عادي

«عقد سياسي جديد» في العراق

23:29 مساء
قراءة 4 دقائق
1

د. محمد فراج أبو النور *

..«نحن بحاجة إلى عقد سياسي جديد يؤسس لدولة ذات سيادة كاملة».. جملة مكثفة وغنية بالدلالات.. تكررت أكثر من مرة بالألفاظ نفسها تقريباً، في خطاب الرئيس العراقي، برهم صالح، لتهنئة شعب بلاده بالعام الجديد (2021).. وفسّرها بأن النظام السياسي القائم في البلاد قد دفعها إلى أزمات، وتحديات، وآلام، ومنزلقات خطيرة، وأكد «حجم وحقيقة الخلل البنيوي في النظام القائم، وطريقته الحكم»، بما جعل هذا النظام غير قادر على خدمة المواطن.

قال الرئيس العراقي أيضاً، إن ذلك «يستوجب الإقرار بأن منظومة الحكم التي تأسست بعد عام 2003 قد تعرضت لتصدع كبير، ولا يمكن أن تخدم المواطن الذي بات محروماً من أهم حقوقه المشروعة».

ومضى الرئيس برهم صالح في توضيح الضريبة الفادحة التي دفعها المواطنون العراقيون ثمناً للصراعات بين القوى السياسية، وإخفاقات هذه القوى، والفساد المستشري في المجتمع إلى حد التلاعب بالقوت اليومي للموطن، مؤكداً أن هذا كله يستدعي مراجعة صريحة للسياسات، وأن تكون هناك قرارات إصلاحية، وأولوية لدعم الطبقات الفقيرة ضمن حزمة إجراءات فاعلة وسريعة، ومواصلة الحرب على الفساد، والمفسدين.

 ثم ينتقل الرئيس العراقي إلى القضايا (الأكثر حساسية)، فيتحدث عن ضرورة فرض القانون وسيادة الدولة «وترسيخ مرجعيتها، وحصر السلاح بيدها»، في إشارة موجزة، لكنها واضحة تماماً إلى الميليشيات المسلحة التي تعبث بالعراق فساداً، ليصل بعد ذلك إلى ضرورة «إبعاد العراق عن سياسة المحاور والتخندقات الدولية»، في إشارة واضحة أيضاً إلى ضرورة ألا يكون العراق مسرحاً للصراع بين إيران، وأمريكا، وإلى أهمية استقلاله عن نفوذ البلدين.

ويتحدث الرئيس صالح عن الاستحقاقات المصيرية التي ينتظرها العراق في سياق الإجراءات الإصلاحية، وفي مقدمتها الانتخابات المبكرة التي يجب أن تكون نزيهة، وبعيدة عن التلاعب، والتزوير، والضغوط.

 برنامج الانتفاضة الشعبية

 وتنبع أهمية خطاب الرئيس برهم صالح من أنه يقدم صياغة واضحة لأهم مطالب الانتفاضة الشعبية الهائلة التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2019 (انتفاضة أكتوبر)، التي شارك فيها ملايين العراقيين في وسط البلاد، وجنوبها.. من بغداد إلى البصرة.. وتميزت بطابعها الجماهيري الحاشد، وطابعها العابر للطوائف. وأعلنت بوضوح عداءها للنفوذ الإيراني، والوجود العسكري الأمريكي، على السواء. وطالبت الجماهير المنتفضة بالقضاء على الفساد، والمفسدين، وبحصر السلاح في يد الدولة، كما رفضت أن يتولى رئاسة الحكومة، أو أي منصب رسمي، أي من رموز الحكم الفاسدين.. ونجحت في إسقاط أكثر من ترشيح من بين هؤلاء، حتى انتهى الأمر بتولي مصطفى الكاظمي – رئيس المخابرات السابق – رئاسة الحكومة.. وهو رجل معروف بكفاءته، ونظافة يده. ولذلك يتحدث الخطاب عن «تصدع» هذا النظام، وعدم قدرته على خدمة الشعب العراقي، أو ما نسميه  «إفلاس» نظام ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003.. ومن هنا يستخلص الرئيس العراقي تعبيره البليغ عن «الحاجة إلى عقد سياسي جديد». 

 حكومة الكاظمي

 والحقيقة أن خطاب الرئيس العراقي لا يعبر عن توجهات (انتفاضة أكتوبر)، واتجاهات آخذة في التبلور داخل النخبة العراقية فحسب، بل إنه يعبر أيضاً عن التوجهات الرئيسية لسياسة حكومة مصطفى الكاظمي التي يمكن اعتبارها وليدة للانتفاضة الشعبية.  وإذا كان الرئيس صالح اضطر لاستخدام تعبيرات دبلوماسية، بحكم منصبه الرفيع، ودوره الخاص في النظام السياسي من قبيل «البعد عن سياسة المحاور والتخندقات الدولية»، فإن الحكومة قد وجدت نفسها منذ وقت مبكر طرفاً في صراعات سياسية حادة مع الأحزاب والميليشيات الطائفية بسبب انخراط هذه الأخيرة كوكيل عن إيران في الصراع بينها وبين الولايات المتحدة على الأراضي العراقي، وتورطها في قصف المعسكرات والسفارة والمصالح الأمريكية، بما يمثل إحراجاً للدولة العراقية، وانتهاكاً لسيادتها، وكذلك بسبب إصرار هذه الميليشيات عموماً، على الاحتفاظ بالسلاح خارج سلطة الدولة.

 من ناحية أخرى، فإن مكافحة الفساد وبسط سيطرة الدولة على المنافذ البرية والبحرية، قد أدت إلى أكثر من صدام مع هذه الميليشيات التي تجبي من المنافذ الحدودية وحدها رسوماً جمركية تزيد على (6 مليارات) دولار سنوياً. فضلاً عن المشروعات والمصالح الاقتصادية الكبرى التي تسيطر عليها الميليشيات، وهو وضع كان لابد أن يؤدي إلى توتر أمنى شديد، من المتوقع أن يتزايد، لأن عملية استرداد سيطرة الدولة على هذه المرافق لا تزال في بدايتها، هي وعملية مكافحة الفساد في أجهزة الدولة.

 وتوجه حكومة الكاظمي إلى إقامة علاقات متوازية مع محيطها الإقليمي (العربي)، خاصة مع مصر، والسعودية، والأردن، أثار هو الآخر حفيظة الأحزاب والميليشيات، بالرغم مما يحققه من نفع متبادل، ومصالح بالغة الأهمية للعراق « بعيداً عن سياسة المحاور والتخندق الدولي».

 موقف مقتدى الصدر وأهميته

 الزعيم الشاب مقتدى الصدر، هو الآخر، أعلن مواقف مؤيدة لتوجهات حكومة الكاظمي، بما في ذلك دعوة كل من أمريك، وإيران، لعدم التدخل في شؤون العراق، أو تحويله لمسرح للمواجهة بينهما.

 والصدر هو زعيم أكبر اتجاه سياسي، واكبر كتلة برلمانية (سائرون – 54 مقعدا)، وهو ينحدر من أسرة ذات اتجاه عروبي، كما أن المرجعية الشيعية في العراق معروفة بمنافستها لمرجعية (قم).. ولا تؤمن بمبدأ ولاية الفقيه. وفي ضوء ذلك كله يمكن الحديث عن اصطفاف سياسي جديد يتجه للتبلور في العراق يعبر عنه شعار«عقد سياسي جديد».

* كاتب مصري

قيَم هذا المقال
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3errqu5