جاسم البلوشي *
يقول الخبير السابق في المخابرات السوفييتية ك.ج.ب ليوري بيزمونوف: «إن أفضل فنون الحرب هو عدم القتال، بل العمل على تخريب كل ما هو ذو قيمة في دولة عدوك، ويضيف: «إن أول مراحل هذا التخريب هي: إسقاط الأخلاق وهذه المرحلة تأخذ من 15 إلى 20 عاماً، ولكن لماذا هذه المدة؟ لأنها المدة الكافية لتغيير جيل كامل من الطلبة والأطفال». ما يتحدث به هذا الخبير في مؤلفاته، يتجاوزه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، على أرض الواقع، فرؤيته الحكيمة تجلت مؤخراً في كلمة ألقاها خلال المنتدى العالمي للاتصال الحكومي، حيث قدم تعريفاً لمفهوم «التنمية المستدامة» بمثال واقعي وحيّ ظهر على أرض الإمارة، بإنشاء أول مركز للأطفال قبل 32 عاماً ماضية.
تكشف هذه التجربة، وهذه الرؤية التي ينطلق منها سمو حاكم الشارقة، البنى الأساسية، والمرتكزات العميقة التي ترسم راهن الإمارة، وتحدد شكل مستقبلها، فمراكز الأطفال ومراكز الناشئة ومراكز الفتيات (سجايا) هي مراكز تابعة للمجلس الأعلى للأسرة، وتعمل على تدريب آلاف من أطفال وناشئة الشارقة على مختلف المهارات الشخصية، والقيم النبيلة والبنّاءة.
تضع هذه المراكز الأطفال والناشئة على رأس أولياتها، منطلقة في ذلك من حقيقة تعرفها البلدان المتحضرة، والعاملة على مشروعها النهضوي، وتتمثل في أن الأطفال هم طاقة المستقبل، ورهانه المتين؛ إذ يجد المعاين لتاريخ المراكز أنها أنشأت وتبنت مواهب وأحلام الكثير من الشخصيات التي تعتلي مختلف المناصب في الدولة، وخرّجت قيادات تتولى مختلف المؤسسات في الشارقة.
لذلك لم يضعنا صاحب السمو حاكم الشارقة أمام عبارات محكمة السبك، مبنية بلغة متينة، تتلهف الآذان لسماعها وحسب؛ وإنما وضعنا أمام الراهن، والماضي، وتركنا نتأمل مستقبل الإمارة ومسيرة نهوضها، فعن اختياره مراكز أطفال الشارقة كان يجسد مفهوم التنمية المستدامة ويلخص محتواه بصورة حيّة.
إلى جانب ذلك ظلت قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، تدفع برؤاها وتطلعاتها بذلك الاتجاه، فباتت صناعة قادة المستقبل ورواده أحد أكبر انشغالاتها، حيث أصدرت قبل أشهر قليلة قراراً إدارياً بتأسيس مؤسسة «ربع قرن لصناعة القادة والمبتكرين».
لا يعد هذا القرار سوى رؤية مستدامة أخرى نحو بناء الإنسان، يضاف إلى جهود الشارقة، وطموحاتها الكبرى، فهذا القرار ينّص على انضمام طرف رابع، هو «منتدى الشارقة للتطوير» المعني بتأهيل وتطوير الشباب من الفئة العمرية لما بعد 19 من عمرهم، ليشكل بذلك حلقة متكاملة تعمل كلها لبناء أجيال المجتمع الإماراتي على مختلف المستويات.

* عضو مجلس الأمناء في مؤسسة ربع قرن لصناعة القادة