لدى أشهر الشركات الاستشارية العالمية عشرات بل مئات المقالات والتقارير التي تحاول تصوير شكل اقتصاد المستقبل ومجتمعاته وسياسات أعماله لما بعد جائحة «كوفيد-19»
شكلت الرغبة في معرفة ما سيأتي به المستقبل حالة من القلق الدائم لدى البشر على مر التاريخ، فالإنسان بطبعه في سعي متواصل نحو الأمان، والمعرفة المسبقة للأحداث تلبي لديه هذه الرغبة بلا شك، وتمنحه إمكانية الاستعداد للمجهول والتحوط ضد المخاطر.
استغل العرافون والمنجمون هذه الرغبة الإنسانية الطبيعية، واستعانوا بالبدع والأدوات التي رفضها العقل والدين؛ ليخترعوا لهم مهنة قائمة على تسويق الوهم والخداع بهدف الكسب المادي، وفي المقابل عرف التاريخ أناساً قادرين على استشراف الخطوط العامة للمستقبل وتوقع أحداث بعينها، مستندين إلى التجربة والمعرفة والفهم العميق لمجريات الأمور، والفرق بين الفريقين هو أن الأول استند إلى التخمين، بينما استند الفريق الثاني إلى العلوم والمعارف الحقيقية.
أحداث هذه المرحلة ومتغيراتها الديناميكية تبرز أهمية استشراف المستقبل والتفكير والتأمل فيه، وكيفية الاستعداد له والتعامل معه، فسمة العصر هي سرعة التغيير، وتوالي الأحداث التي لا تنذر بقدومها أحداً، والريادة في الاستشراف باتت أحد أهم عوامل المنافسة والتفوق؛ لأنها تنعكس إيجاباً على منهجية التفكير والإدارة، وتساعد على اتخاذ القرارات السليمة في الشركات والمؤسسات بمختلف تخصصاتها، وتسهم في وضع خطط مستقبلية تتجاوز التحديات مسبقاً، وتختصر المسافة نحو المزيد من التقدم.
منذ أيام ذهبت في جولة افتراضية إلى أروقة أشهر الشركات الاستشارية العالمية؛ للتعرف إلى ما تستشرفه لما بعد جائحة «كوفيد-19»، فوجدت عشرات بل مئات المقالات والتقارير التي تحاول تصوير شكل اقتصاد المستقبل ومجتمعاته وسياسات أعماله.
تلعب هذه الشركات دور العرّافين والكهنة في معرفة المستقبل، ولكن باستخدام أدوات تحليلية، وبقراءة دقيقة للماضي والحاضر لتستند إليها في تكهن المستقبل. هذه الشركات كما تعلمون تجني كثيراً من الأموال، وتنتشر بشكل واسع في العالم بسرعة فائقة، وبالرغم من أهمية ما تقدمه من خدمات فإننا نتعامل معها بحذر وتردد، فمعظم الناس يميلون إلى التغاضي عما يستوجب التغيير الجذري في حياتهم أو أعمالهم، فيخرجهم من المناطق التي يتمسكون بها، ظناً منهم أنها آمنة، متناسين حقيقة علمية مهمة وهي أن البقاء على نفس الحال في زمن متسارع متغير هو الخطر بحد ذاته.
معظم هذه المقالات والدراسات كانت اجتهادات وتحليلات مبنية على القليل من الواقع وكثير من التكهن، في محاولة منها لجذب الأنظار، والتفرد بطرح أساليب إدارية جديدة، أو آليات عمل تختلف عن التقليدية السائدة، لكنها في الحقيقة جديرة بالدراسة والتفكر؛ للخروج بنتائج تخدم توجهنا وطموحنا نحو مستقبل مزدهر وآمن.
ولعل أهم الإضاءات التي أجمعت عليها هذه الدراسات كانت أهمية الإسراع في التحول الرقمي في الأعمال والمؤسسات المجتمعية والرسمية، وأزمة «كورونا» الراهنة أثبتت أهمية هذا التحول للإبقاء على عجلة العمل والحياة دائرة بالحد الذي يخدم مصالح الناس واحتياجاتهم الأساسية، فالعالم الرقمي يتجاوز الكثير من التحديات التي تفرضها الحياة على الأرض، ويبقي على تحدٍّ رئيسي وهو المهارة، فيصبح امتلاك المهارات الحديثة مجالاً جديداً للمنافسة ينعكس إيجاباً على تطوير العلوم والمناهج الدراسية وآليات التفكير المجتمعي والمؤسسي.
قضية أخرى مهمة تناولتها هذه المقالات وهي أهمية دور القيادة المرنة، ليس بسبب قدرتها على التكيف حتماً، فالتكيف يكون أحياناً نقيضاً للتطور، بل بسبب قدرتها على تحفيز الإبداع والابتكار في منظماتها وشركاتها وأعمالها، وما تملكه من حس استباقي متيقظ يدفع باتجاه التغيير واستباق الأمور، ووضع خطط طويلة الأجل لمسيرة آمنة ومتدنية المخاطر.
لذلك تستشرف الكثير من الدراسات ظهور وظيفة أو مهنة جديدة تسمى مهنة «المستقبلي» أو Futurist، حيث يستخدم المستقبليون مهاراتهم البحثية والتحليلية لوضع توقعات حول المستقبل، وعادة ما يطورون معرفة عميقة بمجال معين مثل الهندسة والاقتصاد وعلوم البيئة وغيرها، ومن أهم أدوارهم وضع الاستراتيجيات بعيدة المدى للكيانات الاقتصادية والحكومات على حد سواء.
ستفرز لنا أزمة «كوفيد-19» الكثير من «عرّافي العصر» المختصين بعمق في مجالات معينة، ولكنها في الوقت نفسه ستفرز لنا حقيقة ساطعة، وهي أن التفكير المستقبلي لا يجب أن يكون حكراً على النخبة أو قادة الشركات والمؤسسات بل يجب أن نكون جميعاً «مستقبليين» بتفكيرنا وممارساتنا وإدراكنا لأهدافنا العامة والخاصة وكيفية تحقيقها.
* عضو مجلس الأمناء لمؤسسة ربع قرن لصناعة القادة و المبتكرين