهم عامل مشترك، ألا وهو اعترافهم جميعاً، بأهمية وجود اهتمام حقيقي وخالص بأفراد المجتمع من حولهم، وإننا إذا ما راقبنا أفعال هؤلاء فإنها ستظهر لنا وكأنها مدفوعة بالاهتمام الحقيقي والخالص في مجتمعهم ككل، وعندما يواجهون مشاكلهم فإنهم يحاولون التغلب عليها بطرق لا تضر مصالح الآخرين.
لذا، فإن معنى الحياة عند إدلر يتأكد من خلال وجهة النظر القائلة: «إن المعنى الحقيقي للحياة، هو في المساهمة التي نقوم بها لمصلحة حياة الآخرين، وهو أيضاً في الاهتمام الحقيقي والخالص في التعاون معهم».
أفق
معنى الحياة عند أدلر
23 يناير 2017 00:48 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 يناير 00:48 2017
شارك
غيث خوري