ارتبط عدد من اللوحات الزيتية التي رسمها الفنان الهولندي الكبير فنسنت فان جوخ بأكثر مراحل حياته اضطراباً، وتحديداً بعد دخوله مستشفى سان بول دو موسول للأمراض النفسية في بلدة سان ريمي بالقرب من مدينة آرل في الجنوب الفرنسي الخلَّاب، وتمثِّل تلك اللوحات مناظر طبيعية كان فان جوخ يشاهدها من خلال نافذة غرفته في المستشفى؛ من ضمنها لوحة «حقل القمح وأشجار السرو» التي أبصرت النور عام 1889، والموجودة حالياً ضمن مقتنيات متحف متروبوليتان للفنون في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.
تعتبر هذه اللوحة جزءاً من مجموعة فنية لفان جوخ يُطلق عليها اسم «مجموعة حقول القمح»، وقد رسمها الفنان الهولندي بعد حوالي شهر من وصوله إلى المصحِّ النفسي؛ حيث لم تكن مشاهداته مقتصرة على المناظر التي كانت تتراءى له من نافذة غرفته، فكلما خفَّت نوبات الصرع التي كانت تنتابه من حين لآخر كان الأطباء المشرفون على حالته الصحية يسمحون له بالتجول في الحقول المجاورة لممارسة هوايته في الرسم، وهو ما ساهم في إنجاز لوحة «حقل القمح وأشجار السرو» التي حظيت بشهرة واسعة لاحقاً.
سماءٌ ملبَّدة
اللوحة التي قال بعض النقّاد إنها تعكس مدى تأثّر فان جوخ بالأسلوب الياباني في الرسم؛ لا سيما في ما يتعلق باستخدام الألوان وطريقة تمثيل الخطوط تظهر فيها حقول للقمح في موسم النضوج، وتتوسط هذه الحقول وتتوزع على أطرافها أشجار السرو العالية وداكنة اللون إلى جانب عدد من أشجار الزيتون، وفي خلفية اللوحة يظهر عدد من الجبال والتلال التي تتخللها النباتات والأعشاب تحت سماء ملبَّدةٍ بالغيوم، وقد عمد الفنان الهولندي إلى استخدام ألوان نقِّية صوَّر من خلالها منظراً ريفياً خلَّاباً.
خلال فترة وجوده في المصحِّ النفسي كان فان جوخ يطيل النظر إلى الأشجار والطبيعة من نافذة غرفته، ووفقاً لمؤرخي الفن فإن الفنان الهولندي بعث رسالة لأخيه «ثيو» يقول فيها: «لطالما أثارت هذه الأشجار تفكيري، وأجد من الصعوبة بمكان أن أتجنّب رسم هذا الحزن وهذه العزلة النهائية. إن هذه اللوحة ستخبرك عمَّا عجزت أنا عن التعبير عنه بالكلمات، وهو ما أعتبره مصدر الإلهام والسعادة في حياة الريف»، وتابع قائلاً: «لدي لوحة أشجار سرو وبعض عيدان القمح، وبعض الخشخاش، وسماء زرقاء كقطعة من قماش اسكتلندي منقوش».
خطر محدق
لوحة «حقل القمح وأشجار السرو» تبدو للوهلة الأولى منظراً ربيعياً خلَّاباً يبعث البهجة في الأفئدة والسعادة في النفوس، ولعل اسم اللوحة أيضاً يدفع بهذا الاتجاه، ولكن الواقع قد يكون مناقضاً لذلك تماماً؛ فالفنان الهولندي كان يعاني من اضطرابات نفسية عندما أنجز هذه اللوحة، ولعل ذلك يظهر من خلال ضربات الفرشاة الملتفَّة كالدوامات، والتي تُظهر الأشجار والأعشاب وسنابل القمح في حالة مضطربة كما لو كانت تتمايل بفعل رياح عاتية، وهو ما يبعث شعوراً بالتوتر أو الخطر المحدق؛ حيث يبدو كل شيء في اللوحة في حالة حركة.
يرى خبراء ومؤرخو الفن أن اختيار فان جوخ أشجار السرو تحديداً لم يكن اعتباطياً أو من قبيل الصدفة بل جاء ذلك امتداداً لحالته النفسية في تلك الفترة، فهذه الأشجار ترمز إلى الموت في بعض الثقافات الأوروبية القديمة في حين ترمز إلى الحكمة والكمال في ثقافات أخرى، وقد كان الفنان الهولندي مولعاً بأشجار السرو، وكان يطيل التمعن فيها وفي طريقة تشكّلها وتموضعها وسط الطبيعة، ولعل هذا يفسر سبب ظهور تلك الأشجار على وجه الخصوص في عدد من الأعمال الفنية لفان جوخ.
انفعالات عميقة
يقول كتّاب سيرة فان جوخ إنه عندما كان راقداً في المصحّ النفسي بفرنسا كان منهمكاً في التأمل بأحوال غيره من الفنانين، وكذلك الأدباء والشعراء الذين جسدوا في أعمالهم جملةً من المشاعر الإنسانية العميقة، وإن الفنان الهولندي كان يُمنّي النفس بأن ينجح هو أيضاً في إحداث تأثيرات انفعالية وعاطفية من خلال أعماله الفنية، ويضيفون أن مناظر الفجر والغسق التي ميَّزت اللوحات الأولى لفان جوخ لم تعد تستهويه في سنوات حياته الأخيرة، التي بدا فيها ميَّالاً إلى المشاهد الطبيعية خلال ساعات النهار.
بيعت لوحة «حقل القمح وأشجار السرو» بمبلغ 57 مليون دولار عام 1993؛ حيث اشتراها ثريٌّ أمريكيٌّ وأعارها لمتحف ميتروبوليتان، ولا تزال موجودة هناك إلى اليوم، وقد رُسمت أول نسخة منها بعد فترة وجيزة من إنجاز لوحته الشهيرة «ليلة النجوم»، وفي حقبة سُميت ب«فترة الرسم الجنوني» لفان جوخ، وتحديداً في الفترة التي جمعته فيها علاقة متينة مع أشجار السرو؛ لذلك يُرجح أن يكون الفنان الهولندي قد رسمها في الهواء الطلق وليس من نافذة غرفته في المستشفى.
وضع فان جوخ حداً لحياته بإطلاق الرصاص على نفسه بعد حوالي عام من رسم لوحة «حقل القمح وأشجار السرو»، وكان ذلك منتصف العام 1890، واللافت أن الفنان الهولندي انتحر وسط أحد الحقول المجاورة للمصح النفسي الذي أمضى فيه آخر سنتين من عمره، والتي ألهمته وأعانته في رسم لوحاته الأخيرة، ورغم حالة الاضطراب النفسي التي عانى منها إلا أن أعماله الفنية حظيت بإعجاب نقّاد وخبراء الفن الذين وضعوه في قمة هرم فنّاني العصر الحديث.