يضرب عشاق القصيدة الشعبية في مختلف أنحاء العالم العربي، اليوم، الاثنين، موعداً متجدداً مع مهرجان الشارقة للشعر النبطي، في دورته ال«20»، برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وتنظيم دائرة الثقافة في الشارقة، وتكتسب هذه الدورة أهميتها وألقها الخاص لكونها تحكي عن عشرين عاماً من شعر القصيدة النبطية والشعبية، ظل خلالها المهرجان يتألق ويزدهر من دورة لأخرى حتى بات واحداً من أبرز وأكبر المنصات الشعرية النبطية في كل العالم العربي، حيث ظل يحظى بالمشاركة الأكبر من الشعراء، فضلاً عن الجمهور الذي يتابعه بالحضور المباشر في قصر الثقافة وبقية مدن الشارقة أو عبر المنصات الرقمية التي تبث الأمسيات والفعاليات المشتعلة بالقصيدة النبطية بكل أشكالها القديمة والجديدة.

انطلقت أولى دورات المهرجان عام 1983م، ويُعد اليوم من أكبر المهرجانات العربية المتخصصة في الشعر الشعبي، ويتضمن ندوات فكرية، وتكريماً لرواد الشعر النبطي تقديراً لعطائهم وحفاظاً على تراث الأجداد وتعريف الأجيال الجديدة بإبداعهم، ويمثل المهرجان تظاهرة ثقافية بارزة تجمع الشعراء والنقاد والجمهور، وتسهم في تطوير القصيدة النبطية وتعزيز حضورها بوصفها ذاكرة حيّة للوطن والهوية، حيث يعتبر هذا الضرب الشعري واحداً من أهم روافد الذاكرة الثقافية في كل العالم العربي، إذ وثّق عبر العصور حياة المجتمع وقضاياه وتحوّلاته الاجتماعية والاقتصادية، وعبّر بعفويته وقرب لغته عن آمال الناس وآلامهم وتطلعاتهم، ليشكّل مادة تراثية متوارثة ذات قيمة أدبية وتاريخية.

محطات

بوصول المهرجان إلى دورته العشرين، فإن قلوب جمهوره والقائمين على أمره تتلفت إلى محطات وشخصيات مهمة في مسيرة هذه المنصة المتفردة بالفعل الثقافي، فالدورة الأولى من المهرجان تزامنت مع تأسيس دائرة الثقافة في الشارقة، وكان ذلك في قاعة إفريقيا ذلك الصرح المعرفي الكبير، بينما جاءت الدورة الثانية في عام 1984، لتكرم كوكبة من رواد هذا الأدب الخالد وهم: علي بن رحمة الشامسي، وربيع بن ياقوت، وأحمد بن همش، ورائدتان من رواد هذا الشعر، هما: عوشة بنت خليفة السويدي، وآمنة بنت علي، وظل ذلك ديدن المهرجان في بقية دوراته التي شاركت فيها أسماء رسمت مشهد الشعر النبطي في الدولة والخليج وكل العالم العربي مثل: راشد شرار، وسعيد القمزي، وسعود الدوسري، وحماد الخاطري، وغيرهم من الشعراء في مسيرة لم تنقطع، بل تتجدد باستمرار عبر شعراء جدد.

وتجمل المهرجان كذلك في كل دوراته بمشاركة قوية من قبل النساء الشاعرات الرائدات مثل: تنهات نجد، فتاة دبي، غلا أبوظبي، كلثم عبد الله، ريف دبي، شيخة الجابري، أحلام الشارقة، علياء جوهر، واللواتي أضفن كثيراً إلى القصيدة النبطية بأريج أنثوي فواح، ومن منعطفات المهرجان الكبيرة، توجيه صاحب السمو حاكم الشارقة في الدورة ال18، باستحداث «جائزة الحيرة للشعر النبطي»، تقديراً وتشجيعاً لأبرز القصائد النبطية المنشورة في مجلة الحيرة.

