الشارقة: أوميد عبد الكريم إبراهيم
لا تقتصر مخاطر الحروب على حياة الإنسان وتهديد وجوده، وتدمير البنى التحتية للدول فحسب؛ بل إنها تهدد جذور الإنسان وامتداده التاريخي أيضاً؛ فعلى مرِّ التاريخ دأبت القوى المستعمرة أو المحتلة لأراضي غيرها على نهب وسلب خيرات ومقدَّرات تلك الأوطان؛ فضلاً عن سرقة أو تدمير الآثار والشواهد الموغلة في القِدم، ومن الأمثلة الصارخة في هذا الإطار؛ ما تقوم به القوات التركية في المناطق التي تحتلها من سوريا؛ بدعمٍ من الفصائل السورية المسلحة الموالية لها.
على مدى السنوات الخمس الأخيرة؛ احتلت تركيا العديد من المناطق السورية التي تزيد مساحتها على 8800 كم مربع؛ فإلى جانب أغلب محافظة إدلب السورية المحاذية للحدود معها؛ تحتل تركيا مناطق أخرى مثل عفرين؛ سري كانيه/رأس العين؛ كري سبي/تل أبيض؛ جرابلس؛ أعزاز؛ الباب وغيرها الكثير من المدن والبلدات والقرى التي يزخر قسم كبير منها بكنوز أثرية لا تقدَّر بثمن، والتي باتت في مهبِّ الريح؛ من جرَّاء عمليات النهب والسلب الممنهجة من جانب القوات التركية لهذه الآثار والأوابد التاريخية؛ بدعمٍ وتواطؤٍ من الفصائل السورية المسلحة الموالية لها.
نهب الكنوز الأثرية
وتضم محافظة إدلب الواقعة شمال غرب سوريا، والتي باتت أشبه بولايةٍ تركية؛ كَمَّاً هائلاً من الآثار والمواقع التي تعود إلى حقبٍ تاريخية وحضارات مختلفة؛ بعضها يعود إلى الألف الخامسة قبل الميلاد؛ هذه المنطقة الحافلة بالشواهد التاريخية تضم آثاراً تعود إلى الحقب الحثية؛ الآرامية؛ الآشورية؛ اليونانية؛ الرومانية؛ البيزنطية؛ وصولاً إلى العصور الإسلامية؛ حيث تحتضن أكثر من 400 موقع أثري؛ من بينها على سبيل المثال لا الحصر؛ تل عين الكرخ؛ مملكة إبلا؛ تل مرديخ وغيرها الكثير من المدن والمواقع الأثرية التي تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وقد أصبح مصير أغلبها مجهولاً منذ الاحتلال التركي للمحافظة.
سرقة التاريخ
وسبق أن وثَّق المرصد السوري لحقوق الإنسان عمليات نهب وتدمير الآثار السورية بمئات الصور ومقاطع الفيديو، وفي تقرير له أواخر شهر أكتوبر/تشرين الثاني الماضي؛ أفاد المرصد بأن «تركيا لم تكتفِ بنهب وسرقة الآثار والشواهد الحضارية من المناطق السورية التي احتلتها؛ بل حتى الآثار التي سرقها تنظيم «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية التي سيطرت على بعض المناطق لفترات متفاوتة؛ كانت تُباع داخل الأراضي التركية، وعلى مرأى وعلم مخابراتها».
كما وثَّق المرصد «عمليات تنقيب من جانب تركيا في ريف منطقة تل أبيض التي تحتلها؛ من بينها موقع (كفيفة) الأثري؛ تماماً كما كانت وما زالت تفعل في منطقة عفرين عندما سرقت الآثار التي عُثر على بعضها داخل الأراضي التركية»؛ مشيراً إلى أن «المخابرات التركية والفصائل السورية المسلحة الموالية لها تريد أن تسرق تاريخ سوريا، وتبيعه في سوق تجار الآثار داخل الأراضي التركية».
طمس الشواهد الحضارية
وفي شهر فبراير/شباط من عام 2018؛ كان موقع «عين دارة» الأثري بمنطقة عفرين ذات الأغلبية الكُردية في ريف محافظة حلب، والذي بني في الفترة الممتدة بين عامَي 700 و1300 قبل الميلاد؛ على موعد مع قصف جوي تركي حوَّل أجزاء كبيرة منه إلى حُطام؛ في حين تكفَّل مسلحو الفصائل السورية الموالية لتركيا بنهب ما تبقى من محتويات الموقع؛ بالتنسيق مع الجانب التركي.
عمليات النهب والسرقة هذه ليست سوى نقطة في بحر الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها تركيا في المناطق التي تحتلها من سوريا؛ بمساندة الفصائل السورية المسلحة الموالية لها، ويرى المختصون في الشأن التركي أن «هدف أنقرة من وراء سرقة وتدمير الآثار ليس ملايين الدولارات التي تجنيها من بيعها فحسب؛ بل تهدف كذلك إلى طمس الحقائق التاريخية والشواهد الحضارية التي تحكي قصص شعوبٍ ومِللٍ ونِحل عاشت ومرَّت من هناك، وتغيير التركيبات البشرية والعرقية في المناطق المحاذية لحدودها على وجه الخصوص؛ تماماً كما كانت تفعل خلال حقبة الاحتلال العثماني للمنطقة».