تظل مشكلة الأمية، واحدة من أخطر وأهم القضايا، التي تعانيها المنطقة العربية، وفي القلب منها مصر، التي تصل معدلات الأمية فيها، حسب آخر إحصائيات المراكز البحثية المتخصصة، إلى ما يزيد على 29.7% من جملة السكان البالغ عددهم حسب آخر تعداد سكاني ما يزيد على 90 مليون نسمة، وهو ما يفرض جملة من التحديات على الدولة، في خططها الخاصة بالتنمية، التي تستهدف القضاء على الأمية تماماً، بحلول عام 2020.
تحتل مصر وفق العديد من الإحصائيات والدراسات المتخصصة في هذا المجال، مرتبة متقدمة في نسبة الأمية على المستوى العربي؛ حيث تصل النسبة إلى 25% تقريباً من جملة السكان، وهو ما يعني أن نحو ربع سكان مصر ما زالوا يرزحون تحت وطأة الأمية، في حين تقل النسبة إلى نحو 18% في تونس، و14% في سوريا، وتصل إلى أدنى معدلاتها في الأردن، التي لا تزيد نسبة الأمية فيها على 3% من جملة السكان، وتحتل المرأة صدارة الترتيب في التوزيع النوعي للأمية؛ حيث تصل نسبة الأمية بين النساء إلى نحو 34% فيما تقل بين الذكور إلى 18%، وقد وضعت هذه النسب مصر في المرتبة رقم 132 في التصنيف العالمي، لنسبة الملمين بالقراءة والكتابة، ضمن مجموع دول العالم البالغ 159 دولة.
يقول الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو جهاز الإحصاء الرسمي في مصر، أن عدد الأميين في البلاد بلغ نحو 17 مليون نسمة، في الفئة العمرية التي تزيد على عشر سنوات، في عام 2006؛ حيث احتلت الإناث النسبة الأكبر بمعدل 10.5 مليون نسمة؛ إذ يمثلن نحو 62% من إجمالي الأميين في البلاد.
ونجحت مصر على مدار السنوات العشر الأخيرة، في التعامل بجدية مع هذا الملف الشائك، ويقول تقرير حديث صادر عن وزارة القوى العاملة عام 2015، إن عدد الأميين انخفض إلى نحو 14.5 مليون نسمة خلال السنوات الأخيرة، خلال نفس الفئة العمرية، بما يساوي نحو فرد أمي واحد بين كل 5 أفراد من السكان في الفئة العمرية من 10 سنوات فأكثر.
وترجع العديد من الدراسات المتخصصة الأسباب التي تقف وراء الأمية في مصر، إلى عدة عوامل، من أبرزها ما شاع خلال فترة الاحتلال الأجنبي لمصر، من قصر فرص التعليم على شريحة ضيقة من المصريين المقتدرين، وحرمان الغالبية العظمى من الشعب من التعليم، الذي قال عنه المفكر المصري الكبير الراحل الدكتور طه حسين، إنه «كالماء والهواء»، وقد تولى حسين وزارة المعارف المصرية في عام 1950 ضمن حكومة الوفد بقيادة «مصطفى باشا النحاس»، لكنه غادرها سريعاً بعد عامين، قبيل ثورة يوليو/ تموز، التي أسست لمنهج جديد في التعليم بمصر، وإتاحته لكافة أبناء الشعب بالمجان.
لكن كثيراً من خبراء التعليم في مصر يقولون إن السبب الرئيسي وراء انفجار ظاهرة الأمية، يرجع بالأساس إلى عدم قدرة النظام التعليمي في البلاد، وبنيته الأساسية من مدارس وخلافه، على استيعاب جميع من هم في سن الإلزام، مشيرين إلى أن ذلك الأمر لعب دوراً كبيراً في ارتفاع معدلات ما يوصف ب«الفاقد التعليمي»، نتيجة لظاهرتي الرسوب والتسرب، وعدم تكافؤ توزيع الخدمات التعليمية بين الريف والحضر.
مئة دولار للأمي
وتبلغ تكلفة محو أمية الفرد الواحد، حسبما تشير العديد من الدراسات المتخصصة، إلى نحو مئة دولار، وهو الأمر الذي يمثل عائقاً اقتصادياً كبيراً أمام الدولة، خصوصاً بعدما صنفت مصر مؤخراً، وفق تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان، ضمن أكبر عشر دول في العالم من حيث الأمية؛ حيث تقول تقارير دولية عدة، إن نسبة الأمية بين المصريين تصل إلى ثلث عدد السكان تقريباً، ويرى كثير من الخبراء الاجتماعيين أن ارتفاع نسبة الأمية بين المصريين، لعبت دوراً كبيراً في العديد من التقلبات السياسية التي شهدتها البلاد عقب ثورة ال25 من يناير/ كانون الثاني، التي أدت إلى وصول جماعة «الإخوان» إلى مقاعد السلطة، اعتماداً على استغلالها لانتشار الأمية والجهل بين فئات عدة من أبناء الشعب، ومن ثم هيمنتها على عقول هؤلاء البسطاء، وتوجيههم بل وتحريضهم تحت عباءة الدين، وهي الوسيلة ذاتها التي لا تزال تستخدمها كثير من جماعات الإرهاب في تجنيد بعض الشباب، استناداً على تفشي الأمية الثقافية في قطاع كبير من هؤلاء الشباب، ما يجعل من انصياعهم للعديد من الأفكار المتطرفة أمراً في غاية السهولة.
