الشارقة: يوسف أبو لوز
تعيد بعض دور النشر، ومنها المعروف في سوق صناعة الكتاب، طباعة عناوين بعينها لكتّاب عرب وأجانب، ولعل الكتب التي تعيد طباعتها هذه الدور هي كتب مترجمة في الرواية بشكل خاص، وأدب السيرة واليوميات والاعترافات، ويأتي الشعر في آخر القائمة.
من النادر أن تعيد دار نشر عربية طباعة أعمال شعرية لصلاح عبد الصبور على سبيل المثال، أو محمد القيسي، أو أحمد عبد المعطي حجازي أو ممدوح عدوان، أو حتى أسماء ريادية، كما يقولون في ما يسمى الأجيال الشعرية مثل: بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري. ويظل شعراء الصف الأول أو النجوم، من دون حاجة إلى إعادة طباعة أعمالهم القديمة والجديدة.
هناك دور نشر يمكن القول إنها احتكرت في سوقها شعراء بعينهم مثل نزار قباني الذي تصدر أو صدرت كثير من دواوينه عن دار نشر خاصة به، مثلما لغادة السمّان دار نشر خاصة بها، تعيد طباعة أعمالها القصصية والروائية، أما محمود درويش، فيكاد يكون حكراً على دور نشر بيروتية (رياض الريّس).
ولبعض دور النشر حصتها من ظاهرة إعادة طباعة روايات بشكل خاص. هذه الحصة من الروايات لا نعرف ما إذا كانت دور النشر تأخذ إذناً بإعادة الطباعة من الدور الأصلية التي نشرت هذه الروايات أم لا؟.
نعم هناك آلية لا نعرفها جيداً أو لا نعرف تفاصيلها ونحن نعاين ظاهرة إعادة طباعة الروايات، وإعادة طباعة الأدبيات الكلاسيكية بشكل خاص.. الأوروبية، والغربية عموماً، والروسية أيضاً.
في هذه الدورة من معرض الشارقة الدولي للكتاب كما في دورات سابقة، تعود إلى القراء طباعات جديدة مثل تشيخوف، وتولستوي (روسيا)، وهرمان هيسه (ألمانيا)، ويكاد كتاب مثل «هكذا تكلم زرادشت» أن يكون دمه كما يقولون موزعاً بين القبائل، فقد رأيت هذا العنوان في أكثر من طباعة، وأكثر من دار نشر، وهكذا نقرأ كتباً قديمة بطبعات جديدة.
أسئلة
السؤال هنا هو: لماذا تقبل دور نشر إعادة طباعة كتب يعرفها القارئ منذ الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي؟.. هل لأنها نفدت من الأسواق؟، أم لأن لها قارئاً ولها سوق تداول؟، ثم، علامَ تؤشر هذه الظاهرة؟. هل تؤشر إلى مزاج قرائي مشدود إلى كلاسيكيات الخمسينات والستينات مثلا؟ أم إن هناك حنيناً لروايات ما كان يسمى «الواقعية الاشتراكية» التي أكل عليها الدهر وشرب.
يحق لمن عاين هذه الظاهرة في هذه الدورة وفي غيرها من دورات المعرض أن يضع أمامه هذه التساؤلات، ويحق له أيضاً أن يتساءل استفهامياً: لماذا لا تقبل دور نشر على إعادة طباعة سلسلة مهمة جداً في ذاكرتنا هي سلسلة «ذاكرة الشعوب» التي كانت تصدر عن دار في بيروت في ثمانينات القرن العشرين، ومن تلك السلسلة رواية «الصبي الخادم»، ورواية «ليلة لشبونة»؛ أي روايات من إفريقيا ومن الشرق والغرب، ضمن ذاكرة روائية واحدة، هي فعلاً ذاكرة الشعوب.
وفي حال إعادة طباعة روايات كثير منها لم ينفد من سوق الكتاب، هل من حقوق للمؤلف في هذه الحال؟ وأية حقوق لتشيخوف أو تولستوي؟، أم إن ثمة حقوقاً مشتركة بين الدار القديمة والدار الجديدة؟
مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأدب الروسي الكلاسيكي شعراً ورواية، كان يصدر في الغالب عن دار نشر روسية معروفة هي دار التقدم التي صدّرت العشرات وربما المئات، من الروايات والدواوين لشعراء ما كان يسمى الحقبة السوفييتية وما قبلها، وحتى ما بعدها إلى أن جاءت «البيروستروكيا» وقلبت موازين السياسة والثقافة معاً.
في كل الأحوال هناك قارئ يبحث عن كتاب سواء أكان في طبعة قديمة أو جديدة، لكن هذه الطبعات الجديدة تعيد من جديد السؤال المكرر حول سعر الكتاب. فقد كانت أسعار كتب الدار الروسية في السبعينات والثمانينات شبه رمزية وطباعتها فاخرة وأغلفتها متينة، لكن اليوم تبدو بعض أو حتى كثير من الطبعات سريعة؛ بل استنساخية، والغلاف والورق عاديان، والسعر عالٍ.
إذا كانت بعض دور النشر تعيد طباعة كتب بعينها عرفها القارئ في سنوات عز صناعة الكتاب في بيروت والقاهرة وبغداد ودمشق، انطلاقاً من حاجة هذه الدور إلى تلبية ما يريده القارئ، فهذه إشارة خير وتفاؤل، يعني أن لدينا قارئاً يعرف ما يختار.