في 17 ديسمبر/ كانون الأول من عام 2019 أحرق محمد البوعزيزي نفسه في منطقة سيدي بوزيد، وسط تونس، احتجاجاً على منعه من بيع خضاره، من دون أن يعلم بأنه بذلك أطلق شرارة ثورة شعبية سوف تمتد كالنار في الهشيم على مساحة بلاده، ومنها إلى أقطار عربية أخرى. وإزاء مشاركة كل الطبقات الشعبية والنقابات المهنية على وقع تأييد خارجي ورفض الجيش التدخل لقمع الثورة، آثر الرئيس الراحل زين العابدين بن علي المغادرة ليبدأ ما يسميه علماء السياسة ب«التحول الديمقراطي»، أو ما يسمى «الربيع العربي» الذي سيحقق نجاحاً ملموساً في تونس، فيجعل منها «نموذجاً» عربياً يحتذى، ويتحول إلى شتاء دموي في أقطار عربية أخرى.
واليوم يحتفل التونسيون بمرور عقد كامل على ثورتهم، لكنه احتفال تغيب عنه البهجة، ويسوده الخوف من المستقبل والخشية من ضياع المنجزات الديمقراطية. فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تعيش في أزمة جاءت جائحة كورونا لتزيد من حدتها، وتزاحم فيها المؤشرات السلبية: ركود اقتصادي بنسبة 9% وبطالة تتخطى 16% وعجز خزيني 13,4%، ومديونية عامة تقترب من 90% من الناتج الداخلي الإجمالي. ومن الناحية التقنية فإن تونس ليست بعيدة عن الإفلاس، وتعيش تبعية حيال المساعدات الدولية وشروط صندوق النقد الدولي.
وعلى الأرض هناك تململ اجتماعي واضح تعبر عنه الاحتجاجات والتجمعات التي بلغ عددها 871 في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أي ضعف ما كانت عليه في عام 2018 بحسب «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية». وهجرة الشباب تتزايد، فقد وصل هذا العام 12490 مهاجراً تونسياً غير شرعي إلى السواحل الإيطالية، أي أربعة أضعاف العدد قبل عام واحد.
وبالنسبة إلى الديمقراطية بيّن استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «جسور» أن 43% من المستطلعين يعتبرون أنها أضحت «حقاً مكتسباً شريطة أن يتحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فما الفائدة أن تكون حراً ولكن جائع»، بل إن 39% ممن شملهم الاستطلاع يعتبرون أن «الديمقراطية لا تناسبنا». وكشف استطلاع آخر أن 82% من ال800 تونسي شاب المستطلعين من مختلف أحياء تونس يعتقدون بأن القوانين لا تطبق بالتساوي على الجميع.
والإيمان بالديمقراطية تراجع كثيراً أمام الهموم الاقتصادية، إلى درجة أن أصواتاً باتت تعلو للمطالبة بضرورة اللجوء إلى الجيش لإعادة البلد إلى الانتظام. وهذه مفارقة لافتة في بلد ثار على الدكتاتورية ونجح في فرض حد مقبول من الديمقراطية.
المعروف أن الجيش التونسي بقي منذ الاستقلال بعيداً عن السياسة، وأن النظام السابق كان «بوليسياً» استخباراتياً، وليس عسكرياً. ولكن مجرد وجود مثل هذه الأصوات يعكس وجود تعب، أو خيبة أمل من الديمقراطية. والطبقة السياسية التي أفرزتها الثورة تبدو بعد عشر سنوات عاجزة عن تحقيق أهداف هذه الثورة. من هنا الشعور العام الرافض للأحزاب السياسية المتهمة بأنها تسببت بغرق الدولة بالديون وبالبيروقراطية المنتفخة (650 ألف موظف)، وتراجع الخدمات العامة والفساد المستشري والاقتصاد الموازي عبر التهريب الناشط على الحدود مع الجزائر وليبيا.
في «تونس الداخلية»، لاسيما شمال غربي البلاد وجنوبها ووسطها، تململ واضح من تراجع «العدالة»، و«الكرامة»، وإهمال النخب السياسية لها، والمستمر منذ الاستقلال، في مقابل ازدهار المناطق الساحلية التي يقطنها الأغنياء. وليس من قبيل المصادفة أن تكون خريطة الاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية اليوم تضم تحديداً مناطق الخريطة الثورية في عام 2011.
