استطلاع: نجاة الفارس

لماذا يقتصر أدب الطفل على السرد؟ ولماذا يغيب شاعر الأطفال؟ وهي ظاهرة واضحة يجدها المتابع أمامه عند تأمل مختلف الإصدارات المخصصة للأطفال. ويؤكد عدد من الكتاب والنقاد والتربويين أن الكتابة الشعرية للطفل همّ، وهاجس، ومسؤولية، وهي أكثر صعوبة وتعقيداً من نظيرتها السردية، وما يجعل الشعراء أكثر إحجاماً وحذراً في الإقبال على الكتابة للأطفال، أن هذا النوع من الشعر ليس بالشيء السهل الهين، لأنه يتطلب ثقافة تربوية، ونفسية.

ويوضحون أن الكتابة الشعرية للطفل تتطلب براعة خاصة، ومهارات استثنائية، خاصة أن الشعر أدب موسيقيّ يُتَذَوّق سماعاً، مضيفين أن أحمد شوقي كان عندما ينهي كتابة قصيدة للأطفال يجمع بعض الصغار، ويقرأها عليهم، فإن أعجبتهم اعتمدها، وإلّا طرحها جانباً.

يقول الدكتور طلال الجنيبي: الكتابة الشعرية للطفل صعبة، ومعقدة، فاللغة التي يستخدمها الشاعر لابد أن تكون بسيطة واضحة من دون الإخلال بالمعنى، وهي أقرب للنظم، كما أن الرسائل التي تتضمنها القصيدة يجب أن تكون مباشرة، لا تحتمل التأويل، وغير مربكة تؤسس لأفكار واضحة، تقود الطفل نحو هدف معين، عبر مفردات رشيقة، وهذا تحد صعب.

وحينما نخاطب الطفل يلزمنا أن نعلم أن هناك الكثير من القيود، لذلك يتجنب الشعراء خوض غمار هذه التجربة، كما يلزم من يكتب للطفل أن يضع نصب عينيه أنه يكتب لشريحة لا تزال في تطور الوعي، وهو يتحمل مسؤولية تشكيل وجدان، وذائقة، وفكر أجيال قادمة، وهنا يقع الشاعر تحت طائلة مسؤولية جسيمة، مسؤولية إفساد، أو إصلاح أو تحسين ذائقة شباب المستقبل.

وبالنسبة إلي شخصياً، خضت مع نفسي تحدياً خاصاً، ولديّ نحو 20 نصاً شعرياً، منها نص يدرس في منهاج اللغة العربية للصف الرابع ابتدائي، وهي قصيدة بعنوان «جوهر الإنسان»، وقد علمت أنه تم اختيارها من بين مئات القصائد، فهو نص مكتنز بالقيم، والأخلاق، والمبادئ، من دون التوجيه المباشر.

خطاب فني

يقول الدكتور شعبان أحمد بدير، ناقد أدبي وأكاديمي من جامعة الإمارات: الكتابة للأطفال ليست سهلة، إنما هي خطاب فني يستهدف فئة معينة، ومن ثم يجب أن يكون متطوراً ومتجدداً ليواكب ثقافة الطفل المتغيرة، وتطلعاته المستقبلية، وإذا وافقنا بعض النقاد في أن نظرية أدب الطفل تتلخص في الإيقاع، والخيال، واللغة، من جهة، وفي المجتمع والواقع والتلقي من جهة أخرى، فإننا ندرك أن أدب الطفل يقوم على عمادين أساسيين، ألا وهما القصة، والشعر، ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر؛ لأن لكل منهما ركناً أساسياً من تلك النظرية، ولكن الملاحظ في الآونة الأخيرة التوجه للقصة أكثر من الشعر، وهذا يعود لأسباب بعضها يتعلق بالتوجه العالمي نحو الرواية والقصة، وبعضها يرجع إلى طبيعة اللغة القصصية التي تغذي ملكة الخيال الخلاق المتوهج عند الطفل في سني حياته الأولى، أكثر من الشعر، الذي يعتمد على النظم اللغوي والإيقاع الحركي، وعدم قدرته على مجاراة القصة في التعبير عن روح العصر، والتطور التكنولوجي المتسارع الذي يعيشه الأطفال في العقد الأخير.

وكلها أسباب تجعل الشعراء أكثر إحجاماً وحذراً في الإقبال على الكتابة للأطفال، لأن هذا النوع من الشعر ليس بالشيء السهل الهين، لأنه يتطلب ثقافة تربوية ونفسية، ولغة خاصة، فإما أن يستسهل الشاعر ويقدم بعض الوصايا والنصائح والأخلاقيات مغلفة بالنظم الإيقاعي واللغوي، وإما أن يقدم لغة خاصة مكثفة تتناسب مع طبيعة المرحلة السنية التي يكتب لها، تحمل دلالات عميقة وواضحة في الوقت نفسه، وتعرض رمزاً فنياً وتورية محببة تستلذ بها نفس الطفل، وتنشط معها قدرات عقله، والوصول إلى مستوى رواد شعر الأطفال كأمير الشعراء أحمد شوقي، وكامل الكيلاني وسليمان العيسى، مع مجاراة روح العصر وطموحاته.

