«الترامبية» بعد ترامب

00:38 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.غسان العزي

بعد تصديق المجمع الانتخابي على فوز الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بات مؤكداً بأن الرئيس ترامب لا بد أن يغادر البيت الأبيض في العشرين من الشهر المقبل على الرغم من إعلاناته المتكررة بأنه لن يذعن لنتيجة هذه الانتخابات المزورة في رأيه. وبات السؤال الذي يطرح نفسه، لاسيما بعد أن كان قد شكل فوزه في الانتخابات السابقة مفاجأة للمراقبين وكل استطلاعات الرأي، هل سيذكر التاريخ ترامب كغيمة صيف عابرة في تاريخ الحياة السياسية الأمريكية وحتى الدولية؟

 صحيح أن ترامب هُزم في الانتخابات الرئاسية؛ لكنها هزيمة أتت بعد معركة انتخابية عاصفة لم تمر بمثلها الولايات المتحدة منذ وقت طويل، وقد حصل فيها على 5 ملايين صوت زيادة على ما حصل عليه في انتخابات عام 2016. الكثير من المراقبين يعتقدون بأن إدارته للجائحة هي التي أسقطته في الانتخابات، ولولاها لكان فوزه مؤكداً. وهذا الإخفاق في إدارة الجائحة ليس حكراً عليه، فكل زعماء العالم تقريباً وقعوا في مثل هذا الفشل؛ كون الجائحة فاجأت كل من لم يكن مستعداً لها.

 الكثير من المحللين يعتقدون بأن الظاهرة الترامبية لن تنتهي، ففي رأيهم الانتخابات الرئاسية هي عارض جديد من عوارض إعادة التشكل السياسي الغربي الذي، منذ الأزمة المالية في عام 2008، يقلب الانقسامات التقليدية في الديمقراطيات الليبرالية، والذي تعبر عنه الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة. هذه الحركات تنمو بشكل مطرد كما كشفت أكثر من انتخابات تشريعية ورئاسية وبلدية من البرازيل الى أوروبا مروراً بتركيا وغيرها. 

 فبدل الانقسام التقليدي بين يمين ويسار، بات الانقسام قائماً اليوم بين المؤمنين ب«القرية الكونية والتعددية»، وأولئك الذين ينظرون إلى العولمة كمصدر لانعدام الأمن الهويتي والثقافي.

 هذا الانقسام يرمز إليه واقع أن ناخبي بايدن صوتوا بكثافة عن بُعد في حين أن ناخبي ترامب انتقلوا جسدياً الى صناديق الاقتراع. إنه انقسام بين «لعالميين» و«المتشبثين بجذورهم»؛ حيث إن الأخيرين باتوا يشكلون كتلة صلبة متراصة، ولدت على أنقاض الطبقة المتوسطة؛ بفعل العولمة. وهذا ما يفسر صمود ترامب، وحصوله على أكثر من سبعين مليون صوت شعبي في الانتخابات؛ لذلك من الوهم الاعتقاد بأن فوز بايدن يعني نهاية الشعبوية والعودة الى أيام أوباما، على العكس فإن حقبة «العولمة السعيدة» هي التي تشارف على الانتهاء.

 فالأزمة الصحية الناتجة عن «كورونا» أسهمت في زعزعة أركان بعض الأحزاب الشعبوية الحاكمة في العالم؛ لكنها، على المديين المتوسط والطويل، سوف تكشف عن أزمة اقتصادية واجتماعية تزيد من الشقوق في جدران الديمقراطيات الغربية.

 أنصار هذا الرأي يعتمدون على نتائج الانتخابات التي، في رأيهم خذلت استطلاعات الرأي التي توقعت حدوث تسونامي أو «موجة زرقاء»؛ لتبرهن أن ترامب لم يكن حدثاً عارضاً من الناحيتين المعنوية والسياسية، وبأن انتخابه المفاجئ في عام 2016 لم يكن بالصدفة. فخلف ترامب يرتسم ائتلاف يعادي النخبة من الطبقات المتوسطة والشعبية العابرة للأعراق، والتي من الأرجح أن تستمر لتصبح الأساس الذي يرتكز عليه الحزب الجمهوري. تمرد هذه الطبقات بدأ قبل ترامب؛ لكنه نجح في إقناعها بأنه القائد المنتظر؛ لحماية صناعات البلد ومنتجاته عبر معاودة التفاوض حول العولمة والتجارة لمصلحة «أمريكا أولاً» التي ينبغي أن تسترد عظمتها.

 من ناحية أخرى، فإن ناخبي ترامب يدفعهم الخوف من النزعات الثقافية الصاعدة التي تهدد هويتهم. وقد كشفت الانتخابات أن هذا الشعور لا يقتصر على الفئات المتقدمة في العمر من البيض؛ بل ينتشر في صفوف الشباب الذين يخشون التغيير، ويشعرون بالقلق من ضياع معنى أن يكون المرء أمريكياً، وهم تعبوا من نعت الإعلام لهم بالعنصريين، ويكنون الكراهية للحركات المعادية للعنصرية، ولا يريدون الاستسلام أمامها، ثقافياً على الأقل.

 ويدعو أستاذ العلوم السياسية في فلوريدا جوزيف ميتشل إلى قراءة متأنية لتصويت غير البيض في الانتخابات. ففي فلوريدا مثلاً صوّت 35٪ من الناخبين اللاتينيين لمصلحة ترامب ( مقابل 28٪ في عام 2016). ففي رأيه كل جماعة مهاجرة جديدة تنتهي بالانضمام إلى الطبقة المتوسطة والاندماج، ما يدفعها أكثر نحو اليمين الجمهوري. فالأقليات صوتت بنسب مرتفعة إلى حد ما لمصلحة ترامب، على عكس ما توقعته استطلاعات الرأي، وهذا على الرغم من كل الحملات الإعلامية المستمرة التي صورت ترامب على أنه عنصري يدعو إلى تفوق العرق الأبيض. ويقول ميتشل: إذا استمر اليسار في استخدام ورقة العنصرية وإذا أطلق برامج إصلاح اقتصادي عبر زيادة الضرائب؛ فإن الشعلة الترامبية ستعود على يد الشباب المحافظ الجمهوري الذي يمثله السيناتور جوش هاوشيه النجم الصاعد في الحزب.

 لقد كان من اللافت أن تكتب مجلة «تايم» في افتتاحيتها في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني المنصرم: «حتى لو فاز جو بايدن فإنه سيحكم في جمهورية دونالد ترامب».

التقييمات
0

عن الكاتب

دكتوراه دولة في العلوم السياسية وشغل استاذاً للعلاقات الدولية والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ومشرفاً على اطروحات الدكتوراه ايضاً .. أستاذ زائر في جامعات عربية وفرنسية.. صاحب مؤلفات ودراسات في الشؤون الدولية باللغتين العربية والفرنسية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y58mb6gx