هذه الأوضاع ساهمت في بزوغ شعبوية احتجاجية في انتخابات عام 2019 التشريعية ثم الرئاسية، كان من ضحاياها الائتلاف الحاكم وقتها بين حزب النهضة الإسلامي والتيار الدستوري الموروث من الحقبة البورقيبية. هذه الانتخابات فتحت المجال أمام تشكيل سياسي جديد «كرامة»، ورئيسه هو أستاذ جامعي جاء من خارج الحياة السياسية ( قيس سعيّد) لا يخفي عداءه للأحزاب السياسية، وانبثق عنها برلمان يعاني العجز في قيادة البلاد من الناحية التشريعية.
واليوم، في الذكرى العاشرة للثورة، تبدو الديمقراطية التمثيلية التونسية في أزمة وتعيش التسوية الدستورية للعام 2014 حول النظام البرلماني في خطر محدق.
لقد تمكنت تونس من الانتصار على خطرين: الانقسام الأيديولوجي، والخطر الإرهابي. ولا شك في أن ثقافة الحوار والتسوية التي يتميز بها التونسيون سوف تنتصر مجدداً ليس على يد الأحزاب السياسية، بل المجتمع المدني الحيوي والمتعلق بالحريات المكتسبة رغم خيبات الأمل العديدة. فالثورات الديمقراطية، كما علّمنا التاريخ، لا تؤتي أكلها في فترات زمنية وجيزة.
د.غسان العزي
بعد تصديق المجمع الانتخابي على فوز الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بات مؤكداً بأن الرئيس ترامب لا بد أن يغادر البيت الأبيض في العشرين من الشهر المقبل على الرغم من إعلاناته المتكررة بأنه لن يذعن لنتيجة هذه الانتخابات المزورة في رأيه. وبات السؤال الذي يطرح نفسه، لاسيما بعد أن كان قد شكل فوزه في الانتخابات السابقة مفاجأة للمراقبين وكل استطلاعات الرأي، هل سيذكر التاريخ ترامب كغيمة صيف عابرة في تاريخ الحياة السياسية الأمريكية وحتى الدولية؟
صحيح أن ترامب هُزم في الانتخابات الرئاسية؛ لكنها هزيمة أتت بعد معركة انتخابية عاصفة لم تمر بمثلها الولايات المتحدة منذ وقت طويل، وقد حصل فيها على 5 ملايين صوت زيادة على ما حصل عليه في انتخابات عام 2016. الكثير من المراقبين يعتقدون بأن إدارته للجائحة هي التي أسقطته في الانتخابات، ولولاها لكان فوزه مؤكداً. وهذا الإخفاق في إدارة الجائحة ليس حكراً عليه، فكل زعماء العالم تقريباً وقعوا في مثل هذا الفشل؛ كون الجائحة فاجأت كل من لم يكن مستعداً لها.
الكثير من المحللين يعتقدون بأن الظاهرة الترامبية لن تنتهي، ففي رأيهم الانتخابات الرئاسية هي عارض جديد من عوارض إعادة التشكل السياسي الغربي الذي، منذ الأزمة المالية في عام 2008، يقلب الانقسامات التقليدية في الديمقراطيات الليبرالية، والذي تعبر عنه الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة. هذه الحركات تنمو بشكل مطرد كما كشفت أكثر من انتخابات تشريعية ورئاسية وبلدية من البرازيل الى أوروبا مروراً بتركيا وغيرها.
فبدل الانقسام التقليدي بين يمين ويسار، بات الانقسام قائماً اليوم بين المؤمنين ب«القرية الكونية والتعددية»، وأولئك الذين ينظرون إلى العولمة كمصدر لانعدام الأمن الهويتي والثقافي.
هذا الانقسام يرمز إليه واقع أن ناخبي بايدن صوتوا بكثافة عن بُعد في حين أن ناخبي ترامب انتقلوا جسدياً الى صناديق الاقتراع. إنه انقسام بين «لعالميين» و«المتشبثين بجذورهم»؛ حيث إن الأخيرين باتوا يشكلون كتلة صلبة متراصة، ولدت على أنقاض الطبقة المتوسطة؛ بفعل العولمة. وهذا ما يفسر صمود ترامب، وحصوله على أكثر من سبعين مليون صوت شعبي في الانتخابات؛ لذلك من الوهم الاعتقاد بأن فوز بايدن يعني نهاية الشعبوية والعودة الى أيام أوباما، على العكس فإن حقبة «العولمة السعيدة» هي التي تشارف على الانتهاء.
فالأزمة الصحية الناتجة عن «كورونا» أسهمت في زعزعة أركان بعض الأحزاب الشعبوية الحاكمة في العالم؛ لكنها، على المديين المتوسط والطويل، سوف تكشف عن أزمة اقتصادية واجتماعية تزيد من الشقوق في جدران الديمقراطيات الغربية.
