بيروت - «الخليج»:
الأزمة المالية الخانقة، التي يمر بها لبنان، لم تنبت فجأة ولم تخلق من العدم، بل هي تراكم سنوات من الهدر والفساد والتخبط وانعدام التخطيط والرؤية، وإيثار الريعية على الإنتاجية، على حد ما يجمع عليه كل الخبراء والمراقبين الاقتصاديين والماليين، الذين يؤكدون أيضاً أن تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية كان يتم بصورة مصطنعة، فيما بدا أن سياسة الفوائد المرتفعة على الودائع في المصارف كانت أشبه بلحس المبرد. وأمام هذا الوضع، يمرّ لبنان بساعات حاسمة تسبق لقاء آخر بين رئيس الجمهورية ميشال عون والمكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري الاثنين لمعرفة إلى أين تتجه البوصلة في ظل الانهيار المالي والاقتصادي.
صورة معقدة
ثمة أسباب رئيسية تلخص مشهد الانهيار المالي في لبنان يأتي في مقدمها الفساد المتمادي في النخب السياسية والمالية والطائفية، فضلاً عن تفاقم الدين العام والعجز عن استمرار وتيرة الحياة الاقتصادية كما هي، في ظل انحسار المداخيل، والدعم العشوائي للسلع، إضافة إلى العقوبات الغربية على لبنان، وتوقف المساعدات العربية اعتراضاً على سلوك «حزب الله» ودوره، وقانون «قيصر» الأمريكي ضد سوريا هي عوامل كانت لها تداعيات كبيرة على لبنان، وهي التي شكلت أسباب انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، التي لم تعمر طويلاً في مشهديتها الجامعة، بعد أن دخلت في زواريب السياسة الضيقة ودهاليزها. وما زاد الطين بلة عدم سداد لبنان سندات «اليوروبوند»، ما هز صدقيته أمام الهيئات المالية الدولية. ثم جاءت استقالة حكومة حسان دياب، بعد تفجير مرفأ بيروت الكارثي، لتزيد الصورة تعقيداً، وهو ما يعني أن أي حكومة ستأتي اليوم في لبنان سيتعين عليها مواجهة تحديات في غاية الصعوبة.
وفق متابعين ماليين واقتصاديين فإن الليرة اللبنانية فقدت نحو 90 في المئة من قيمتها، ويعيش أكثر من نصف اللبنانيين، وفق الأمم المتحدة، تحت خط الفقر أي على أقل من 3 إلى 4 دولارات في اليوم الواحد. كما ارتفعت نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع إلى 23 في المئة، وبلغ معدل البطالة نهاية العام 2020 نحو 40 في المئة من سكان لبنان، وبلغ الدين العام حوالي 96 مليار دولار، أي ما يعادل 172 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي وفق صندوق النقد الدولي. ويدلل المتابعون على شدة الأزمة الاقتصادية في لبنان بتراجع احتياطي المصرف المركزي المخصص للإنفاق على دعم السلع المستوردة كالوقود القمح والأدوية بشكل كبير جداً، وبتراجع التحويلات من الخارج بقوة. ويلفت المراقبون إلى المشاكل الكبيرة التي تزيد من الواقع الاقتصادي المزري، يفاقمه وجود مليون ونصف مليون نازح سوري في لبنان، فضلاً عن وجود 500 ألف لاجئ فلسطيني.