انفتاح

انفتح المهرجان، في سياق تطوره المستمر، على القصيدة الشعبية والنبطية في مختلف الدول العربية مجمعاً كل تلك التيارات الشعرية التي تعبر عن ثقافة ومورث كل بلد تحت مظلة دائمة ومستمرة بالألق والعطاء الإبداعي الشعري، فقد ظل المهرجان بمثابة فضاء للتعارف بين الثقافات العربية في مختلف بيئاتها، حيث دأب على إبراز الهوية الثقافية واكتشاف الدلالات الجمالية والتوثيق للمشهد الشعري في الدولة والخليج وعموم الدول العربية الأخرى التي تبرز فيها القصيدة الشعبية كواحدة من أهم المواعين الحاضنة والحافظة للتراث، وحرص المهرجان على التواصل مع الشعراء الرواد والشباب، واستضافة نخبة من المبدعين لإثراء فعالياته المختلفة، خاصة تلك الأمسيات التي يتغنى فيها الشعراء بقصائد تنتمي إلى التراث العربي وتتمثل أخلاقه العظيمة وتعكس قيم الكرم والشجاعة والمروءة والإقدام، إضافة إلى الأغراض الشعرية الأخرى مثل الغزل وغيره في كرنفال شعري يمتد لأيام لكنه يظل باقياً في الذاكرة العربية.

يشهد المهرجان في كل دورة جديدة تنافساً محموماً بين الشعراء، لتقديم أفضل ما لديهم من إبداعات شعرية في مجال القصيدة النبطية التي هي من ضمن الأنماط الأدبية التي تعمل على الحفاظ على الموروث الحضاري للإمارات والبلدان العربية كافة فهي تهتم بكل مفردات التراث، وكل أشكال الحياة العربية في الماضي والحاضر والتي تعبر عنها القصيدة الشعبية خير تعبير، فالشعر النبطي أحد الأجناس الأدبية التي تخلّد القيم والهوية الوطنية، والثقافة الشعبية، والمفردات اللغوية النادرة وتحفظها من الضياع، فهو يبرز أهمية الخصوصيات الثقافية ولعل مهرجان الشارقة للشعر النبطي قد تمثل هذا الأمر جيداً في جميع دوراته السابقة، فقد كان بمثابة منصة عربية كبيرة تهتم بالقصيدة الشعبية باعتبارها شديدة الالتصاق بالوجدان الشعبي في العالم العربي، ومعبرة عن تراث الأمة، لذلك ظل المهرجان يسعى إلى جمع شعراء العالم العربي الذين أبدعوا في هذا اللون الشعري.

جسر

يعتبر الشعر النبطي الذي يحتفي به المهرجان من أكثر الفنون الأدبية أهمية بالنسبة للإنسان العربي، فهو بمثابة جسر بين الماضي والحاضر، يحمل المفردات التراثية ويعبر عن الأصالة وفي ذات الوقت يطل على مشهد الحاضر بقوة، ذلك لكونه من أكثر الإبداعات التصاقاً بالبشر في كل أنحاء العالم العربي، فهو رفيق الإنسان في واقعه وحياته اليومية، لذلك نجده قد تسرب إلى التفاصيل والممارسات الإبداعية الأخرى لدى الشعوب العربية مثل الأغاني والفولكلور والرقصات التي يصحبها الشعر الشعبي الذي يدخل كعامل أساسي في جميع الطقوس العربية، مما أوجد له مكانة خاصة تستحق الاحتفاء، وذلك ما ظل يفعله المهرجان طوال عشرين عاماً لم تنطفئ خلالها شعلة القصيدة النبطية بل ظلت متوهجة في كل مرة بإبداعات الشعراء.

حالة جديدة

أسس المهرجان لحالة جديدة في التعامل مع الشعر النبطي والمفردات الشعرية الأصيلة الجزلة من حيث التعامل العلمي من توثيق وتدوين، فقبيل المهرجان، ظل هذا الشعر ومفرداته وتعبيراته الجزلة تتناقل عبر المشافهة والتسجيلات الصوتية، فكان لابد من التفاتة قوية إليه تحفظه من الضياع عبر تدوينه، إذ إن القصيدة النبطية تحمل بين متونها وحوافها ذاكرة شعبية خصبة وهوية وطنية راسخة، حيث تحفل بالدلالات العميقة، وهذا ما وعاه المهرجان الذي بات محط أنظار الشعراء الشعبين والنبطيين من المحيط إلى الخليج، ولعل حركة التدوين هذه، تشمل كذلك كل النشاط الفكري المرتبط بالشعر الشعبي والقصيدة النبطية، وذلك فعل من شأنه أن ينقل هذا النوع الشعري نحو آفاق جديدة تزيد من بريقه.

