عادي

ليبيا.. عقبات في مسار الحل السياسي

00:24 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

د. أحمد سيد أحمد *

دخلت ليبيا مساراً جديداً مع تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في الخامس من فبراير/شباط الحالي، وتضمنت تعيين عبد الحميد الدبيبة رئيساً للوزراء، ومحمد المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الله اللافي وموسى الكوني نائبين له، بعد مخاض استمر لفترات طويلة؛ حيث قام ملتقى الحوار السياسي الليبي باختيار قائمة المنفى، لتبدأ السلطة الجديدة مرحلة من العمل المهم في إطار الهدف الأساسي؛ وهو تهيئة المناخ أمام إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

تشكيل الحكومة الجديدة سبقها في العديد من التطورات الإيجابية في مسار الأزمة الليبية؛ أبرزها على المسار العسكري، وانطلاق اجتماعات (خمسة زائد خمسة) التي تضم عسكريين من الجيش الوطني الليبي، ومن حكومة شرق ليبيا، وأفضت إلى تثبيت الهدنة، والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق في 24 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ما أسهم في تبريد سخونة الصراع الليبي، وتوقف القتال، وتغليب لغة الحوار على لغة المدافع، بعد أن أدرك الجميع استحالة الحسم العسكري، وأن استمرار القتال أدى إلى خسارة الجميع، وأنه لا مفر من الحل السياسي؛ لذلك انطلقت أعمال الحوار بين الفرقاء الليبيين سواء على المستوى البرلماني كما حدث في أبو زنيقة المغربية أو على المسار الدستوري كما حدث في مدينة الغردقة المصرية أو على المسار السياسي في ملتقى الحوار الليبي، وأدت تلك التطورات الإيجابية إلى الانتقال خطوة إلى الأمام في مسار الأزمة مع تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة، وقيام الدبيبة بتشكيل الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية.
 لكن رغم هذه التطورات الإيجابية فإن هناك تحديات وعقبات عدة تقف في مسار الحل السياسي في ليبيا، ويمكن أن تهدد هذا المسار وتعيقه عن التقدم إذا ما لم يتم التعامل معها بحكمة، ويتم تجاوز تلك العقبات.
 تحديات سياسية
 أول التحديات السياسية؛ هو تشكيل الحكومة الجديدة والتصديق عليها، فقد أعلن رئيس الوزراء الدبيبة أن اختيار الوزراء سيكون وفقاً لمعايير الكفاءة والموضوعية، وأن يكون الوزير قادراً على العمل في كل أنحاء ليبيا، كما أنها ستكون حكومة جامعة لكل الليبيين، وتمثل كل أطياف العمل السياسي والمناطق الليبية، إضافة إلى تخصيص 25% من الحقائب للمرأة؛ لكن هنا يبرز تحدٍ في كيفية الاتفاق والتوافق على اختيار الوزراء في ظل وجود تنازع حول تمثيل الحكومة لكافة مناطق ليبيا في ظل شكوى بعض المدن والمناطق من التهميش، كما أنه في ظل حالة الانقسام التي استمرت لسنوات عدة، فإن اختيار مرشح لعضوية الحكومة؛ يتطلب حالة من التوافق والقبول في ظل رفض قطاعات عدة من الشعب الليبي لأسماء سابقة اعتبروا أنها تعد جزءاً من المشكلة، إضافة إلى انتشار الفساد، وضعف أدائها المهني على الأرض. كما أن التصديق على الحكومة يتطلب موافقة البرلمان الليبي وهو أمر يواجه بعقبات في ظل انقسام البرلمان في الشرق والغرب، كذلك صعوبة تجميع كافة النواب في سرت، وتأمين هذا الاجتماع؛ لمنح الثقة للحكومة، وعلى الرغم من زيارة محمد المنفي لشرق ليبيا، ولقائه بعقيلة صالح رئيس البرلمان في طبرق، والاتفاق على خطوات عملية منح الثقة، فإنه إذا فشل البرلمان في ذلك فإن ملتقى الحوار السياسي يقوم بالتصديق على الحكومة، وهو أمر يواجه بمعارضة كبيرة من جانب البعض، باعتباره انتقاصاً من اختصاص البرلمان.