أنصار هذا الرأي يعتمدون على نتائج الانتخابات التي، في رأيهم خذلت استطلاعات الرأي التي توقعت حدوث تسونامي أو «موجة زرقاء»؛ لتبرهن أن ترامب لم يكن حدثاً عارضاً من الناحيتين المعنوية والسياسية، وبأن انتخابه المفاجئ في عام 2016 لم يكن بالصدفة. فخلف ترامب يرتسم ائتلاف يعادي النخبة من الطبقات المتوسطة والشعبية العابرة للأعراق، والتي من الأرجح أن تستمر لتصبح الأساس الذي يرتكز عليه الحزب الجمهوري. تمرد هذه الطبقات بدأ قبل ترامب؛ لكنه نجح في إقناعها بأنه القائد المنتظر؛ لحماية صناعات البلد ومنتجاته عبر معاودة التفاوض حول العولمة والتجارة لمصلحة «أمريكا أولاً» التي ينبغي أن تسترد عظمتها.
من ناحية أخرى، فإن ناخبي ترامب يدفعهم الخوف من النزعات الثقافية الصاعدة التي تهدد هويتهم. وقد كشفت الانتخابات أن هذا الشعور لا يقتصر على الفئات المتقدمة في العمر من البيض؛ بل ينتشر في صفوف الشباب الذين يخشون التغيير، ويشعرون بالقلق من ضياع معنى أن يكون المرء أمريكياً، وهم تعبوا من نعت الإعلام لهم بالعنصريين، ويكنون الكراهية للحركات المعادية للعنصرية، ولا يريدون الاستسلام أمامها، ثقافياً على الأقل.
ويدعو أستاذ العلوم السياسية في فلوريدا جوزيف ميتشل إلى قراءة متأنية لتصويت غير البيض في الانتخابات. ففي فلوريدا مثلاً صوّت 35٪ من الناخبين اللاتينيين لمصلحة ترامب ( مقابل 28٪ في عام 2016). ففي رأيه كل جماعة مهاجرة جديدة تنتهي بالانضمام إلى الطبقة المتوسطة والاندماج، ما يدفعها أكثر نحو اليمين الجمهوري. فالأقليات صوتت بنسب مرتفعة إلى حد ما لمصلحة ترامب، على عكس ما توقعته استطلاعات الرأي، وهذا على الرغم من كل الحملات الإعلامية المستمرة التي صورت ترامب على أنه عنصري يدعو إلى تفوق العرق الأبيض. ويقول ميتشل: إذا استمر اليسار في استخدام ورقة العنصرية وإذا أطلق برامج إصلاح اقتصادي عبر زيادة الضرائب؛ فإن الشعلة الترامبية ستعود على يد الشباب المحافظ الجمهوري الذي يمثله السيناتور جوش هاوشيه النجم الصاعد في الحزب.
لقد كان من اللافت أن تكتب مجلة «تايم» في افتتاحيتها في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني المنصرم: «حتى لو فاز جو بايدن فإنه سيحكم في جمهورية دونالد ترامب».
د.غسان العزي
ظهر هذا المفهوم بأقلام المحللين السياسيين وأساتذة العلاقات الدولية الغربيين غداة سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينات القرن المنصرم. وقد ارتبط بالحركات الانفصالية والحروب التي توقفت فجأة في المساحة ما بعد-السوفييتية التي يمكن أن تعود للاشتعال في أي لحظة، كما حصل في ناجورنو كاراباخ على سبيل المثال لا الحصر، وتعمل كرافعات لسياسات موسكو في ما تسميه ب«الخارج القريب».
هذه الصراعات المجمدة هي بمثابة ثقوب سوداء على الخارطة تقع بمعظمها على الحدود الغربية والجنوبية لروسيا. هذه الكيانات التي لا تحظى بأي اعتراف دولي هي نتيجة حركات تمردية وانفصالية مدعومة من موسكو وحروب مجمدة منذ سنوات عديدة عبر اتفاقات وقف إطلاق نار من دون حلول سياسية. وهذه الصراعات المجمدة تبقى مهملة من الدول التي تتجاهل وجودها الى أن تنفجر فتستفيق هذه الدول على وقع هذا الانفجار. وهذا ما ينطبق تماماً على الحرب الأذرية-الأرمنية التي انفجرت فجأة في 27 سبتمبر/أيلول الماضي.
