عادي

الرواية القصيرة... موضة جديدة في الأدب

تجمع بين اللغة المكثفة والأحداث المتقشفة
16:57 مساء
قراءة 4 دقائق
علي أبوريش
لولة المنصوري
فتحية النمر
حارب الظاهري

الشارقة: علاء الدين محمود
بدأت الرواية القصيرة رويداً رويداً تسيطر على المشهد السردي بصورة كبيرة، إلى حد قول بعض النقاد إن هذا النوع من الروايات ربما سيكتسح الأنواع السردية، باعتباره يستجيب لنمط العصر ووتائره المتسارعة والمتغيرة. 
والرواية القصيرة هي هجين يجمع بين تكنيكي الرواية والقصة؛ حيث تأخذ من الأعمال الروائية الوصف دون تفاصيل زائدة، ومن القصة، الرموز والدلالات والتكثيف والاختزال، وفي الآونة الأخيرة ظهر هذا الفن، بصورة لافتة في العالم العربي، ونتيجة لصغر حجمه، يتم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي وسع من انتشاره بين القراء.
«الخليج»، طرحت الظاهرة على عدد من الروائيين الإماراتيين.
الكاتب حارب الظاهري، ذكر أن حجم أي رواية يعتمد على موضوعها وفكرتها، فهو غير محكوم بعدد معين من الكلمات؛ حيث إن الفن لا يخضع لمثل هذه التوصيفات والقيود الصارمة، فبعض الروايات طويلة لأن فكرتها تتطلب ذلك، بالتالي هي لا تصلح للاختزال، كذلك، فإن بعض الأعمال الأخرى يكمن جمالها وتألقها في اختصارها المعنى والمسافة والوقت المبذول في القراءة، وذلك لأن موضوعها يصلح لأن يعالج عبر عمل قصير بوصف موجز وحدث مركزي واحد ووجهة نظر معينة للواقع، وكذلك زمان ومكان لهما طبيعة خاصة، وقد أثبت مثل هذا النوع السردي نجاحه بالفعل.
ويرى الظاهري، أن الرواية القصيرة، هي عبارة عن قصة مطولة، تعتمد على ذات أساليب القصة وتكنيكها السردي، فبعض الروائيين قدموا أعمالاً اختاروا لها ثوباً قصيراً وقشيباً يبرز محاسن العمل، يعتمد على اللغة المقتصدة والشاعرية جهة الوصف، ويحتشد بالرمز والإشارة، ويبتعد عن الإسهاب الممل الذي يحدث ربكة في النظام والبناء الدرامي، بالتالي هي تحتفي بالجمال وبالمتعة، وفي ذات الوقت تضعنا مباشرة أمام الهدف والمعنى، وهو الأمر الذي يعجب القراء ويجعلهم يفضلون هذا النوع من الأعمال السردية التي بدأت بالفعل تسيطر، بصورة خاصة، على مواقع التواصل الاجتماعي، ويستدرك الظاهري قائلاً: «لكن ذلك لا يعني أن هذا هو الطريق الوحيد والمحبب للسرد؛ حيث إن لكل مقام أدواته وأساليبه».
**عودة
الكاتبة لولوة المنصوري، عادت بالذاكرة إلى عام 2013، عندما أنجزت رواية قصيرة بعنوان «خرجنا من ضلع جبل»، وفي حوار قصير مع جريدة الخليج آنذاك، قامت بمنح العمل تسمية أخرى وهي «رواية الإشارة»، فقد كانت الرواية كما تقول المنصوري: «بمثابة الأصبع التي تشير إلى دلالة الدرب دون أن تفصح عن المعنى، الذي هو في عُهدة القارئ والباحث»؛ فالمنصوري، تشير إلى أن نصها قد جاء مفتوحاً من حيث التأويل والدلالة، فهي لم تصرح بالهدف من العمل؛ حيث ترى أن من مميزات الرواية القصيرة، أنها لا تمنح مجالاً سهلاً للوصول إلى المعنى المباشر، وتضيف قائلة: «الرواية القصيرة هي فرصة ليرتكب فيها الكاتب مكره البريء واحتياله اللغوي المتسامح».