التحدي السياسي الأكبر أمام الحكومة هو كيفية الإعداد لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في أقل من عام، وهو أمر يتطلب تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، وترميم جروح الانقسام والحرب الممتدة منذ سنوات، وهذا يستوجب مجهوداً كبيراً ووقتاً طويلاً، كما يتطلب أيضاً إنشاء مفوضية الانتخابات المستقلة، والاتفاق على معايير إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقبل كل ذلك كتابة الدستور الجديد الذي يرسم ويحدد ملامح وشكل النظام السياسي المستقبلي في ليبيا، وإجراء الانتخابات وفقاً لتلك القواعد الدستورية، التي تسعى اللجنة الدستورية للعمل عليها؛ وهو أمر يستغرق وقتاً طويلاً لإجراء النقاشات المجتمعية والحوار في مختلف مناطق ليبيا؛ للاتفاق على دستور موحد للبلاد.
 صعوبات اقتصادية
 تواجه حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي تحديات اقتصادية كبيرة؛ نظراً لتدهور الأوضاع الاقتصادية في كافة أنحاء ليبيا، نتيجة للحرب والصراع وتوقف صادرات النفط الليبي، وهو ما انعكس في الاحتجاجات العاصفة التي شهدتها مدن غرب وشرق ليبيا العام الماضي ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الخدمات الأساسية وانتشار الفقر والبطالة والتهميش، وعلى الرغم من استئناف صادرات النفط الليبي فإن غياب إجراءات سريعة لتحسين الأوضاع الاقتصادية من شأنه أن يؤثر سلباً في مسار الحل السياسي، وعلى الرغم من الإجراءات المتبعة حالياً لتوحيد المؤسسات الليبية خاصة البنك المركزي وإقرار ميزانية موحدة للبلاد فإنها تواجه أيضاً بعقبات كثيرة في ظل الازدواجية في تلك المؤسسات ما بين الشرق والغرب.
 ألغام أمنية 
 تمثل التحديات الأمنية أكبر العقبات أمام الحكومة الجديدة ومسار الحل السياسي، وأبرزها نزع أسلحة الميليشيات المسلحة المنتشرة في مدن البلاد، خاصة في غرب ليبيا، وإدماجها في الجيش الوطني الليبي، وهذا الملف الشائك يمثل لغماً كبيراً أمام تهيئة الأرضية لتقدم الحل السياسي وتنفيذ بنود خريطة الطريق وإجراء الانتخابات؛ لأن استمرارها يمثل اتجاهاً معاكساً لبناء دولة موحدة ومؤسسات أمنية موحدة، كما أنها تسعى إلى فرض منطقها وفرض نفوذها خاصة في تشكيل الحكومة الجديدة. والتحدي الأمني الثاني هو التدخل الأجنبي وقوات المرتزقة والميليشيات التي يتجاوز عددها 20 ألف مقاتل.
 المصالحة الوطنية أولاً
في الوقع إنه لا يمكن للحكومة الليبية الجديدة أن تتغلب على تلك العقبات أمام الحل السياسي من دون تحقيق المصالحة الوطنية الليبية أولاً كشرط ضروري للانطلاق على كافة المسارات السياسية والقانونية والبرلمانية والاقتصادية، وهو أمر يمثل أهمية كبيرة لتأكيد اتفاق الليبيين على وحدة بلدهم، والتقدم للأمام ورفض التدخلات الخارجية، وهو ما يتطلب وجود إرادة حقيقة لدى الفرقاء الليبيين في الغرب والشرق؛ لإعلاء مصلحة بلدهم على أية اعتبارات أخرى.

* خبير العلاقات الدولية في «الأهرام»

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"