الشارقة: عثمان حسن
ها هي الشارقة تبدع فصلاً جديداً ينسجم مع مشروعها الحضاري والتنويري في مشروع جديد؛ هو «بيت الحكمة» الذي أشرفت على تطويره هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق)، والذي وصف بكونه درة العقد في إنجازات الشارقة الثقافية.. هذا المشروع الذي سيجسد لوحة مكتنزة بالمعرفة والتواصل الإنساني.. ولعل الحديث عن هذا المشروع، يستدعي الكثير من العناوين التي يمثلها من حيث الشكل والمضمون، فمن حيث الشكل نحن بإزاء صرح ثقافي وفكري بمساحات وقاعات وأروقة كبيرة جداً، ومن حيث المضمون، نحن أيضاً أمام معرفة تتشكل مفاعيلها ما بين الماضي والحاضر، وما بين الأصالة والمعاصرة، ووفق رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة.
البيت مشروع حضاري متكامل؛ يمثل انطلاقة نحو المعرفة في المستقبل، وانطلاقة جديدة للباحث والدارس، والأديب، والمفكر، والعالم، والناشر، والمكتبي، وكافة متعاطي الشأن الثقافي للالتحاق بركب المنجز الحضاري العالمي، وللتأكيد أن ثقافتنا العربية الراسخة التي ذاع صيتها في العالم، فأثرت في ثقافته وفي فنونه، وجدت من خلال رؤية الشارقة الثقافية كل العناية والاهتمام، وأنها في منظور الشارقة الحضاري دائماً وأبداً تستحق الأفضل.
تراث ثقافي
في مثل تاريخ 23 إبريل/ نيسان من العام الماضي 2019 نقطة مضيئة أخرى في تاريخ الشارقة الحضاري، ففي ذلك التاريخ كشف صاحب السمو حاكم الشارقة، وفي يوم تتويج الإمارة بلقب «العاصمة العالمية للكتاب» عن هذا المشروع – الحلم احتفاء بالكتاب وقيمة الكتاب، وفي ذلك اعتراف بمكانة الكتاب كمصدر للمعرفة.
هي الشارقة من تعرف مكانة الكتاب، فيتم تتويجها بأرفع لقب يحمل اسم الكتاب، فالكتاب هو اليقظة التي تفك سحب الظلمة، أو كما يقول فرانس كافكا: «إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا، فلماذا نقرأ إذن؟ إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة، التي تجعلنا نشعر وكأننا طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس، على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد في داخلنا».
والكتاب كما تعرفه الشارقة سبيل القراءة التي هي مبرر رئيسي للوجود الإنساني، أو كما يقول ألبرتو مانغويل: «وحدها القراءة كانت مبرري للبقاء أو ربما لإعطاء معنى للعزلة التي فرضت عليّ».
في إصرار الشارقة على مشروعها الأبرز «بيت الحكمة» ها هي تعود بالقارىء والمفكر العربي إلى أحضان خزائن المعرفة، فتذكر ببيت الحكمة في بغداد كأول دار علمية أقيمت في عمر الحضارة الإسلامية، وتأسست في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، فكانت مثالاً للترجمة والطب والهندسة والآداب، وكانت مؤئلاً لحفظ مخطوطات العالم، فصارت مهداً للتأليف والإبداع في عصر ذهبي قل نظيره، والشارقة في اختيارها للاسم «بيت الحكمة» إنما تجسد هذا الحلم في ظل تراجع المعرفة، وفي ظل تآكل المكتبات العربية، وسوء أحوال الثقافة العربية، وانصراف الناس عن الكتاب، هنا، تجيء الشارقة بمشروعها الحضاري الكبير؛ لتبث جرعة من التفاؤل في وجدان وضمير المثقف العربي، ولكي تعيد إلى الكتاب ألقه وحضوره، وكنوزه التي صنعت حضارة، وأشعلت منارات في الحكمة والعلوم والآداب والمعارف الإنسانية.
قيمة جمالية
احتل مشروع «بيت الحكمة» مساحة 12 ألف متر مربع، قريباً من طريق مطار الشارقة الدولي وبجوار المدينة الجامعية بالشارقة، وهذا من دون شك يشكل إضافة نوعية إلى قائمة منجزات الشارقة الثقافية والحضارية، ومن خلال هذا الصرح الكبير؛ تسجل الشارقة اسمها في حروف من ذهب، وتدشن مكتبة نوعية مجهزة بأفضل سبل الحداثة، لتقف في موازاة كبريات المكتبات في العالم، ولتشكل مستودعاً ثقافياً كبيراً؛ يحتضن كل ما يريده المثقف العربي من تراث علمي وأدبي يفتح بوابات المعرفة على العالم، فهو من دون شك صرح نابض بالحياة، ترتفع أركانه على بوابات الفكر، مؤمناً بما توفره الثقافة من تأمل وتنوير، فالثقافة كما قيل فيها هي روح الديمقراطية، وذاكرة الشعب، وهي بكل تأكيد تعبير عن الحياة، فإنسان بلا ثقافة كشجرة بلا ثمار، وقد عودت الشارقة مثقفيها وزائريها على أن تكون حاضة للثقافة، وتوفر بيئة خصبة لارتقاء الفكر وسمو الوجدان، كما حرصت على تجسيد مفاهيم ومعطيات الثقافة لتتشكل في وجدان الكبير والصغير، وتصير أسلوب حياة، ولتصبح ضرورة، ولكي تجسد هوية الأمة العربية والإسلامية من خلال ما تبثه من روح تسمو إلى رقي الإنسان.