وإذا كان الغربيون يستخدمون مفهوم «الصراعات المجمدة» فإن الروس يفضلون عليه تعبير «الصراعات التي لم تحل»، كونها ليست مجمدة بالفعل لأنها سبب لعدم الاستقرار، وفقط مسارات الحلول والمفاوضات المجمدة وليس الصراعات بحد ذاتها التي تبقى كالنار تحت الرماد ولو بكثافة منخفضة، لكنها قد تنفجر في أي لحظة كون الأطراف المتخاصمين مستمرين في التسلح والاستعداد للحرب.
مثال ناجورنو كاراباخ صارخ في هذا السياق. فسكان هذا الإقليم المسيحيون في جلهم لم يوافقوا على ضمهم الى أذربيجان في العام 1921 من قبل جوزف ستالين. لذلك انتهزوا فرصة سقوط الاتحاد السوفييتي في العام 1991 ليعلنوا استقلالهم. وبعد أشهر عديدة من الحرب مع أذربيجان نجحوا في تحرير ممر نحو أرمينيا فصاروا متصلين بها، الأمر الذي كرسه وقف إطلاق النار في العام 1994. هكذا تم تجميد الصراع على خط تماس في انتظار أن تتمكن «جماعة مينسك» برعاية «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» من إيجاد حل تفاوضي له. هذه الجماعة نشأت لهذه الغاية بالتحديد وترأستها فرنسا وروسيا والولايات المتحدة معاً، لكنها لم تنجح في تحقيق ما نشأت من أجله.
بالطبع هناك في العالم عدد لا بأس به من الصراعات المجمدة، كما في قبرص مثلاً التي ما تزال منقسمة على نفسها منذ الاحتلال التركي للقسم الشمالي من الجزيرة في العام 1974 بين «جمهورية قبرص» التي باتت عضواً في الاتحاد الأوروبي و«جمهورية قبرص التركية الشمالية» التي لم يعترف بها أحد سوى أنقره. وما تزال قوات «القبعات الزرقاء» تنتشر على خط التماس بين الجمهوريتين القبرصيتين منذ ستة وأربعين عاماً. ولا أحد يطلق على هذا الصراع صفة «المجمد» لأن المفهوم ارتبط فقط بالمساحة ما بعد السوفييتية.
في عودة الى الفضاء ما بعد السوفييتي حيث ولد المفهوم وترعرع، تضرب الصراعات المجمدة جذورها في الحقبة السوفييتية نفسها حيث توجد أقليات أرادت الاستقلال فور انتهاء هذه الحقبة. وقامت روسيا بدعم هذه الأقليات اقتصادياً وعسكرياً على حساب جمهوريات سوفييتية سابقة توجس الروس من رغبتها «المفرطة» في الاستقلال عنهم. هناك مولدافيا على سبيل المثال وانفصال ترانسيتريا عنها، التي تسكنها أغلبية روسية وأوكرانية في العام 1992. هناك أيضاً جورجيا التي نشأت في العام نفسه في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية جمهوريات انفصالية عنها اعترفت بها موسكو في العام 2008 لمعاقبة الرئيس الجورجي وقتها ميخائيل ساكاشفيلي الذي، بإيعاز من واشنطن قام بمحاولة فاشلة لاستعادة أوسيتيا الجنوبية عسكرياً. وقتها كان ديمتري مدفيديف هو رئيس روسيا وفلاديمير بوتين رئيس الوزراء، لكن بوتين هو الذي تحرك فوراً وأمر الجيش بالتصدي للجورجيين والتوغل في أعماق جورجيا وصولاً لعاصمتها ولم يوقف زحفه إلا بعد تدخل دبلوماسي من قبل الرئيس الفرنسي ساركوزي والمستشارة الألمانية ميركل. وفي العام 2014 استيقظ الصراع الأوكراني بعد وصول الإصلاحيين الموالين لأوروبا الى السلطة في كييف. وقد تدخلت موسكو فقامت بضم شبه جزيرة القرم ودعم وتسليح الانفصاليين الموالين لها في شرقي أوكرانيا. الصراعات المجمدة أو النائمة تمنح روسيا الفرصة للتدخل المباشر في دول «الخارج القريب» بهدف إحكام القبضة الروسية عليها أنها رافعة عمل ووسيلة سيطرة في يد بوتين. إنها الوسيلة لمنع هذه الدول من الانضمام الى الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو على سبيل المثال والسيطرة بطريقة من الطرق على مستقبل علاقاتها الدولية. كما أنها تشكل نوعاً من التعويض عن خسارة روسيا لأوروبا الوسطى والشرقية بعد العام 1989. يقول بوتين في هذا الصدد «من لا يأسف على اختفاء الاتحاد السوفييتي لا قلب له. ومن يتمنى عودته لا عقل له».
