نظم اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي عبر منصته الإلكترونية أمسية بعنوان «واقع النقد الأدبي إشكاليات ورؤى» للناقدة والأكاديمية الدكتورة أمل التلاوي، وذلك مساء أمس الأول عبر برنامج «واتس أب»، وأدارت الأمسية الكاتبة آمال الأحمد، حيث قدمت نبذة عن ضيفة الأمسية، ثم حاورتها في عدة قضايا نقدية مهمة.
وتحدثت التلاوي عن إشكالية المنهج النقدي قائلة: «من أبرز أصابع الاتهام التي توجه للنقد الأدبي هي قضية المنهج، فالنقد غالباً ما يُطالب أن يكون عادلًا ومنهجياً وذا أدواتٍ علمية، ولكننا نغفل في الوقت ذاته ونحيد عن جوهره؛ إذ طالبناه بالحياد فقط، إنني أرى وجوب أن يكون الناقد منحازاً، ببساطة أن يكون منحازاً للجمال، ليس المطلوب منه أن يكون منطقياً وعلمياً فهو متعلق بالأدب، ففي هذا المجال لا إجابات حتمية، ولا قوانين ثابتة، بل إن السعي نحو المتغير، فالأجمل هو طموح الأدب والنقد في آن واحد».
أضافت التلاوي: «لا شك أن النقد ينطلق من النص الأدبي فهذه حدود بدايته لكنها ليست أفق نهايته، مطلوب منه أن تنقله حدود النص إلى ما هو أبعد من ذلك، فالدور الذي يقوم به النقد الأدبي خطير جداً، فهو أعمق من كونه حوارية من نوع ما مع النص الأدبي تلقى عليه أحياناً من خارج النص كالمنهج التاريخي أو الاجتماعي تلك التي كانت تنطلق من محيط النص لا النص ذاته، يجب أن يذهب النقد لأبعد من ذلك بكثير لأنه يشكل رؤية تعكس فهم الإنسان للعالم، وكيف يتعاطاه من خلال التجربة الأدبية».
وقالت: «لقد سعى النقاد سعياً حثيثاً وراء الموضوعية، ومرورًا بهذا التاريخ النقدي الطويل، سيرى الباحث كمية الحيرة والارتباك في التعامل مع النصوص الأدبية، يكفي أن ننظر نظرة سريعة إلى عناوين المؤلفات النقدية ليتضح لنا ذلك، وكل المناهج عبر هذه السنوات ما تلبث أن يؤسس لها فتغدو إشكالياتها أكثر من طموحاتها فيعيد الدارسون الكرّة، ولكن للتخلص من كمية الحيرة والارتباك حاول فريق من النقاد إرساء منهج نقدي جديد يكون بديلا لكل المناهج النقدية السابقة، وهؤلاء يسعون إلى تأسيس قاعدة علمية للدراسات الأدبية، موظفين ما يسمى بالاتجاه اللغوي في النقد الأدبي وهو ما أؤيده رغم تعرض هذا الاتجاه أيضاً للكثير من الانتقادات، لكن يبقى إلى وقتنا الحالي أفضل ما قد يمتلك الناقد من أدوات وفقاً لما أرى».
دوائر
وفي إطار ردها على سؤال كيف يثمر النقد في الأدب والأدب في النقد؟، قالت التلاوي: «النقد والأدب دائرة متوالية منفتحة على عنصرهما الثالث، العالم، تبدو الممارسة النقدية في مستوى ما، حواراً مع النصوص لكن هذا الحوار هو نوعي وخاص وممنهج وهو يكتسب أهميته من محاولته إثارة أسئلة حول النص، أكثر من تقديم إجابات محددة، يتحرك النقد ليكشف عن أنساق النص وعلاقاته الداخلية وتفاعلاته التي جعلت منه نصاً متميزاً ربما، ويتحرك الأدب بمتغيراته ليطرح تحديات جديدة أمام النقد، لا يتطور أحدهما من دون الآخر، لكني أرى إن كان هناك تقصير فهو منوط بالنقد لا الأدب، يجب على النقد أن يتولى زمام دوره بوضوح وجديّة فهو المعوّل عليه في إعادة بناء النصوص نحو الأفضل وهو المعوّل عليه أن يجلي النموذج الأجمل وأن ينتصر للنصوص الجادة دون غيرها».
وأضافت: «هنا تتجلى خطورة النقد فهو الكاشف وهو المقدم والمعرف، أمام كثير من الإبداعات والمؤلفات التي نراها تكثر يوماً بعد يوم، تنتخب جائزة مشهورة على سبيل المثال واحداً من الكتب لتعلن فوزه دون غيره والقارئ يثق أن هذا الفوز الثمين جاء من مختصين أخضعوا النص لمراحل من التمحيص والنقد المنهجي، فتتجه أنظار القراء إلى هذا الكتاب، وبهذا يكسب النقد الرهان في توجيه الذائقة عند المتلقي، ويبقى مبدع ما، لم تدر عنه الجوائز طيّ النسيان، فيرتكب النقد جريمته الكبرى في طمس ملامح جميلة لتجربة أدبية ما، كلها عناصر متشابكة يسهم بعضها في الآخر ولا غنى لأي طرف عن أخيه، بل إن عنايتنا بالأدب والكتابة دون النقد ستعود بالخسارة على المنجز الأدبي والفكري لأمّة ما، يجب أن يتم دفع الدفتين حتى نضع بصمة من نوع خاص في ذاكرة الإنسانية».
سطوة السرد
قالت التلاوي عن تضخم السرد: «من حق جميع بني البشر أن يتجهوا نحو السرد، نحن مسكونون بالقصص والأخبار والسرديات، هي بوابة التعبير اللا متناهي وأكبر فسحة للتعبير عن النفس، وربما تتصدر الرواية الآن المشهد الأدبي، برأيي أن إنسان العصر الحديث بكل ظروفه وأحداثه المتشابكة يحتاج إلى نص مثل الرواية ليعبر به عما يشعر به، أما القصة فأنا أراها من أصعب ميادين الكتابة الإبداعية في عصرنا هذا، مثل النصوص المضحكة، من الصعب إضحاك الإنسان في هذا الزمن، لذلك نادراً ما نرى نصوصاً مضحكة أو هزلية فإن وجدناها ما تلبث أن تكون سخرية سوداء، أما الرواية فهي تتيح مساحة من الزمن والتشابك تغري الكاتب وربما تجيب عن أسئلته، فيلجأ إليها، وهنا أحب أن أشير إلى الاتجاهات الحديثة التي شهدها هذا الفن السردي؛ حيث غدا فناً محبوكاً بصورة تتصل بالفلسفة وعلم النفس والذكاء البوليسي ربما، وبات نسج أحداثها يتطلب مهارة وذكاء كبيرين من المبدع، فهذه العوامل مجتمعة حققت طموحاً عند الكاتب في إخراج كل مدخراته على الورق وأيضاً حققت جذباً وفضولاً عند القارئ، ويبقى للسرد سطوته في المخيلة الإنسانية وربما أنا منحازة جداً للسرد بجميع أشكاله، وأراه عملاً صعباً ودقيقاً يحتاج لمكنة وذكاء شديدين، كما أرى للنقد دوراً أكبر فيه».