انحياز

الشاعر والتربوي حسن أبو دية يقول: لست أريد الخوض في جدلية تعريف مصطلح أدب الطفل، وهي جدلية لها مشروعيتها، وسأفترض في إجابتي أن المقصود هو «الأدب الموجه للطفل»، لماذا يقتصر أدب الطفل على السرد؟ كلمة اقتصار قاسية، فهي تبتر امتداد الأسئلة التي تلي هذا السؤال، فهناك انحياز للسرد على حساب الشعر، و هو انحياز - بكل أسف - أصبح يعم الأدب بأكمله، وليس خاصاً بالطفل فقط، فبعض دور النشر أصبحت ترفض نشر الدواوين الشعرية.

الكتابة للطفل صعبة، شعراً، و نثراً، لكنّ استسهال السرد أغرق السوق بمنشورات تسمى «قصص للأطفال»، بينما الكتابة الشعرية للطفل تتطلب براعة خاصة، ومهارات استثنائية، خاصة أن الشعر أدب موسيقيّ يُتَذَوّق سماعاً، و لعلنا نُذكّر بأن أحمد شوقي ذكر أنه كان بعد أن ينهي كتابة قصيدة للأطفال يجمع الصغار، ويقرأها عليهم، فإن أعجبتهم أثبتها، و إلّا طرحها جانباً، فالشاعر الذي يوجّه قصائده للطفولة، جندي محارب على أكثر من جبهة، فمن ناحية جبهة نشر نتاجه بشكل لائق، وأخرى محاولات تغييبه عن المشهد الشعري، فهل سمعنا مهرجاناً للشعر استضاف شاعراً للأطفال؟ هل تقيم بيوت الشعر والمنتديات الثقافية أمسيات لشعر الأطفال؟ أليس من حق هذا الشاعر الاحتفاء به؟ وهو يقوم بمهمة ربما أصعب مما يقوم بها نُظراؤه.

هناك ضرورة لتقييم هذا الكم من الأدب الموجّه للطفل، حيث إن معظمه أدب وعظي، لا ينمي الذائقة الفنية، أما الأخرى، فإن كل الحديث يدور حول المراحل الأولى من الطفولة، أما ما يسمى بفئة الشباب، أو «المراهقين» فالأدب الموجه لهم يكاد يكون نادراً، شعراً و نثراً.

تقنيات

نادية النجار روائية وقاصة للأطفال، تقول: الكتابة للطفل تختلف كما نعرف عن الكتابة للكبار، ولها تقنياتها وشروطها، وتحتاج إلى فهم عالمه، لذا نلاحظ عزوف الشعراء عن كتابة أو نظم قصائد موجهة للأطفال، رغم أنهم في العادة إلى النص الشعري والإيقاع.

وعلينا أن نضع في الاعتبار أن طفل اليوم يختلف عن طفل الأمس، واهتماماته تغيرت، والقصيدة كي تصل للطفل وتُدهشه يجب أن تواكب هذا العصر، تستمد من بيئته ومحيطه، وتنمي خياله، وتثير فيه حب المعرفة والبحث، بمعنى آخر يجب أن نقدم له قصائد عصرية، بشكل عام، والشعر الموجه للأطفال هو الشعر الذي يدخل قلوب الأطفال، وينال إعجابهم بلغته القريبة منهم.

تجربة

الكاتبة فاطمة القدومي معلمة لغة عربية في المدرسة البريطانية الدولية في أبوظبي، تقول: أَذكر عندما كنت صغيرة، كنت أعشق القصص التي كانت جدّتي تحكيها لي، كما كل الأطفال في الزمن الماضي، كانت القصة تحتوي على أشعار بسيطة تُغنّى، أحياناً ولم أَكن أفهم معناها لكن كنا نرددها كثيرا مثل قصة (جبينة) قصة فلسطينية قديمة نقصّها على أَولادنا حتى يومنا هذا، ونردد الأغاني التي تتخللها مثل قول جبينة (باللهجة الفلسطينية) عندما ابتعدت عن أهلها:

يا طيور طايرة/ يا نجوم سايرة. سلمن عمّي وبوي/ وقولوا جبينة راعية.

كنّا نحب سماعها، هكذا هو الطفل يحتاج إلى شيء يجذبه لسماع قصة ما، لقد كاد أدب الأطفال يخلو من الشعر، وبحكم تجربتي كمدرّسة ومعلمة للأطفال الناطقين بغير اللغة العربية أجد أَكثر ما يستهويهم الأنشودة والأغنية البسيطة لتعلم اللغة العربية، فالطفل يمل من السرد و يحتاج للتنويع ما بين السرد والشعر، فالشعر الذي يغنّى أو يُنشد له قيمة مهمة في كتاب الطّفل، ويعتبر وسيلة جيدة لفهم الدرس أو القصة، مع مراعاة مستوى الطفل في كل مرحلة من مراحل حياته، فلا توضع له كلمات مبهمة لا يستعملها في حياته العملية، ولا كلمات بألفاظ يصعب عليه نطقها.

لقد عشت هذه التجربة مع طلابي الأطفال في المدرسة، فعندما أغني لهم الكلمات التي أريد منهم حفظها يكون استيعابهم لها أفضل، ويقبلون على الدرس بشكل جيد، لذلك فأنا كمربية أرى ألّا يقتصر أدب ألأطفال على السرد وحده، بل لا بد أن يتخلله الشعر المناسب للمراحل العمرية، ليضفي البهجة والسرور على الأدب، وتصبح القراءة أكثر تشويقاً.