د.غسان العزي
يمعن الرئيس الفرنسي ماكرون في إهانة الطبقة الحاكمة في لبنان. فبعدما ذهب لتفقد أضرار انفجار مرفأ بيروت محاطاً بحشود شعبية مرحبة طالبته بألا يقدم أي مساعدة للدولة اللبنانية كونها ستذهب إلى جيوب السماسرة والسياسيين، وبعدما أطلق من قصر الصنوبر ومن باريس تصريحات مهينة من قبيل «تصرف الطبقة السياسية اللبنانية مخجل» و«النظام الخسيس»..إلخ، هاهو يعطي الكلام، في مؤتمر «الدعم الدولي الإنساني للشعب اللبناني» لممثلي المجتمع المدني اللبناني قبل رئيس الجمهورية. مساعدو ماكرون قالوا كلاماً أكثر من مهين بحق الزعماء اللبنانيين، ووزير خارجيته لودريان كرر تحذيراته من «زوال لبنان» اذا لم يسرع هؤلاء إلى إقرار إلاصلاحات الضرورية. كل ذلك وغيره دون جدوى، فهذه الطبقة الأوليغارشية المالية السياسية الطائفية لا تزال تتصرف وكأن شيئاً لم يحدث. الاهانات اعتادت عليها، فأحاديث الناس وشعارات التظاهرات ووسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تتنافس في ابتكار أكثر الأوصاف والشتائم المهينة. لكن «من يهن يسهل الهوان عليه.. ما لجرح بميت ايلام» كما قال المتنبي.
السياسيون اللبنانيون الذين يتراشقون الاتهامات بالفساد يجتمعون على إعاقة التحقيق الجنائي سواء في مصرف لبنان أو أي وزارة أو إدارة أخرى رغم تصريحاتهم العلنية المغايرة، وهذا أمر طبيعي، فمثل هذا التحقيق ربما يكشف ملفاتهم فيعريهم أمام الرأي العام وقد يدفع بهم إلى السجون. وقد جاء الاجتماع المهزلة لمجلس النواب في 27 من الشهر المنصرم ليقطع الشك باليقين، فالبرلمان اتخذ «قراراً» يؤيد فيه إجراء تحقيق جنائي بكل الوزارات والمصارف والإدارات والمجالس..إلخ. وكأن البرلمانات مهمتها إصدار القرارات والتوصيات وليس القوانين والتشريعات، علماً أنه في الجلسة التشريعية المذكورة نفسها أقرالمجلس قانوناً يتعلق بضحايا انفجار مرفأ بيروت.
التحقيق الجنائي يهدف إلى معرفة أسباب انهيار مالية الدولة والقطاع المصرفي الذي تقدر خسائره ب67 مليار دولار. أزمة السيولة التي انفجرت في صيف العام الماضي أدت الى انهيار العملة اللبنانية وإلى تضخم هائل وضع لبنان في المرتبة الثانية في العالم بعد فنزويلا وقبل زيمبابوي. وازدادت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في لبنان من 30% في العام الماضي إلى 55% اليوم وهذه النسبة في صعود مستمر.
الدول الغربية عموماً والعربية، لاسيما الخليجية، التي سبق وقدمت مساعدات هائلة للدولة اللبنانية على مساحة العقود الثلاثة المنصرمة ترفض تقديم أي مساعدة اليوم إلا من خلال صندوق النقد الدولي الذي يشترط إصلاحات، في مقدمتها التحقيق الجنائي الذي تأبى الطبقة الحاكمة إجراءه. والمصارف التي يملك معظم أسهمها سياسيون معروفون، تريد تحميل المودعين تبعات الانهيار بعد أن استفادت، في عام 2016، من«هندسات مالية» أجراها حاكم المصرف المركزي أكسبتها خمسة مليارات دولار، أي ما نسبته 10% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الحاكم الذي لايزال في منصبه منذ 27 عاماً حّول المصرف المركزي إلى دولة داخل الدولة، إلى صندوق أسود لنظام وصفه ماكرون ب«الخسيس».
