لبنان.. هل من ضوء في النفق؟

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.غسان العزي

يمعن الرئيس الفرنسي ماكرون في إهانة الطبقة الحاكمة في لبنان. فبعدما ذهب لتفقد أضرار انفجار مرفأ بيروت محاطاً بحشود شعبية مرحبة طالبته بألا يقدم أي مساعدة للدولة اللبنانية كونها ستذهب إلى جيوب السماسرة والسياسيين، وبعدما أطلق من قصر الصنوبر ومن باريس تصريحات مهينة من قبيل «تصرف الطبقة السياسية اللبنانية مخجل» و«النظام الخسيس»..إلخ، هاهو يعطي الكلام، في مؤتمر «الدعم الدولي الإنساني للشعب اللبناني» لممثلي المجتمع المدني اللبناني قبل رئيس الجمهورية. مساعدو ماكرون قالوا كلاماً أكثر من مهين بحق الزعماء اللبنانيين، ووزير خارجيته لودريان كرر تحذيراته من «زوال لبنان» اذا لم يسرع هؤلاء إلى إقرار إلاصلاحات الضرورية. كل ذلك وغيره دون جدوى، فهذه الطبقة الأوليغارشية المالية السياسية الطائفية لا تزال تتصرف وكأن شيئاً لم يحدث. الاهانات اعتادت عليها، فأحاديث الناس وشعارات التظاهرات ووسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تتنافس في ابتكار أكثر الأوصاف والشتائم المهينة. لكن «من يهن يسهل الهوان عليه.. ما لجرح بميت ايلام» كما قال المتنبي.

السياسيون اللبنانيون الذين يتراشقون الاتهامات بالفساد يجتمعون على إعاقة التحقيق الجنائي سواء في مصرف لبنان أو أي وزارة أو إدارة أخرى رغم تصريحاتهم العلنية المغايرة، وهذا أمر طبيعي، فمثل هذا التحقيق ربما يكشف ملفاتهم فيعريهم أمام الرأي العام وقد يدفع بهم إلى السجون. وقد جاء الاجتماع المهزلة لمجلس النواب في 27 من الشهر المنصرم ليقطع الشك باليقين، فالبرلمان اتخذ «قراراً» يؤيد فيه إجراء تحقيق جنائي بكل الوزارات والمصارف والإدارات والمجالس..إلخ. وكأن البرلمانات مهمتها إصدار القرارات والتوصيات وليس القوانين والتشريعات، علماً أنه في الجلسة التشريعية المذكورة نفسها أقرالمجلس قانوناً يتعلق بضحايا انفجار مرفأ بيروت.

 التحقيق الجنائي يهدف إلى معرفة أسباب انهيار مالية الدولة والقطاع المصرفي الذي تقدر خسائره ب67 مليار دولار. أزمة السيولة التي انفجرت في صيف العام الماضي أدت الى انهيار العملة اللبنانية وإلى تضخم هائل وضع لبنان في المرتبة الثانية في العالم بعد فنزويلا وقبل زيمبابوي. وازدادت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في لبنان من 30% في العام الماضي إلى 55% اليوم وهذه النسبة في صعود مستمر.

الدول الغربية عموماً والعربية، لاسيما الخليجية، التي سبق وقدمت مساعدات هائلة للدولة اللبنانية على مساحة العقود الثلاثة المنصرمة ترفض تقديم أي مساعدة اليوم إلا من خلال صندوق النقد الدولي الذي يشترط إصلاحات، في مقدمتها التحقيق الجنائي الذي تأبى الطبقة الحاكمة إجراءه. والمصارف التي يملك معظم أسهمها سياسيون معروفون، تريد تحميل المودعين تبعات الانهيار بعد أن استفادت، في عام 2016، من«هندسات مالية» أجراها حاكم المصرف المركزي أكسبتها خمسة مليارات دولار، أي ما نسبته 10% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الحاكم الذي لايزال في منصبه منذ 27 عاماً حّول المصرف المركزي إلى دولة داخل الدولة، إلى صندوق أسود لنظام وصفه ماكرون ب«الخسيس». 

 في الداخل لا يزال لبنان محكوماً من دولة عميقة عبارة عن كارتل من الأحزاب الطائفية التي باتت تمتلك خبرة عريقة بل عبقرية في إدارة الصفقات وتهريب الأموال وشراء الذمم والتلاعب بالقوانين والدساتير. ولكن لا ننسى أيضاً الوضع الإقليمي الضاغط، فلبنان اليوم ضحية صراع تمارس فيه الولايات المتحدة أقصى الضغوط على إيران وأذرعها في المنطقة لاسيما حزب الله. هذا الأخير بقي في منأى عن النظام المصرفي اللبناني وبالتالي فهو أقل المتضررين من هذا الانهيار الذي ربما يساعده في اقناع الآخرين بخياره«التوجه شرقاً» نحو سوريا وروسيا والصين، وهو خيار لايزال يرفضه معظم اللبنانيين، ومنهم بعض حلفاء الحزب والذي تحكم علاقته بالطبقة السياسية المعادلة التي صاغها أحد حلفائه جميل السيد:«لكم فسادكم ولي سلاحي»، بمعنى أنكم تغضون النظر عن السلاح فأغض النظر عن الفساد.

 رغم ذلك، ثمة ضوء في هذا النفق. فقد فاز في الانتخابات الطلابية في الجامعة اليسوعية وبفارق كبير تحالف العلمانيين والمستقلين على كل الأحزاب السياسية مجتمعة. وهذا ما يقدم صورة مسبقة عن الانتخابات النيابية بعد أقل من عامين. لكن الطبقة السياسية التي تدرس اليوم بإمعان مغزى هذه النتائج، وقبلها في الجامعة الأمريكية ونقابة المحامين، تملك كل الذرائع لتأجيل الانتخابات في حينه لعام أو عامين أو أكثر، كما اعتادت أن تفعل، وبالتالي تمنع التغيير الحتمي أو تؤجله لسنوات. ولبنان لايملك ترف الانتظار، فقد تتحقق قبل ذلك نبوأة لودريان حول زواله.

التقييمات
0

عن الكاتب

دكتوراه دولة في العلوم السياسية وشغل استاذاً للعلاقات الدولية والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ومشرفاً على اطروحات الدكتوراه ايضاً .. أستاذ زائر في جامعات عربية وفرنسية.. صاحب مؤلفات ودراسات في الشؤون الدولية باللغتين العربية والفرنسية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y56d948n