عادي

العراق.. «حرب الكاتيوشا»

00:26 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

د. محمد فراج أبو النور *

الصراع الأمريكي – الإيراني على النفوذ في العراق لا يفتأ يشعل أجواء التوتر السياسي والأمني في البلاد وتمتد انعكاساته إلى مختلف أوجه الحياة الاجتماعية. غير أن الانعكاسات المباشرة لهذا الصراع ظلت بعيدة عن قلب المنطقة الكردية ومدنها الكبرى، واقتصرت على أطرافها المتداخلة مع المناطق العربية في الفترة التي شهد فيها العراق محاولة مسعود برزاني الانفصالية عام 2017.

جاء الهجوم الصاروخي على قاعدة «التحالف الدولي» في مطار أربيل، وبعض المناطق السكنية القريبة منها (15 فبراير الجاري) مفاجئاً للمراقبين، ولسلطات كردستان العراق؛ حيث كانت المنطقة، وخاصة مدنها الكبرى، تنعم بقدر واضح من الهدوء والاستقرار، وتبدو بعيدة عن «حرب الكاتيوشا» التي تشنها الميليشيات الموالية لإيران على القواعد الأمريكية في بقية أنحاء البلاد، وعلى المنطقة الخضراء في قلب بغداد؛ حيث توجد السفارة الأمريكية.. حتى أن واشنطن كانت تهدد بنقل سفارتها في العراق إلى أربيل، إذا لم تتوقف الهجمات الصاروخية عليها وعلى محيطها.
الهجوم حمل بصمات الميليشيات الموالية لإيران، وأعلنت مسؤوليتها عنه منظمة اسمها «سرايا أولياء الدم» لم يسمع أحد باسمها من قبل.. ولكن هذا ليس مهماً، لأن الاسم يمكن أن يكون وهمياً، بينما تكون قد قامت بالهجوم إحدى الميليشيات المتطرفة المعروفة مثل «كتائب حزب الله» أو عصائب أهل الحق «أو أي منظمة متطرفة أخرى، وعلى أي حال فقد سارعت طهران إلى نفي أية علاقة لها بهذا الهجوم.
السلاح المنفلت
معروف أن «حرب الكاتيوشا» قد استقرت في العراق بصفة خاصة منذ بداية العام الماضي، انتقاماً لاغتيال القوات الأمريكية لقائد سرايا القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليمان ونائب رئيس الحشد الشعبي العرافي أبو مهدي المهندس. وشمل القصف المتكرر القواعد الأمريكية في المناطق الوسطى والجنوبية والغربية من البلاد، فضلاً عن المنطقة الخضراء والسفارة الأمريكية، وفي مقدمة هذه القواعد قاعدة «عين الأسد» الأمر الذي أجبر القوات الأمريكية على إخلاء نحو عشر قواعد. كما اتخذ البرلمان العراقي بغالبية أحزابه قراراً يطالب الحكومة بوضع جدول زمني للانسحاب الأمريكي العاجل من البلاد.
غير أنه من الضروري القول أن «حرب الكاتيوشا» لم تكن الشكل الوحيد لعنف الميليشيات.. كما أن هذا العنف لم يرتبط بالانتقام لسليماني والمهندس فحسب، وإنما جاء – ويستمر – في سياق السعي إلى ترسيخ نفوذ إيران والأحزاب والميليشيات الموالية لها. وفي هذا السياق بالذات جاء قمع انتفاضة أكتوبر (2019) التي سقط خلالها مئات الشهداء سواء في التظاهرات أو عمليات الاغتيال المنفردة.. علماً بأن الميليشيات تمتلك أسلحة متوسطة وثقيلة منذ الغزو الأمريكي عام 2003، مما يجعل منها جيشاً موازياً للجيش العراقي وقوات الأمن، ويتيح لها السيطرة على كثير من المرافق والمنافذ البرية والبحرية.. ثم جاء الدور الذي لعبته في قتال «داعش» ليعزز هذه الأوضاع غير الطبيعية، وليؤكد ما يسميه السياسيون والمحللون بوضع «اللادولة»..
