«من لم ير إلا بلده يكون قرأ الصفحة الأولى فقط من كتاب الكون». يبدو أن عبارة الكاتب الفرنسي فوجريه دو مونبرون كانت نصب عين مدينة الأحلام والفرص دبي، عندما قررت أن تكون مهبطاً لأرض التواصل بين البشر، ليتصفحوا كتاب الكون رافعة شعار الكاتب المصري الراحل مصطفى أمين «رحلة واحدة إلى الخارج تساوي قراءة ألف كتاب».
هنالك فقط ودون أن تعد حقائبك مغادراً، محلقاً بطائرات تجوب سماوات الدنيا، قاطعاً حدود الجغرافيا، تلتقي التاريخ وجهاً لوجه، لتجد نفسك بين أيدي العالم. تحتضن الكون بين راحتيك، فتذوب روحك ثقافة وعلماً وإحساساً وإدراكاً وترفيهاً.
هناك في قلب القرية العالمية أنت على موعد مع تفاصيل ومحطات الكون.
إذا كنت سافرت أكثر مما سافر «السندباد» وشاهدت أعظم المدن والبحار واستمعت إلى منطق الفلاسفة وهذيان العشاق وجربت النجاح والفشل وعشت حياة مليئة بالتجربة والسفر والقراءة والتأمل، إذا كنت مررت بكل هذا الخضم في الحياة فعليك أن تكتشف أن معنى السعادة ستتذوقه جيداً ما إن تعبر من بوابات القرية العالمية. وإذا لم تكن عشت تجارب السفر والترحال، فعليك أن تستعد للدهشة والانبهار، لأنك لا محالة ستطير إلى العالم عبر أجنحة القرية العالمية.
ما إن اجتزت بواباتها حتى وقفت تائهة وكأنني دخلت متاهة لا أعرف لها بداية من نهاية، وقفت أمام ما يقرب من 30 جناحاً تمثل أكثر من 70 دولة تجسد كل منها ثقافتها وتاريخها ودلالتها في كل التفاصيل.
لم يكن ممكناً ألا تكون البداية سوى من عند تلك الأبواب التي تقرع أجراسها بالكرم والترحاب: جناح الإمارات البلد المضياف الذي يحتضن بين حنايا أرضه أبناء أكثر من 200 جنسية يتعايشون في أمن وسلام.
عبير العود الذي يفوح من وراء البوابة يجعلني أهرول إليه، نموذج مصغر من الدولة تسير بين أروقته، أقف لأتأمل البخور الإماراتي الذي يعلن عن نفسه متحدثاً بأنه رمز الأصالة.
أسأل عائشة الشحي، إحدى الفتيات اللاتي تصنعن البخور، عن أسرار هذا العالم فتجيبني بصوت هادئ: كان يستخدم على مدار آلاف السنين، وأنتجته في البداية القبائل الشرقية البدوية بالصحراء العربية، إذ كانت تحرق قطعاً من خشب العود عند نصب المخيمات لتعطير الجو. والبخور الإماراتي لا مثيل له في العالم.
جناح الإمارات يعلو تصميمه الشموخ الذي جسد تطور الحضارة الإماراتية عبر اقتباس أفضل معالم مبانيها وطريقة منازلها منذ سنوات طويلة. أجمل ما يلفت النظر إصرار الجناح الذي يرسخ لمبادئ الإماراتيين على الاعتزاز بكل ما ينبض به تراثهم، هناك تستطيع أن ترى النساء في خيمتهن وهن يصنعن التلي والسدو والخوص والحناء والبخور والعبايات. وفي الخيام الأخرى تستطيع أن تشم رائحة اللقيمات والهريس والأكلات الشعبية التي تلاقي إقبالاً من السائحين الأجانب الذين باتت أعدادهم تزداد للتعرف إلى تاريخ الدولة المضيافة.
أدخل كابول بعد رحلة شاقة من مدينة بيشاور بسيارة تشق الجبال بطبيعتها الخلابة، وتخترق الوديان التي شهدت أعنف الحروب التي لم تستطع النيل من تاريخ هذا البلد. بتلك الروح عبرت بوابة جناح أفغانستان الذي يجسد حضارتها العريقة. أتأمل أجود المشغولات اليدوية المصنوعة من الجلد الأصلي بتصاميم بسيطة تعد من المنتجات القومية في فصل الشتاء القارس.
الألمانية من أصل تونسي علياء رومينياه راحت تتجول بين المصنوعات الجلدية لتشتري أبهى الأزياء المصنوعة من الفرو الأصلي. سألتها عن انطباعها فأجابتني: منبهرة بالقرية العالمية التي جعلتني أشعر بأنني سافرت إلى مختلف البلدان. والجناح الأفغاني جعلني أغوص في عالم مختلف يضم بحوراً من اللوز الجبلي والفستق والصنوبر والجوز والتوت المجفف والمشمش والتين والزبيب. وأهم ما لفت نظري «الشادوري» ذلك الزي التراثي الذي يمثل المرأة الأفغانية التي واجهت أعتى وأعنف الحركات الظلامية، وسعدت برؤيته واشتريت واحداً.