في الداخل لا يزال لبنان محكوماً من دولة عميقة عبارة عن كارتل من الأحزاب الطائفية التي باتت تمتلك خبرة عريقة بل عبقرية في إدارة الصفقات وتهريب الأموال وشراء الذمم والتلاعب بالقوانين والدساتير. ولكن لا ننسى أيضاً الوضع الإقليمي الضاغط، فلبنان اليوم ضحية صراع تمارس فيه الولايات المتحدة أقصى الضغوط على إيران وأذرعها في المنطقة لاسيما حزب الله. هذا الأخير بقي في منأى عن النظام المصرفي اللبناني وبالتالي فهو أقل المتضررين من هذا الانهيار الذي ربما يساعده في اقناع الآخرين بخياره«التوجه شرقاً» نحو سوريا وروسيا والصين، وهو خيار لايزال يرفضه معظم اللبنانيين، ومنهم بعض حلفاء الحزب والذي تحكم علاقته بالطبقة السياسية المعادلة التي صاغها أحد حلفائه جميل السيد:«لكم فسادكم ولي سلاحي»، بمعنى أنكم تغضون النظر عن السلاح فأغض النظر عن الفساد.
رغم ذلك، ثمة ضوء في هذا النفق. فقد فاز في الانتخابات الطلابية في الجامعة اليسوعية وبفارق كبير تحالف العلمانيين والمستقلين على كل الأحزاب السياسية مجتمعة. وهذا ما يقدم صورة مسبقة عن الانتخابات النيابية بعد أقل من عامين. لكن الطبقة السياسية التي تدرس اليوم بإمعان مغزى هذه النتائج، وقبلها في الجامعة الأمريكية ونقابة المحامين، تملك كل الذرائع لتأجيل الانتخابات في حينه لعام أو عامين أو أكثر، كما اعتادت أن تفعل، وبالتالي تمنع التغيير الحتمي أو تؤجله لسنوات. ولبنان لايملك ترف الانتظار، فقد تتحقق قبل ذلك نبوأة لودريان حول زواله.
غسان العزي
اعتبر رائد الجيوبوليتيك ماكيندر في«اللعبة الكبرى» للسيطرة على آسيا الوسطى أن الهيمنة البرية على الممر الأوروآسيوي يضمن السيطرة على العالم. وبعده بأربعين عاماً قال سبايكمان بأن الهيمنة البحرية على التدفقات التجارية هي التي تضمن مثل هذه السيطرة. وهكذا ترى الهند أن هناك رغبة صينية بالهيمنة على الممر المحيط بها فتحرمها من الاستفادة من التجارة القارية. أكثر من ذلك فإن نمو النفوذ الصيني السياسي في آسيا الوسطى يهدد الأمن القومي الهندي.
الممر الصيني-الباكستاني يدور حول الهند وعبره تستورد الصين المعادن والنفط وغيره. وهي تستثمر 3,5 مليار دولار للاستحواذ على منجم آيناك للنحاس في أفغانستان وإنشاء سكة حديد بين مقاطعة لوغار جنوبي-غربي كابول ومدينة تورخام الباكستانية الحدودية. كذلك تتطلع الصين لبناء واستغلال مناجم الذهب والحديد في أفغانستان التي تعاني ضعف بناها التحتية، وذلك من ضمن مشروع هائل لآسيا الوسطى.
ولكي تتصل الهند بآسيا الوسطى فهي مجبرة على المرور عبر أفغانستان وباكستان التي تعاني معها صراعاً طويلاً،كما مع الصين. لكن افتتاح مرفأ شابهار الإيراني في العام 2017 أتاح للهند الالتفاف على الممر الصيني-الباكستاني وتأمين التبادل التجاري مع أفغانستان وتفادي الابتزاز الباكستاني.
وتتطلع الهند إلى شركاء آخرين كروسيا وإيران اللتين تخططان لإقامة طريق متعدد الوسائط يصل ما بين مومباي وسان-بيترسبورج عبر طهران وباكو. هذا المشروع يحيي التجارة الثنائية بين الهند وروسيا . والطريق الثلاثي بين الهند وبورما وتايلاند يسمح لمنطقة الشمال الشرقي الهندية بالانفتاح على طرق جديدة نحو آسيا الجنوبية-الشرقية وهو أمر حيوي للصادرات الهندية.
بالنسبة للمحيط الهندي، يزعج وصول الصين إليه نيودلهي التي ترى كيف تتكاثر تجهيزات الموانئ، حيث تتزاحم السفن الصينية. مرفأ جوادار الذي مولته وتديره الصين يمكنه أن يستقبل بوارج حربية صينية في حالة نزاع عسكري. في يوليو 2017 وقعت الصين مع سيريلانكا عدة اتفاقات لتجهيزات موانئ في هامبانتوتا، وفي نهاية العام 2016 وقعت اتفاقات مع مرافئ بنجلادش بقيمة 21 مليار دولار، وعقود بناء البنى التحتية الساحلية التي تنقل الهيدروكربونات نحو مصافي شيتونج أعطيت بدورها للصينيين في أكتوبر 2017.