وحينما تقرر وضع ميليشيات الحشد الشعبي تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الحكومة) فإن هذا لم يحل مشكلة الولاء.. وأصبحت الميليشيات تستفيد من الوضع الجديد في نهب موارد الدولة لصالح تشكيلاتها الخاصة، وتتبادل الدعم مع الأحزاب السياسية المرتبطة بها، ونتج عن هذه الأوضاع الشاذة حالة انفلات أمني شامل تعوق بناء مؤسسات الدولة بما فيها الجيش، فضلاً عن فساد مؤسسي متجذر، ونهب واسع النطاق لموارد البلاد.
عودة «داعش» 
وقد استفادت فلول «داعش» من هذه الأوضاع الأمنية المتردية لتعيد تنظيم صفوفها، في محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالي وغيرها.. وتبدأ في شن هجماتها التي وصلت مؤخراً إلى ضواحي بغداد، ثم إلى قلبها (تفجير ميدان الطيران الانتحاري المزدوج الذي راح ضحيته أكثر من ثلاثين قتيلاً – يناير 2021).. ولم تنجح جهود الحكومة حتى الآن في وضع حد لنشاط «داعش» بسبب الحالة غير الكفؤة لقوات الجيش ومكافحة الإرهاب.
حكومة الكاظمي.. والتحديات 
تولى مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة في (مايو 2020) وهو رئيس سابق لجهاز المخابرات، ومن خارج دائرة الأحزاب السياسية، وكان أمامه ثلاث مهام رئيسية: حصر السلاح بين الدولة.. وإجراء الانتخابات المبكرة.. وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
لكنه لم يستطع أن يحكم قبضته على (الحشد الشعبي).. كما رأينا في استعار «حرب الكاتيوشا»، أما بخصوص إجراء الانتخابات المبكرة (كان مقرراً لها 6 يونيو 2021) فقد واجه الكاظمي مناورات الأحزاب الطائفية في البرلمان ومماطلتها في إقرار قانون الانتخابات الجديد، والاتفاق على الترتيبات الفنية واللوجستية الضرورية كضمان نزاهة الانتخابات، وترتب على ذلك تأجيل الانتخابات إلى (10 أكتوبر 2021)!! وأما بخصوص الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فإنها لم تشهد تحسناً يذكر، واضطرت الحكومة للحصول على قرض خارجي لدفع مرتبات الموظفين المتأخرة.
وقد حقق الكاظمي، إنجازاً مهماً بنجاحه في إقامة علاقات متوازنة بمحيط العراق الإقليمي (العربي)، وخاصة مع مصر والسعودية والأردن، وهو إنجاز حقق فوائد أساسية للعراق، غير أن الموالين لإيران يعتبرونه تنازلاً.
ويؤدي بنا هذا كله إلى (رسائل هجوم أربيل) وأولها: أنه إذا كان (الغزل الخشن) قد بدا بين إدارة بايدن وإيران بخصوص عودة المفاوضات حول البرنامج النووي، فإن إيران (لا تعود من موقف ضعف)، ولن تقدم تنازلات في العراق؛ بل أن أنصارها قادرون على ضرب قواعد «التحالف» في كردستان .. وربما ضرب السفارة الأمريكية بغرض انتقالها إلى أربيل.
وثانيها: محاولة إثبات ضعف الحكومة وعجزها عن حصر السلاح في يدها؛ بل أن الميليشيات قادرة على نقل الفوضى إلى كردستان أيضاً.
وثالثهما: خلق مناخ أمني مضطرب، بما يمكن أن يؤدي إلى تأجيل الانتخابات للمرة الثانية، وربما لموعدها الأصلي.
ورابعهما: أن الميليشيات مصممة على تنفيذ قرار البرلمان بطرد القوات الأمريكية في أسرع وقت انتقاماً لسليماني والمهندس.
وقد كانت أولى نتائج الهجوم هي زيادة قوات «الناتو» في العراق من (500) إلى (4 آلاف) كمستشارين ومدربين للقوات العراقية ضد إرهاب «داعش».. ثم إن إصرار الميليشيات على التصعيد يمكن أن يؤدي إلى مواجهة مفروضة ليس بعينها وبين القوات العراقية وحدها؛ بل وقوات «الناتو» و«التحالف» أيضاً.. كنتيجة لسياسة «حافة الهاوية» تلك.
* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"