«عذراء الغابة»، من عندها نسير عبر الخط الإنساني لا الحديدي، هي العيون التي تتكلم وحدها، الأصل والبداية، بلاد السود والأسود، القارة السمراء «إفريقيا». مع أولى خطواتك في الجناح الذي يضم معظم البلدان الإفريقية تشم رائحة بدايات التاريخ. ربما تجد نفسك مرتدياً زي قبائل الزولو، أو ممسكاً بطبول «الماساي»، ولكنك بالتأكيد ستسمع زئير الأسود طاغياً في الأجواء.
صوت سوميرجوناثا، الذي يدير أحد المتاجر المتخصصة في بيع الهدايا التذكارية التي تحمل وجوهاً إفريقية خالصة، قال: إنها المشاركة التاسعة لي على التوالي، ويسعدني دائماً العودة إلى دبي، وأشعر بالفخر والسعادة عندما أرى الزائرين من كل صوب وحدب يحرصون على زيارة جناحنا وشراء كل ما ينتمي للتراث الإفريقي. وأشعر بالاعتزاز لكوني على أرض دولة تمثل حضارة ورقياً وتقدم مثل الإمارات، فهي بالفعل خير سفير للعرب.
حضارات
لا يمكن أن تقول وأنت واقف على بوابات ذلك الجناح إنك في دولة أخرى غير الصين بما تحمله من رائحة مميزة في ثقافتها وخصوصية عاداتها وتقاليدها التي تظهر جلية على معمارها.
المجوهرات وقطع الزينة ومصنوعات اللؤلؤ من السلاسل والأساور والأقراط أهم ما يميز الجناح. ولعل تيني بيرا التي تبيع معروضاتها من المشغولات في الجناح الصيني فسرت لي الأمر قائلة: يحظى اللؤلؤ بشعبية كبيرة حول العالم، غير أن ما يميز منتجاتنا أنها كلها صناعة يدوية، ومشغولة من لؤلؤ صيني طبيعي، وبعض تصميماتنا نادرة ولن يجدها المتسوقون في مكان آخر. ومن اللؤلؤ إلى الأثاث تحدثت مونيكا روجيه التي راحت تشتري الكثير من الهدايا قائلة: كل ما يخطر ببالي وجدته وبأسعار رائعة، البضائع متنوعة من أعواد الطعام، والمفكرات الإلكترونية، ومنتجات الاستعمال اليومي، والأهم هو الباندا الضخم الذي يمثل أفضل الهدايا.
قبل أن أنهي جولتي في الجناح الصيني فعلت كما يفعل الزائرون، وختمت الزيارة باحتساء الشاي التقليدي، الذي قالت موشينجي مورنو عنه إنه صحي وأنواعه متعددة مثل توت الجوجي، وناي جوان ين، وولونج تي، وهو الأكثر شعبية بين أنواع الشاي الصيني.
بعدها انتقلت إلى حضارة أخرى ووقفت أمام بوابة بلاد طيبة، أم الدنيا، قاهرة الغزاة: مصر. الملك رمسيس الثاني يقف بهيبته وعظمته ليحكي للعالم قصة حبه الأسطورية لجميلة الجميلات نفرتاري. يستقبلك معبد «أبوسمبل» بصورته وهيئته كاملة متكاملة ليدعوك للعودة إلى زمن الفراعنة، بدءاً بكتابة الأسماء على بعض الهدايا بالهيروغليفية، مروراً بنقش ما تشتهيه على البردي، وحتى تشكيل الرمال لأشكال فنية داخل زجاجات تكتب داخلها العبارات والأقوال والأسماء بألوان الرمل القادم خصوصاً من مصر، لأنه الأنسب للاستخدام في هذا النوع من الفن.
الأمريكية هيلدا نوريان علقت على زيارتها للجناح قائلة: أعشق الفراعنة وقرأت عنهم كثيراً، وللأسف لم تواتني الفرصة لزيارة مصر، لكن القرية العالمية حققت حلمي وجعلتني أرى الملكة نفرتيتي والأهرامات والمسلات، تلك هي دبي تحقق الأحلام. وراح السوري جواد الأغر ينهال على الأكلات المصرية الشهيرة قائلاً: لا يمكن لي ألا أزور الفراعنة ولا أستمتع بطبق الكشري، ورائحة أقراص الطعمية، أما الفول فهو لا ينسى. وختم حديثه قائلاً: تهافت الزائرين على الجناح الفرعوني خير دليل على تأصل العادات المصرية.
أما الهند، فهي المبخرة الساحرة التي يضوع في أريجها عطر الشرق القديم. بلاد المليار نسمة، قدم في عصر البراري وأخرى في زمن التكنولوجيا، هي الساري المطرزة خيوطه بثنايا التاريخ، وكل العجائب.