وقد سبق وأكد صاحب السمو حاكم الشارقة، أن الإمارة غدت رمزاً للثقافة والفكر والتراث في الإمارات وفي المنطقة العربية بأسرها؛ نظراً لدورها الرائد كراعية للفنون؛ من خلال غرسها للقيم الجماليّة والثقافية الحقيقية، وكثيراً ما ردد سموه أن الشارقة تفخر بقدرتها على خلق هوية ثقافية متوازنة تراعي جذورنا الإسلامية وتراثنا التاريخي.
الارتقاء بالإنسان
في تكريسها لثقافة المعرفة من خلال مشروعها الثقافي الكبير «بيت الحكمة»؛ تدشن الشارقة مفهوماً جديداً للبناء الثقافي؛ إيماناً منها بحتمية انتصار الثقافة لمصلحة الإنسان، كون الثقافة كفعل مؤهلة لإنتاج القيم وبوصفها تشكل إطاراً حيوياً، تضخ في أركان المجتمع منظومة جديدة من العلاقات، التي بدورها تؤثر في تفكير الإنسان، وتحسن من شروط أدائه في بيئة متقدمة، فالمجتمع الإماراتي وكونه جزءاً أصيلاً من تركيبة المجتمع العربي، سيشعر من دون شك بمفاعيل هذا المشروع الكبير، الذي يعيد إنتاج السؤال الثقافي بمحمولاته الدلالية والاجتماعية، وهذا أول مدماك في تطور الإنسان، وتعاطيه مع المعرفة، خاصة في ظل تنامي وسائط التكنولوجيا الحديثة، فالبناء الثقافي هنا، وهو يوجه بوصلة الإنسان التواق للمعرفة، إنما يدفعه نحو الاستشراف والتحليل، وتمعن كافة المظاهر والأنساق الإقليمية والعالمية، كما تدفع المثقف الإماراتي والعربي لتأمل ذلك كله في بيئات غير متجانسة وعلاقات متشعبة تؤثر في البيئة الحيوية للمجتمع.. هذه البيئة التي أصبحت اليوم محاصرة بموجات شتى من المؤثرات السلبية، فإعادة إنتاج القيم هو نتيجة مباشرة من سكة تموضع الإنسان في بيئة صالحة للإبداع، من هنا، يأتي مشروع «بيت الحكمة» ليرتب العلاقة مع الفرد والمجتمع من جهة، ومع المؤثرات الخارجية بامتداداتها الأفقية والعمودية من جهة أخرى؛ للبحث عن جوهر الثقافة كمضمون يستوعب التاريخ والفلسفة والأديان والثقافات والعلوم المختلفة، بحثاً عن إطار مرجعي يتحصن بحمولة فكرية وثقافية، تشكل مرجعاً للتحول والارتقاء الجوهري لذات الإنسان.
منارة إقليمية
يؤسس «بيت الحكمة» لبيئة ثقافية جديدة ملهمة لأجيال المستقبل، بما يوفره هذا المشروع الكبير من خدمة لوجستية من الكتب والمراجع والبيانات والصور، وبما يقدمه أيضاً من مفاعيل جديدة؛ تحفز على التفاعل الخلّاق مع كافة منجزات العالم الحضارية.
والشارقة بهذا المنجز الحيوي، سوف تحتضن كافة التجارب الفكرية المحلية والعربية والعالمية، وهي من دون شك، ستشكل منارة إقليمية؛ تعزز من قيم الثقافة بانفتاحها على الآخر، وستمهد لقراءة الغد في ضوء رؤية تضمن نجاح مشروعها التنموي الذي يرتكز على المكون الثقافي والفكري أولاً وقبل كل شيء.
شكل الفضاء المعماري سواء الداخلي أو الخارجي للبيت ركناً أساسياً في التصميم الذي على الرغم من بساطته، فإنه يحفز على التفكير والإبداع، انطلاقاً من حتمية تأثير الفراغ المعماري على المزاج البشري، فهناك دراسات علمية مؤكدة توضح أثر الفضاء والتصميم المعماري في حياة الناس سلباً أو إيجاباً، فثمة خلايا متخصصة في الدماغ تتوافق مع هندسة وترتيب المساحات التي نعيش فيها؛ حيث توجد الكثير من النظريات التي تدرس تأثيرات هذه التصاميم على سلوكات الإنسان.