وأكدت المنصوري، أن كتابة الرواية القصيرة هي بمثابة ساحة لمتعة اللغة، فهي فن سردي جوهري يحاكي شلال التدفق الفكري الخاص بالكاتب، سرد ينبع من مركزية الفكرة والحواس، ويكثف المشاهد واللحظات، ويتبع نظام اللعبة والمكر والدهاء والمفاجأة، فعتادها وقوامها لغوي بامتياز وليس وصفياً استرسالياً، يستعير فيه الكاتب من اللغة شعريتها وجوهرها كمسوغ ومعبر سريع للرمزية، فالرواية القصيرة تتغذى، بالدرجة الأولى، على لغة الشعر. 
وأشارت المنصوري، إلى وجود لبس في فهم معنى الرواية القصيرة، فهي ليست تلك التي صغُر حجمها، واختزلت صفحاتها، وأوجزت حكايتها بعدد الكلمات، وإنما هي الرواية الإشارية المموّهة، والملغزة والصادمة، والباعثة على إنتاج الدلالة منذ عتبة العنوان حتى الأفق المفتوح للخاتمة، وأوضحت أن هذا النوع السردي لم يأتِ ويبرز كاستجابة لروح العصر الذي يتسم بالسرعة، كما يشاع، وإنما لمتطلبات روح الكاتب وفكرته، فمتى ما شعر المبدع أن لفكرته وجهة نابعة من العمق ومتدفقة في خط عمودي، اعتمدها كمسلك وأسلوب للتعبير المكثف، ومتى ما شعر أن له بوحاً عارماً متسلسلاً، ومنطلقاً دون حدود ومسافات، اعتمد الرواية الطويلة.
**هيمنة
ومن جانبها ذكرت الكاتبة فتحية النمر، أن جميع مؤلفاتها الأولى، كانت عبارة عن روايات قصيرة، فقد خاضت تلك التجربة أربع مرات، وهي لا تعتقد أن هناك فرقاً كبيراً بين السرد الطويل والقصير إلا في بعض التقنيات، فأعداد الشخصيات قليلة في الرواية القصيرة، لأن كثرتها تحتاج إلى توسع وإسهاب في الوصف، فالشخصيات في العمل الطويل تتناسل وتتكاثر، ولابد من السيطرة على ذلك الأمر في السرد القصير عبر التكثيف والاختزال والترميز، كذلك لابد من تقليل الحوارات والأمكنة؛ بحيث يكون الفضاء الزمكاني مختصراً وضيقاً.
وتشدد النمر، على أن الرواية القصيرة لن تتسيّد الحاضر فقط؛ بل وكذلك المستقبل، لأن القارئ، وفقاً للتحولات العصرية والاجتماعية، يقبل على الأعمال القصيرة، وحتى في النقاشات والجلسات الحوارية، فإن النقاد يتحمسون لتناول العمل القصير، باعتبار أن الرواية الطويلة تستهلك منهم زمناً في قراءتها وتقييمها.
* اختلاف 
أما الروائي علي أبو الريش، فقد كان له موقف مختلف تماماً، فتفضيل بعض الكتاب للرواية القصيرة يشير إلى ضعف الثروة اللغوية عندهم، فهذا النمط السردي قد جاء كاستجابة من المبدعين لمعطيات ومنطق عصر الاستهلاك والسرعة، وهذا أمر غريب، فالمفترض أن يتمرد الكاتب على الواقع الذي يريد أن يهيمن ويفرض ثقافته وأسلوبه عليه، لا أن يستجيب له، فالمبدع يجب أن يتحلى بالمسؤولية تجاه الأدب، وبروح المقاومة.
وذكر أبو الريش، أن المبدع لا يعمل على التقاط صورة فوتوغرافية سريعة من خلال الكتابة عن الواقع؛ بل هو صاحب مشروع وعليه أن يعمل على إعادة صياغة المفاهيم والعادات والممارسات، وذلك ما يفعله الأدب، فهو ضد التسليع والتشيّؤ، وكل ما من شأنه أن يقود إلى اغتراب الإنسان؛ حيث إن الرواية القصيرة هي بمثابة صرعة وموضة، وتشبه في شكلها ومضمونها منتجات العصر مثل ساندويتشات «التيك أواي»؛ أي الطعام الذي لا يتضمن أي قيمة غذائية.
وشدد أبو الريش، على أن السرد هو موقف من الوجود، ومن العالم والمجتمع، بالتالي هو شأن فكري لا يقبل العبث، فالرواية القصيرة هي من منتجات مواقع التواصل الاجتماعي، التي أضرت بالثقافة، وعملت على إفراغ الإبداع من محتواه الأخلاقي والجمالي.
 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"