جمهور

من أكثر الظواهر اللافتة المرتبطة بالمهرجان، ذلك الجمهور الكثيف الذي ظل يحضر في كل الدورات المتعاقبة إلى أماكن الأمسيات، حيث استطاع المهرجان أن يراكم على مر السنوات العشرين جمهوراً خاصاً به ويتابعه بشغف ويترقب انعقاده في كل دورة جديدة، وذلك يشير إلى المكانة الكبيرة للشعر النبطي في حياة الناس في الدولة، ويؤكد كذلك على نجاح المهرجان في مسألة رفع الوعي الأدبي والارتقاء بالذائقة الشعرية، خاصة في ظل هذا العصر الذي باتت فيه التكنولوجيا الحديثة، وبشكل أكثر خصوصية مواقع التواصل الاجتماعي تهيمن بشكل كبير، بحيث انصرف الناس عن الأمسيات والمنتديات، لكن المهرجان تطور واستطاع أن يوظف التقنية الرقمية، وصار يبث أمسياته في المنصات والمواقع الافتراضية.

حرصت إدارة المهرجان على أن تحضر فعالياته في كل أنحاء الشارقة، وليس الاكتفاء فقط بالأمسيات الشعرية التي تقام في قصر الثقافة في الشارقة، فقد ظل ينتقل إلى المدن الأخرى في الإمارة خاصة مدينتي الذيد وكلباء، في المناطق الشرقية والوسطى من الشارقة، في مشهد يعكس تنوّعاً مكانياً وثقافياً، ويتيح للمشاركين والجمهور معاً فرصة التعرّف إلى الخصوصية التراثية والتاريخية لكل مدينة، كما أنه يربط أهالي وسكان تلك المناطق بالشعر الشعبي الذي تصل فعالياته إليهم في أماكنهم وهو ما يعزز من مكانة هذا النوع الإبداعي ويزيد من قاعدته الجماهيرية بصورة مستمرة.

ولعل ذلك الاهتمام من قبل المهرجان بالوصول بالشعر إلى الناس في مدنهم وأحيائهم، لا ينفصل عن الرغبة في تطويره ورعايته بشكل يضمن استمراريته، وذلك ما لفت إليه رئيس دائرة الثقافة في الشارقة، عبد الله العويس، عندما أكد على أن الرعاية المستمرة للمهرجان أسهمت في تكوين جمهور واسع يتابع أمسياته بشغف، ويواكب تنوّع تجاربه الشعرية، بما يعكس تراكم ثقافة شعرية ناضجة تشكّلت عبر سنوات المهرجان، وذلك من العوامل التي ترسخ هذه المكانة المتينة للقصيدة النبطية بوصفها شعر المكان والزمان، المنبثقة من المفردة الأصيلة، والمتكاملة في أوزانها وبحورها، والغنية بصورها ومجازاتها وموسيقاها، بما يجعلها أداة فاعلة في توثيق الذاكرة والتاريخ.

تكريم

خلال كل نسخة من دوراته المتعاقبة، حرص المهرجان على تكريم الرواد الأحياء من الشعراء، على خلاف العادات الدارجة في مثل هذا النوع من الفعاليات التي تكرم المبدع عقب وفاته، وذلك أمر يؤكد على قيمة الوفاء، ويعمل في ذات الوقت على تحفيز الشعراء. وظلت إدارة المهرجات تعمل على تنظيم أمسية خاصة بالمكرمين يلتقون فيها مع الجمهور للحديث حول أبرز محطاتهم مع الشعر، ويعمل المهرجان كذلك في كل نسخة جديدة على طبع الأعمال الشعرية للشعراء المشاركين، وينظم لهم الأمسيات التي يوقعون فيها على أعمالهم الأدبية، الأمر الذي يشجع المبدعين في مجال الشعر الشعبي على مزيد من الإنتاج، ويطورون من ملكاتهم، ، وهناك الندوات الفكرية التي تناقش مستقبل القصيدة النبطية يتحدث فيها شعراء ونقاد ومفكرون.

مشاريع

في كل دورة جديدة من دورات المهرجان، تتفجر الأفكار والرؤى التي تدعم مسيرة هذا الإبداع العربي الخالد، وظلت تجربة المهرجان مرتبطة بمشاريع مختلفة تصب في قلب عملية تطوير التراث والشعر الشعبي ومن ذلك مشروع إحياء بلدة الحيرة القديمة، وتأسيس مجلس الحيرة الأدبي، إلى جانب توجيه صاحب السمو حاكم الشارقة بإصدار مجلة «الحيرة» المتخصصة في الشعر النبطي وشؤونه الثقافية، تمثل جميعها تجليات واضحة لهذا التوجه الثقافي، حيث شكّلت رافداً أساسياً للمشهد الشعري، ومساحة مفتوحة لنشر القصائد والدراسات النقدية والفكرية المرتبطة بهذا الفن، وذلك يشير إلى ربط دائرة الثقافة في الشارقة تطوير المهرجان والارتقاء به بالعمل الإعلامي، وكلها مشاريع كان لها الدور الكبير في توهج المهرجان وتفرده.