ففي أحد المؤتمرات الهندسية المتخصصة، التي عقدت في العاصمة البريطانية لندن، تحدثت المعمارية أليسون بروكس، وهي متخصصة في الإسكان والتصميم الاجتماعي، عن كون الأفكار المستندة إلى علم النفس يمكن أن تغير كيفية بناء المدن، وقالت: «إذا كان العلم يمكن أن يساعد مهنة التصميم في تبرير قيمة التصميم الجيد وحرفيته، فستكون أداة قوية للغاية وربما تغير نوعية البيئة المبنية».
وهنا فقد جاء التصميم المعماري ل«بيت الحكمة» منسجماً مع مثل هذه النظريات العلمية، فتصميمه لا يمثل بنية فريدة للمكتبة فحسب؛ بل يشكل رمزاً للتقدم والتطور التكنولوجي في عالم المعرفة والأدب، وما سيبدو عليه المستقبل في هذا المجال من خلال قاعات وغرف مخصصة للقراءة والحوار.
ناهيك عن اشتمال البيت على إمكانات متقدمة في تقنيات طباعة الكتب بسرعات قياسية.
بيئة محفزة
ولعل أهم ما يميز هذا المشروع الحضاري الأول من نوعه في المنطقة هو احتواؤه على مكتبة ضخمة من المتوقع أن تضم نحو 105 آلاف كتاب، ناهيك عن توفر العديد من أماكن القراءة، وهي موجودة في حدائق مبنى البيت، وهذا من دون شك من العوامل المحفزة التي تشجع على القراءة ومواصلة البحث والتفكير، والتعلم، كما أن البيت يشتمل على إمكانية توفر آليات التطبيق الإلكتروني.
هي إذاً، بيئة محفزة على القراءة والتفكير تتجسّد في بيت ثقافي، مثل نقلة نوعية في في مفهوم المكتبة الحديثة، كما شكل نقطة وصل بين عشاق الثقافة والفكر في كافة أنحاء العالم.
لقد قال هنري ميلر يوما: إن الكتب التي أستمتع في قراءتها أكثر من غيرها، هي التي تضعني في علاقة حميمة مع الطبيعة المذهلة لكيان الإنسان.
ومن دون شك، فإن «بيت الحكمة» بما بذلته الشارقة من حرص على خدمة الثقافة والمثقفين؛ يشكل منارة لاستنباط الأفكار، ومكاناً مريحاً؛ للاستمتاع في أحضان الثقافة والفكر والفنون، وسوف يوفر الكثير من الكتب والمراجع التي تمزج بين الفائدة والمتعة وتحفز على التفكير الخلاق، وهي فرصة ثمينة متاحة لجيل المستقبل لدخول بوابات المعرفة من أوسع أبوابها.
تفاصيل
حرصت شركة «فوستر وشركاؤه» التي صممت «بيت الحكمة» على تقديم تصميم لافت يجمع بين مصادر المعرفة التقليدية والرقمية والذكية، وهنا، تلتقي الأصالة مع الحداثة من خلال ما اشتمل عليه المبنى من مساحات وقاعات متعددة الوظائف والاستخدامات.
اشتمل البيت على سقف معلّق بقضبان معدنية بطول 15 متراً؛ لحماية المبنى الزجاجي الرئيسي؛ ولتوفير المزيد من الظل على الجزء السفلي، واستخدمت القضبان من الخيزران، وصنعت خصيصاً للمشروع، وقد صممت الجدران الزجاجية للمبنى لتعمل على توفير أعلى درجات الإنارة للمنطقة المحيطة، بما يعكس الصورة الرمزية للمكتبة.
يضم البيت طابقين ومقهى ومطعماً وحدائق وقاعات للأطفال وأخرى للسيدات، بما يعزز البيئة التفاعلية لكل رواد هذه المكتبة الفريدة؛ حيث يضم الطابق الأرضي مساحات واسعة للمعارض، ومنطقة تعليمية مخصصة للأطفال، كما يضم مختبراً تفاعلياً ومشغلاً للأعمال اليدوية للدمج بين المعرفة والإبداع، وهذا المختبر تم تزويده بكل ما يلزم من تجهيزات؛ تحفز على الإبداع والابتكار.
أما الطابق العلوي فيضم بدوره مساحات معلقة فوق الفناء المركزي، توفر مناطق للمعارض وصالات للقراءة. يقع «بيت الحكمة» بالقرب من النصب التذكاري للشارقة العاصمة العالمية للكتاب لعام 2019.