عندما نتحدث عن علم الرياضيات سنجد الكثير من مفردات هذا العلم الحيوي والضروري يعود إلى جذور عربية إسلامية، من الأعداد التي تستخدم الآن في الغرب، إلى اختراع الصفر لحل الكثير من المعضلات الحسابية، إلى ظهور الجبر كعلم مستقل على أيدي الخوارزمي إلى تطوير علم المثلثات إلى المعادلات الرياضية المركبة إلى اكتشاف الكسور العشرية إلى التطور الكبير في الهندسة...الخ. لقد كانت الرياضيات في العالم الإسلامي ضرورة لكثير من الأسباب التي طرحها الباحثون، منها الحاجة الملحة لضبط المواريث واتساع النشاط التجاري، وازدهار العمران والبناء، فضلا عن مركزية الرياضيات في علم الفلك واكتشاف الكون المحيط، انطلاقاً من رؤية إسلامية تستثمر المعرفة العملية في خدمة البشر، وتتعدد في هذا العلم أسماء العديد من الأعلام: ابن الهيثم، ابن البناء المراكشي، البوزجاني، وابن حمزة الجزائري رائد علم اللوغريتمات.
كتب ابن حمزة مؤلفه الأشهر «تحفة العدد لذوي الهدى والرشد»، وقراءة عناوين الكتاب تظهر لنا إلى أي مدى تطور علم الرياضيات في تراثنا العربي الإسلامي، يتكون الكتاب من مقدمة وأربع مقالات وخاتمة، وتشمل المقدمة: تعريف الحساب، وأصول الترقيم، والتعداد، وناقشت المقالة الأولى الجمع والطرح والضرب والقسمة، وتحلل المقالة الثانية الكسور، والجذور في مخارج الكسور وكيفية إجراء العمليات الحسابية واستخراج الجذر التربيعي، والأعمال الأربعة للأعداد الصم، واستخراج جذور الأعداد المرفوعة إلى القوة الثالثة والرابعة، ورصدت المقالة الثالثة كيفية استخراج قيمة المجهول باستعمال التناسب وطريقة الجبر والمقابلة، وتتبعت المقالة الرابعة مساحات الأشكال والأجسام، وفي الخاتمة أورد ابن حمزة بعض المسائل التي تحل بطرق متعددة.
شغف مبكر
علي بن ولي بن حمزة من علماء القرن العاشر الهجري، تاريخ ميلاده ووفاته غير معروفين على وجه الدقة، ولد في الجزائر العاصمة من أب جزائري وأم تركية، في طفولته تعلم القرآن الكريم ونال قسطا من مختلف العلوم الإسلامية، ونظرا لميوله للرياضيات لم يجد والده في الجزائر معلمين قادرين على تعليم الابن، فأرسله إلى أخواله في إسطنبول، وهناك ذاع نجمه، حتى التحق بديوان المال في قصر السلطان العثماني، وبعد وفاة والده، عاد إلى الجزائر لرعاية والدته، ثم لم يلبث أن رحل إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وهناك استطاع حل ما عرف ب «المسألة الهندية»، وهي مسألة رياضية عجز علماء الرياضيات في الهند عن حلها حتى اشتهرت وعرفت في كتب تأريخ العلوم ب «المسألة الهندية». عاش ابن حمزة عدة سنوات في مكة، ولا يعرف أحد أين توفي؟، أو إن ترك كتابا آخر في الحساب أم لا.
وضع ابن حمزة جدولا شهيرا حل فيه «المسألة الهندية»، والتي تقول: «ترك رجل تسعة أولاد، وقد توفي عن إحدى وثمانين نخلة، تعطي النخلة الأولى في كل سنة رطلا واحدا من التمر، والثانية رطلين، والثالثة ثلاثة أرطال، وهكذا إلى النخلة الحادية والثمانين، فهي تعطي واحدا وثمانين رطلا من التمر في السنة، والمطلوب هو تقسيم النخلات على الأولاد بحيث تكون أنصبتهم متساوية من التمر، وأن يرث كل ولد تسع نخلات»، عرضت المسألة الهندية على ابن حمزة من قبل أحد التجار الهنود أثناء أداء عالمنا فريضة الحج في مكة، وعلى أثر ذلك قرر الإقامة في المدينة لفترة حتى يستطيع حلها.
صمم ابن حمزة أحد الجداول المبتكرة والمعقدة بمعايير ذلك الزمان، يتكون من عشر خانات رأسية وثلاث أفقية يخترقها خط مائل ليصنع مثلثين في قلب الجدول، وقسم النخيل بالتتابع إلى تسع مجموعات، كل مجموعة تحوي تسع نخلات، بحيث تشمل المجموعة الأولى النخيل من النخلة رقم 1 إلى النخلة رقم 9، والثانية من النخلة رقم 10 إلى 18، وهكذا مع الحفاظ على ترتيب النخلات في كل مجموعة من الأصغر إلى الأكبر، وأعطى لكل واحد من الأخوة نخلة من كل مجموعة، بحيث لا يأخذ أي واحد منهم نخلتين أو أكثر لهما نفس الترتيب، واستطاع أن يعطي كل أخ تسع نخلات، و369 رطلا من التمر في العام.
نجح ابن حمزة في حل المسألة الهندية، التي اطلق عليها البعض بعد ذلك «المسألة المكية» أو «مسألة ابن حمزة»، عبر فكرة المتواليات التي يتأسس عليها علم اللوغريتمات. لقد جاء علم الحساب ليسهل على الناس عمليات الجمع والضرب والطرح والقسمة، وظل الانتقال من عملية إلى أخرى يتسم بشيء من الصعوبة، حتى جاء علم الجبر فسهل بدوره الانتقال من الجمع إلى الطرح ومن الضرب إلى القسمة، لكن ظل الانتقال من الضرب إلى الجمع ومن القسمة إلى الطرح صعبا، حتى نشأ اللوغريتمات وتتمثل إضافته الأساسية في كونه يحول الضرب إلى الجمع والقسمة إلى طرح.