تصميم الجناح الهندي يعطيك انطباعاً بأنك دخلت في قلب مثلث أجرا، تلتقي مع العاشقة ممتاز شاه على أبواب تاج محل، أو أنك تسير في شوارع مومباي، وربما تلتقط الأنفاس في استوديوهات «بوليوود»، لكنك بالتأكيد ستشم رائحة طمي نهر الجانج الذي تحملك مياهه بين راحتيها. رائحة البخور الهندي التي تفوح في الأرجاء تجعلك تتأكد أنك أمام أجود أنواع العود والصندل والزيوت العطرية.
ويصف شاهر مونجيني ذلك العجوز الهندي إحساسه وهو يزور جناح وطنه بأنه يمثل بالنسبة إليه الحنين إلى الأم، الذي يبث إلى نفسه نفحات من الذكرى، سواء برائحة بخوره المتصاعد، أو فسيفساء الأزياء المنتشرة على واجهاته خاصة أنه مصمم بطريقة هندسية غاية في الإبداع.
مسارح
مجموعة من السائحين وقفوا لمتابعة الفعاليات الثقافية والترفيهية التي تقدمها الفرق العالمية على المسارح المنتشرة في أرجاء القرية. كانت ضحكاتهم تملأ الأجواء، وصغارهم يلهون في الحدائق المفتوحة على جنبات القناة المائية. سألت صوفيا اونروي عن انطباعاتها عن المكان فأجابتني: سافرت إلى تركيا عندما دخلت جناحها، ورأيت حصان طروادة، وارتحلت إلى فرنسا التي أبهرني تصميم جناحها المعماري الذي استلهم قوس النصر في بوابته.
راندو تورناتو قطع حديث زوجته قائلاً: انتقلنا إلى مختلف البلدان الأوروبية بزيارة أجنحتها هنا. وأعجبني اختيار الجناح الإيطالي للسيارة «فيراري» لتكون شعاره هذا العام. بالفعل القرية العالمية لا مثيل ولا وصف لها.
مشروع قومي
صوت فيروز ينتشر في أرجاء المكان «مريت في شوارع القدس العتيقة» معلناً بدء جولتنا في الجناح الفلسطيني الذي رفرف علمه عالياً فوق كل شبر في الجناح. العبايات والميداليات والمصنوعات الخشبية من زيت الزيتون ورائحة البهار «وحنظلة» وأغاني الانتفاضة، كل هذا يجعلك تشعر أنك دخلت الأراضي العربية المحتلة ليتحدث أمير الطل بكلمات قليلة خاتماً جولتنا: القرية العالمية بالنسبة لنا كفلسطينيين ليست مشروعاً للتسوق والترفيه فحسب، بل هي في الأساس مشروع قومي يدعم قضيتنا ويرسخ عروبتنا.
«العبرة» رمز أصالة
«العبرة» تقف شاهدة على مدى اعتزاز الإمارات بأصلها وفخرها بتراثها، فعلى الرغم من التقدم الذي وصلت إليه في كل معالم الحياة، جعلت لذلك القارب التراثي القديم نصيباً كبيراً ليكون ضمن قائمة الخيارات الترفيهية الواسعة التي توفرها القرية العالمية. ويمكن لجميع الزوار القيام بجولة رائعة حول القرية عبر العبرات المزينة التي تسير في القناة المائية التي تزخر بالنشاط والحيوية وتستقطب الزوار والسياح الذين يجدون متعة وسعادة في ركوبها والاطلاع على أجنحة البلدان والدول المنتشرة على ضفتيها. وتبدأ رحلة الركاب في العبرة من أمام الجناح المصري وتستغرق كل رحلة حوالي 15 دقيقة يقطع فيها الركاب مسافة 500 متر تقريباً يستمتعون خلالها بإطلالة مميزة ومناظر جذابة لمختلف أنحاء القرية العالمية.
ترفيه لكل الأعمار
لا تقتصر القرية العالمية على الأجنحة التي تعرض ثقافات البلدان، لكنها خصصت نصيب الأسد للصغار الذين لا يجدون في التسوق متعة، ونجحت في أن تكون مقصداً أساسياً لهم، عندما خصصت لهم منطقة كاملة متكاملة تضم أكثر من 70 لعبة. وتتنوع هذه الألعاب ما بين ألعاب المهارات ومثيلاتها المائية، وتتميز المنطقة التي تضيء ألوانها مساحة واسعة من القرية العالمية بتنوع أفكارها وتعدد أشكالها التي تجذب الكبير والصغير، إذ تتوفر ألعاب تناسب الأطفال من عمر عام، وأخرى للشباب والكبار وتتمتع بالأمان وتمنح الجميع فرصة لقضاء أجمل الأوقات مع أصدقائهم وعائلاتهم.