الليرة.. والصندوق
ما يحدث مع سعر صرف الليرة اللبنانية هو تدهور خطِر ينذر بالاقتراب من الانهيار الكامل، وفق ما يجمع عليه الخبراء الاقتصاديون، ويعتبرون التراجع الكبير في سعر الصرف تراجعاً اقتصادياً وسياسياً بعدما فشلت السلطات السياسية والاقتصادية والنقدية في إدارة شؤون البلاد، وسرقت أموال الناس من الخزينة العامة ومن المصارف. وبفعل تطور الأزمة، تجلى أن انهيار سعر الصرف لليرة لم يعد اقتصادياً بحتاً، بل أصبح سياسياً بامتياز، إذ تخطى في الآونة الأخيرة بوضوح المنطق الاقتصادي، وصار في خانة اللعبة السياسية بين أطراف السلطة. فحالة الفراغ الحكومي تزيد الأمور تعقيداً؛ ولذلك أصبح تشكيل حكومة جديدة سريعاً بدلاً من حكومة تصريف الأعمال ضرورة ملحة، للقيام بخطوات إصلاح مطلوبة بقوة، ومن ضمنها التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهي مفاوضات لن تكون سهلة، فأول ما سيطالب به الصندوق هو تحرير سعر صرف الليرة وعدم دعمها، (وهذا ما تحقق بفعل ضغط الأحداث والتطورات؛ إذ انهار سعر صرف الليرة أمام الدولار، فبلغ بعد سنة من هذا الانهيار عشرة أضعاف سعره قبلها)، ورفع الدعم كلياً عن دعم السلع الغذائية والمواد الحياتية الاستراتيجية، وتصغير حجم القطاع العام بإلغاء عشرات آلاف الوظائف، وهذا ما يعني أن هذا الصندوق، وفي انتظار أن تؤتي سياساته المالية والاقتصادية أكلها، سوف يثبت إفقار اللبنانيين الذين سيرزحون تحت هذه القيود في بلد يستورد حاجياته الغذائية، الطبية والدوائية، والمحروقات، وحتى الزراعية في ظل رواتب هزيلة. وبالمحصلة فإن المشهد سوداوي للواقع الاقتصادي، والوضع المالي في لبنان، ولن تستوي حلوله من دون أن تكون هناك خطة واضحة ومدروسة تتولى إدارتها سلطة متماسكة، قادرة على اتخاذ موقف حاسم تتحمل مسؤوليته بكل جرأة وفاعلية.
هل من بارقة أمل؟
ألف باء الحل يكون بتشكيل حكومة قادرة على التصدي للتحديات الكبيرة، وهذا هو بيت القصيد، فهل تُزال العقبات، وتتقدم الحسابات الوطنية على الحسابات السياسية والمذهبية الضيقة، أو نبقى ضمن الحلقة المفرغة الجهنمية؟ هل يبقى لبنان مفتوحاً على الشلل القاتل؟.
من علامات التأزم السياسي العميق في لبنان، حتى الآن، عجز المسؤولين فيه عن إنتاج حكومة جديدة تخرجه من قعر القعر، والاكتفاء بتبادل الاتهامات، والسعي إلى تسجيل النقاط في مرمى هذا الطرف أو ذاك. وما زال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه يتهم رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري باحتجاز التكليف في جيبه. كما يرى فريق الرئيس أن نقطة البداية والختام في قصر بعبدا، وأن عون هو الذي سيوقع مرسوم تشكيل الحكومة، مما يعني أن الشراكة في ولادتها هي تحصيل حاصل، وحق دستوري.
أما فريق رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، فيرد التهمة عنه، ويقول إن المفاوض الفعلي، ولو من وراء الستارة، للتشكيل هو صهر رئيس الجمهورية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي يصر على الثلث المعطل سواء في صيغة ال18 أو ال 20 وزيراً، وهذا ما لا يقبل به «التيار الأزرق» وحلفاؤه؛ لأن على عاتق الحكومة المنتظرة إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية والمالية، وإجراء الانتخابات البلدية والنيابية، وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية، إضافة إلى إجراءات وتدابير قد تكون جراحية ومؤلمة لحصر الخسائر، ووضع الخطط الآيلة إلى إنقاذ الوضع. وبالتالي، فإن حصول أي طرف على الثلث الضامن أو المعطل، يعني أنه يضع الحكومة تحت رحمته.
ومما لا شك فيه أن الكلام الذي قيل هو كلام سياسي؛ إذ لا يمنع التراشق المباشر بين هاتين المرجعيتين أن يبادر رئيس الحكومة من زيارة قصر بعبدا وتقديم التشكيلة التي يقترح، من دون إفساح المجال لسواه كي يأخذ مكانه، وهو الحريص على العودة إلى السراي الحكومي. كما أن امتناع رئيس الجمهورية عن توقيع الصيغة التي سيقدمها له الحريري لا يعني أنه سيتنحى، فإذا كان الدستور اللبناني لا يحدد مهلة زمنية للتكليف والتشكيل، فإنه لا نص في هذا الدستور يلزم رئيس الجمهورية بالتنحي في حال عدم توقيعه والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. بالخلاصة لا مفر من حكومة.. وفي أي حال فإن الانتظار هذه المرة لن يطول، وإن الاثنين لناظره قريب!!.