برنامج اتصال البنى التحتية يزيد أيضاً من النفوذ الاستراتيجي للصين في مناطق المحيط الهندي وخليج البنجال وبحر عمان. هذا النشاط الصيني يقلق الهند التي تتوجس من الاستخدامات العسكرية المستقبلية لهذه البنى التحتية. كذلك تشعر الهند بالقلق حيال الرواق الصيني-الباكستاني الذي يضم مشاريع في كشمير التي تعتبرها الهند جزءاً منها.
الموقع الجغرافي لباكستان يحرم الهند من منفذ مباشر نحو أفغانستان، ما يحد من صعودها كقوة برية وبحرية. وفي آسيا الجنوبية-الشرقية فإن حقيقة أن الهند تضم ثلاثة أرباع السكان والناتج الإجمالي المحلي والمساحة الأرضية تدفع الدول الصغرى كسريلانكا وبورما وبنجلادش لموازنتها عبر الانفتاح على الصين. والموانئ العديدة (عقد اللؤلؤ الصيني) لهذه الدول تحدّ من قدرة الهند على السيطرة على المحيط الهندي.
ونظراً للموقع الاستراتيجي لآسيا الجنوبية-الشرقية، حيث يمر 40% من التجارة العالمية العابرة للأوقيانوس، فإنها تضحى مركزية لكل اندماج اقتصادي وجيواستراتيجي، وهذه المركزية ليست فقط تجارية في منطقة تضم دولاً عديدة أعضاء في منظمات إقليمية إلى جانب الهند التي تشعر بضعف موقعها فيها بسبب الأجندات الصينية.
ما تزال ندوب الحرب الصينية-الهندية في العام 1962 والحروب الهندية-الباكستانية العديدة ظاهرة، لذلك فإن البنى التحتية والطرق لا تهدف فقط للاندماج الإقليمي ولكن أيضاً للدفاع. وطالما يبقى الخلاف الحدودي الصيني-الهندي موضع نزاع مضمر مضافاً إلى الصراع الهندي-الباكستاني فمن الصعب جداً الوصول إلى ثقة متبادلة ضرورية لكل مشروع بناء مشترك عابر للحدود.
لذلك، فإن مشاريع الربط ما بين العملاقين لا تبدو ممكنة ومشروع الطريق السريع الذي يصل شنجهاي باسطنبول عبر دلهي لم يبدأ العمل به بعد، ومشروع الطرق السريعة بين بنجلادش والصين والهند وبورما لا يبدو أنه سيرى النور في المدى القريب. وإذا كان الأمر ليس دراماتيكياً كون 90% من التجارة الدولية تمر عبر البحار، فلا شك أن تحول دول آسيا الجنوبية-الشرقية وجوارها، الشركاء الاقتصاديين والاستراتيجيين لنيودلهي، إلى دول تابعة للصين يضعف موقع الهند وإمكانية صعودها كقوة عظمى.
د.غسان العزي
ينبغي عدم المبالغة في تقدير الأهمية الاقتصادية للاكتشافات النفطية في شرقي المتوسط، وذلك لأسباب عدة أولها أن العالم لا يعاني من شح في الطاقة، على العكس فالاحتياطات النفطية العالمية تكفي لسنوات عدة، موارد جديدة من الطاقة المتجددة كبديل عن الطاقة الأحفورية.
على الرغم من ذلك، فإن أخبار الاكتشافات الجديدة للحقول النفطية في أعماق البحر المتوسط، أعادت خلط أوراق الجيوبوليتيك المعقد في هذه المنطقة المتوسطية فائقة الأهمية من كل النواحي الدينية والتاريخية والاستراتيجية والاقتصادية وغيرها.
في بداية القرن الجاري بدأ التطلع إلى مخزونات الهيدروكربونات في شرقي المتوسط ليعيد إحياء الخلاف التركي- اليوناني حول قبرص بدل أن يشكل فرصة ذهبية لتخطي هذا الخلاف في اتجاه التعاون بين البلدين المتنازعين للاستغلال المشترك للآبار النفطية المكتشفة. ليس فقط أنه لم يتم استغلال هذه الفرصة؛ بل أكثر من ذلك أدى الحجم الكبير لحقول الغاز الكامنة في البحر لدخول لاعبين جدد إلى حلبة المنافسة، هم أنفسهم يحملون نوايا نزاعية مع هذا الطرف وتطلعات للتعاون مع ذاك.