تناول ابن حمزة في كتابه المتواليات الحسابية والهندسية، الأولى تبدأ من الواحد ثم اثنين ثم ثلاثة وهكذا، والثانية تتنقل من الواحد ثم اثنين فأربعة فثمانية..الخ، وأشار إلى ضرورة فهم هذه العملية في العلوم الطبيعية، والهندسة والحسابات التجارية، والأرباح المركبة، وأهميتها في المسائل الرياضية التي تتكون من أعداد كبيرة، ورصد الصلة بين هذين النوعين من المتواليات.
استند ابن حمزة في فهمه للمتواليات على تراث طويل يمتد إلى الرياضيات الهندية والمصرية والعربية، واعتمد على كتاب سنان بن الفتح الحراني «في الجمع والتفريق»، وكتاب أبي الحسن علي النسوي في المتواليات، والفلكي ابن يونس المصري والذي تحدث عن المتواليات ودورها في حساب المثلثات الكروية، ولكن لم يستطع أحد من هؤلاء وضع قانون للمتواليات مثلما فعل ابن حمزة، يقول ابن حمزة في قانونه: «إن أس أي حد من حدود متوالية هندسية، يبدأ بالواحد الصحيح، يساوي مجموع أساس الحدين اللذين حاصل ضربهما يساوي الحد المذكور ناقصا واحدا»، وهو قانون صعب لا يستوعبه جيدا إلا عالم في الرياضيات.
في القرن نفسه الذي ألف فيه ابن حمزة كتاب «تحفة العدد لذوي الهدى والرشد»، اكتشف العالم الإنجليزي جون نابيير، 1550-1617م، اللوغاريتمات، ونُسب إليه هذا العلم، وما ميز نابيير عن ابن حمزة بداية الأول من الصفر، يقول حافظ طوقان في موسوعة «تراث العرب العلمي في الرياضيات»: «ولو أن ابن حمزة استعمل مع المتوالية الهندسية المتوالية العددية التي تبدأ بالصفر لكان اخترع اللوغريتمات الذي أوجده نابيير بعده بأربع وعشرين سنة».
تاريخ مجهول
ظل ابن حمزة مجهولا لفترة طويلة بالنسبة للمؤرخين، حتى عُثر على نسخ من كتابه «تحفة العدد لذوي الهدى والرشد» باللغة التركية في إسطنبول، بعضها يحمل غلافه العنوان السابق، وبعضها يحمل عنوان «تحفة العدد لذوي الهدى والسدد»، والبعض الآخر جاء تحت عنوان «كتاب في علم الحساب»، ولم يذكر أحد من القدماء ابن حمزة سوى حاجي خليفة في «كشف الظنون»، وفي العصر الحديث وردت عنه بعض الإشارات لدى عمر فروخ في «تاريخ العلوم عند العرب»، وفي «الأعلام»، للزركلي، وحافظ طوقان في الكتاب السابق الإشارة إليه، وحكمت عبد الرحمن في «دراسات في تاريخ العلوم عند العرب».
من تطوير الخوارزمي لنظرية معادلات قابلة للحل عبر الجذور، أفادت في الحساب والتبادلات التجارية ومسائل الإرث ومسح الأراضي، إلى ريادة ابن حمزة لعلم اللوغريتمات، ازدهر علم الرياضيات في تراثنا العربي الإسلامي، بل عرف تراثنا أسرة بأكملها نبغت في الرياضيات والفلك وهم أبناء موسى بن شاكر في بغداد في القرن التاسع الهجري، وفي قائمة علماء الرياضيات المسلمين الكثير من الأسماء وفي مدونة هذا العلم ربما توقفت أمام أفكار ما زالت تدرس حتى الآن في المدارس، وأمام عمليات رياضية يظن الكثير منها أنها اخترعت في الغرب خلال القرنين الماضيين على الأقل، بل وحتى كانت الكثير من الأدوات الهندسية مثل الفرجار هي من اختراع أحد علماء الحضارة العربية الإسلامية وهو أبو سهل القوهي، وقد دفعته دراسته للأشكال المخروطية إلى ابتكار هذه الأداة الهندسية التي ما زال طلبة الرياضيات يستخدمونها حتى الآن.
عاش ابن حمزة في القرن العاشر الهجري، واجتهد ليتوصل إلى ابتكار مبادئ علم أفاد البشرية كثيرا، ولا بد أن نتخيل ذلك الجهد والدأب اللذين تميز بهما ابن حمزة للوصول إلى ابتكاره، ولا بد أن نفكر في ذلك الموروث الطويل الذي استند إليه في الرياضيات التي بطبيعة الحال لا بد أن تتقاطع مع علوم عقلية وتطبيقية أخرى، ولا بد أن تخدم حضارة ازدهرت فيها التجارة والعمران بما يؤشر إلى الانفتاح على الآخرين: ثقافيا وعلميا وحضاريا. عاش ابن حمزة في عصر التراجع والانحطاط وربما الأفول كما يؤرخ غالبا لتلك الفترة والأهم عاش في عصر التفكك السياسي وصعود الآخر، وبرغم كل ذلك ترك أفكارا تحتاج إلى مزيد من الإضاءة أولاً ثم البحث والدراسة، ثم الإفادة من تجربته حتى لا يكون التاريخ علما للتسلية أو تزجية أوقات الفراغ.