قبل شهور أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مشروعاً للقضاء على الأمية تحت شعار «مصر بلا أمية»، ويأتي المشروع الجديد، تتويجاً للقاء جمع مجموعة من الشباب يمثلون 23 حزباً سياسياً لمناقشة المحددات والأطر السياسية لركائز العمل التطوعي، ودور الأحزاب والقوى السياسية في تعظيم المشاركة التفاعلية، وتعزيز مفاهيم ثقافة العمل التطوعي بين الأوساط الجماهيرية والشعبية، وتطرق اللقاء لعرض أفكار ورؤى الشباب حول تنظيم وتفعيل آليات العمل التطوعي للقضاء على الأمية، كأولى قضايا الاهتمام تحت شعار «مصر بلا أمية».
الحدود الآمنة
ورغم انفجار نسبة الأمية في مصر، إلا أنها ما تزال في الحدود الآمنة، مقارنة بعدد من الدول العربية الأخرى، فحسب تقارير حديثة لمنظمة اليونيسكو UNESCO، تأتي مصر في مرتبة متقدمة على دول مثل موريتانيا التي تبلغ فيها النسبة نحو 49 % من جملة السكان، والمغرب التي تصل فيها النسبة إلى 48%، واليمن 46%، والسودان 39%، وجيبوتي 32%، والجزائر 30%.
وتتوقف الأمية وفق التعريف العلمي الحديث عند حد الأمية الأبجدية iliteracy، التي تتمثل في الجهل بأساسيات القراءة والكتابة، لكنها تمتد إلى ما يعرف الآن ب«الأمية الثقافية»، أو ما يطلق عليه functional iliteracy وهي أمية التعامل مع أجهزة الكمبيوتر والشبكة المعلوماتية، وهو ما يفرض تحديا جديدا أمام مختلف النظم التعليمية في الوطن العربي، إلى جانب مشاركة المجتمع بكافة أفراده ومنظماته وهيئاته، في التعاطي مع تلك المشكلة، التي باتت تتطلب الشروع في خطط قومية بمدد زمنية محددة، للقضاء على تلك المشكلة.
ومؤخراً شرعت الحكومة المصرية بتطبيق نظام جديد، من شأنه أن يلعب دوراً كبيراً في القضاء على مشكلة الأمية الهجائية عند قطاع غير قليل من المصريين، ويقضي النظام الجديد بإلزام كل طالب جامعي بمحو أمية 4 مواطنين، واعتبار ذلك بمثابة مشروع تخرج يشترط الانتهاء منه، قبل الحصول على شهادة إتمام المرحلة الجامعية، وتستهدف الحكومة من ذلك محو أمية 300 ألف مواطن خلال عام واحد، بعد قبول نحو 30 ألف خريج مؤخراً للتعيين في مناظرة المعلمين
ربطها بشهادات التخرج
ويقول الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة حول تلك الخطوة: «ربط محو أمية 4 أفراد كشرط لتخرج الطلبة من الجامعة لا يعفي الحكومة من ضرورة إيجاد حلول أكثر سرعة، وابتكار طرق جديدة، من بينها مثلاً تكوين تنظيم شبابي يضم قطاعاً كبيراً من الطلبة الجامعيين، لمساعدة الدولة في مواجهة هذه الظاهرة، وتقديم الدعم الكافي لهم، بعد اقتناع الطلبة بجدوى هذه المساهمة التطوعية، عبر وسائل تحفيزية، مثل تقديم إعانات مادية لهم، أو إعفائهم من الرسوم الدراسية، مقابل القيام بهذا العمل».
ويتوقع نصار أن يتم محو الأمية في مصر خلال فترة لن تتجاوز خمس سنوات على أقصى تقدير، إذا ما تم تنفيذ هذه الفكرة، خاصة إذا صدر بشأنها قانون ملزم من رئيس الجمهورية، ووافق عليه المجلس الأعلى للجامعات.
قبل شهور قامت وزارة التربية والتعليم المصرية، بإجراء حصر شامل للأميين في مصر، ويقول مسؤولون بالوزارة، إن الخطة تستهدف منح كل طالب جامعي أسماء أربعة أميين، يعيشون بالقرب من مقر سكنه، ليقوم بتعليمهم القراءة والكتابة، خلال أعوامه الدراسية الأربعة بالجامعة.
وأصدرت مصر أول قانون لمحو الأمية عام 1944، قبل أن تقر ما يعرف ب«قانون التعليم الإجباري» للأطفال عقب ثورة يوليو/ تموز في عام 1953، لكن القانون وحده لم يعد كافياً في التعاطي مع تلك الظاهرة، خاصة في ضوء الارتفاع المضطرد في النمو السكاني، وارتفاع نسب الفقر وارتفاع تكلفة التعليم في ظل السياسات الجديدة للدولة، وهو الأمر الذي بات يضع مسؤولية كبيرة على المجتمع في التعاطي مع الظاهرة، بالتنسيق مع الجامعات والأجهزة المعنية بالدولة، خصوصاً أن مصر تملك 23 جامعة حكومية، يمكن الاستفادة منها في وضع حلول لتلك الظاهرة.