وهكذا مثلاً فمع اكتشاف آبار تمار2 وليفياتان انطلاقاً من عام 2009 انتقلت إسرائيل من موقع المستورد للغاز إلى مركز المصدر له مع تطلع لتصديره إلى مصر نفسها بعد أن كانت تستورد الغاز منها. لكن لم يطل الأمر حتى اكتشفت مصر بدورها حقل زهر الذي يعتبر أهم حقل غازي مكتشف إلى الآن في هذه المنطقة. لكن القبارصة والأتراك والإسرائيليين والمصريين، ليسوا وحدهم من يمكنه المباشرة باستغلال هذه الثروة، هناك اللبنانيون أيضاً، لكنهم منشغلون بصراعاتهم الداخلية وهم يرفضون الترسيم الأحادي الإسرائيلي للحدود البحرية معهم، وقد دخلوا في مفاوضات غير مباشرة حول هذا الترسيم بوساطة أمريكية ورعاية أممية.
وفي منطقة غير نفطية تتخبط منذ وقت طويل بكل أنواع الصراعات والحروب، فإن هذه الثروة النفطية تشكل فرصة نادرة لدولها كي تحلم بتحسين أوضاعها الاقتصادية المتردية. فقبرص التي يرتبط اقتصادها بالموارد المصرفية، والخارجة لتوها من أزمة مالية خانقة بفعل الأزمة اليونانية، تتطلع إلى الاستحواذ على اكتفاء ذاتي في مجال الطاقة؛ بل وتصديرها أيضاً فتنجح بذلك في تنويع مصادرها من العملة الصعبة.
وإسرائيل التي أضحت مصدراً للغاز تغمز من قناة الأسواق الأوروبية. أما مصر التي تعاني بدورها أزمة اقتصادية صعبة، لاسيما بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وتبعاتها، فإنها ترى في حقل زهر النفطي مصدراً جديداً مهماً يسمح لها بالتطلع نحو الازدهار الاقتصادي. أما تركيا الساعية إلى مركز القوة الإقليمية المتوسطية، لاسيما بعد زوال آمالها بالانضمام للاتحاد الأوروبي، فإنها تسعى بقوة إلى أن تكون لها حصص في هذه الاكتشافات الجديدة.
غاز المتوسط هذا دفع بدوله للمسارعة إلى تحديد مساحاتها البحرية فكأنما فتحت بذلك عش دبابير من الخلافات مع جيرانها. فالصراع التركي- اليوناني، الذي كان خافتاً إلى حد كبير في بحر إيجه المملوء بالجزر، عاد للظهور مجدداً بسبب تقنين قانون البحار؛ حيث تعتبر تركيا أن الاتفاقات الموروثة من نهاية الحرب العالمية الأولى مضى عليها الزمن وهي تريد استعادة ما تعتبره حقوقها البحرية. هذه الاكتشافات النفطية سرعت مسار تحديد المناطق الاقتصادية الحصرية وأنتجت ظاهرة تقاسم البحر المتوسط الشرقي، ما يؤجج الصراعات بين دوله المشاطئة.
وفي النهاية فإن هذه الموارد الغازية وظاهرة التخصيص التي تثيرها والمشكلة المرتبطة بها تحديداً المتعلقة بشبكات التصدير والنقل (أنابيب الغاز، نقل الغاز المسيل..) تؤثر في هيكلة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة. وهكذا شجع هذا الجيوبوليتيك الغازي الجديد التقارب بين قبرص واليونان من جهة وإسرائيل من الجهة المقابلة بعد فتور كان يتسبب به الصراع العربي- الإسرائيلي. كذلك فإنه أحيا صراعاً بين مصر وتركيا كان كامناً، إلى حد ما، منذ إطاحة محمد مرسي، كما سمح لتركيا بمحاولة العبور إلى مركز جديد هو مركز القوة الإقليمية عبر تدخلها في ليبيا والتي قامت بتحديد منطقتها الاقتصادية الحصرية معها، والتنقيب عن النفط قبالة جزيرة أفروديت والذي تندد به فرنسا والاتحاد الأوروبي الداعم لقبرص.
في هذا الصدد فإن إنشاء منتدى الغاز المتوسطي في القاهرة الذي أضحى في العام الجاري منظمة دولية أمر لافت. هذا المنتدى الذي انضمت له إيطاليا وتريد فرنسا الانضمام له هي الأخرى يجمع الدول القائمة على ضفاف المتوسط باستثناء تركيا ولبنان وليبيا. وهو يعكس في الواقع التوازنات الاستراتيجية الجديدة التي تتشكل في هذه المرحلة وهذه المنطقة، والتي يمكن أن تذهب إلى أبعد من الرهانات النفطية.