يتعرض أي شخص للعديد من الأمراض على مدى حياته، والتي تختلف من حيث الشدة والأعراض، بداية من نزلات البرد والزكام، وانتهاء بالأورام الخبيثة.

ويعاني من يصاب بهذه الأمراض العديد من الأعراض، ويلجأ إلى المختصين من الأطباء لتشخيص حالته، ومن ثم وصف الدواء الذي يتناسب مع حالته بهدف الشفاء مما يعانيه، إلا أن هناك من يدعي مرضاً ليس مصاباً به.

تعرف هذه الحالة بالاضطراب المفتعل، أو متلازمة مانشهاوزن، أو اصطناع المرض لجذب تعاطف المحيطين به، وتصنف على أنها أحد الاضطرابات العقلية، وفيها يدّعي المصاب كذباً أنه مريض، أو ربما تعمد جعل نفسه مريضاً.

كسب التعاطف

يظهر هذا الاضطراب في الأغلب لدى الشباب، ويعد نوعاً من إيذاء النفس، ومن الممكن أن يكون المصاب مقتنعاً للغاية بالمرض الذي يدعيه، حتى إن الأطباء يصفون له الدواء، وربما خضع لعملية جراحية كذلك.

ويعد هذا الاضطراب حالة نفسية سلوكية مصطنعة، والهدف منها ليس الحصول على مكسب مادي، أو التهرب من أداء عمل، أو وظيفة، وإنما يهدف المصاب إلى الحصول على التعاطف.

ويدرك المصاب بهذا الاضطراب أنه يفتعل أعراض المرض، وبالرغم من ذلك فإنه لا يعي سبب ما يقوم به من تصرفات.

وترجع تسمية هذا الاضطراب بمتلازمة مانشهاوزن إلى ارستقراطي الماني كان مشهوراً بقصصه المبالغ فيها حول أعمال بطولية مستحيلة خلال فترة الحرب.

يدعي الإصابة

يتعمد المصاب بالاضطراب المفتعل أن يدعي إصابته بمرض ما، أو أن يبالغ في وصف ما يعانيه من أعراض، ويلجأ أحياناً إلى أن يؤذي نفسه حتى يحدث بعض الأعراض، أو أن يغير في نتيجة التشخيص، كأن يلوث عيّنة البول.

ويمكن أن يلجأ لبعض التصرفات التي يدعي من خلالها أنه مريض، كأن يتظاهر بأعراض نفسية، كأن يدعي سماع أصوات أو رؤية أشياء ليست موجودة. ويتظاهر بأعراض جسدية كوجع في المعدة، أو ألم في الصدر، وربما وصل الحال ببعض المصابين إلى إيذاء أنفسهم عمداً.

ويلاحظ أن هذا الاضطراب يكون أكثر فيمن لديهم خبرة في التمريض، والخدمات الصحية، بخاصة الإناث، وغالباً، فإن الأعراض المفتعلة تعتمد على تاريخ المراجع الشخصي.

وسجلت بعض الإحصاءات عدداً من هذه الحالات، فمثلاً شكت ممرضة في قسم الأمراض البولية من احتباس في البول، وأخرى كانت تعمل في قسم الكسور شكت من اعوجاج المفاصل، وتزيد ملاحظة الأعراض النفسية في الذكور، والتي تدور في الأغلب حول الهلاوس السمعية والبصرية.

غير مترابطة

تشمل العلامات التي تدل على الإصابة بهذا الاضطراب وجود تاريخ من الأمراض ليست مترابطة، وتكون الأعراض التي يشكو منها غير واضحة، بل تزداد حدة مع بدء تلقي العلاج.

ويشعر المصاب بالأعراض عندما يكون بمفرده، كما أنه بعد ظهور سلبية الاختبارات التي يجريها فإن هناك أعراضاً جديدة يبدأ بالشكوى منها.

وتنتكس حالته مرة أخرى بعد أن يظهر عليه التحسن، ويشعر المصاب بالراحة أكثر عندما يتواجد في المستشفى، ولذلك فإن له معرفة كبيرة بالمستشفيات.

ويرغب في إجراء فحوص جديدة كل فترة، وأحياناً يصل الأمر إلى الرغبة في إجراء عمليات جراحية، ولذلك فإن جسمه يحتوي على الكثير من الندوب الجراحية.

مضاعفات

يتسبب هذا الاضطراب المفتعل بحدوث كثير من المضاعفات الخطيرة، ومن ذلك مضاعفات الإجراءات الطبية، أو العمليات غير الضرورية.

يوفقد الشخص ثقته بنفسه، ويقل احترامه لذاته، كما أنه لا يرغب في أن يتحدث أحد من أفراد العائلة أو الأصدقاء إلى أطبائه.

ويتعرض لكثير من المشكلات، سواء في عمله، أو حياته اليومية، ويعاني من آثار جانبية خطيرة، بسبب تناول جرعات زائدة من الأدوية، وفي بعض الحالات يصل الأمر إلى إدمان المخدرات، أو المواد الكحولية.

ويمكن أن يتعرض المصاب بهذا الاضطراب للإصابة ببعض الأمراض الخطيرة، وفي كثر من الحالات يصاب ببعض المضاعفات، نتيجة تلقي علاج خاطئ، وربما تسبب له في الوفاة.

السبب مجهول

يجهل العلماء سبب الإصابة بالاضطراب المفتعل، إلا أن هناك دراسات عدة ربطت بين العوامل البيولوجية والنفسية في تطور المرض.

وتشير هذه الدراسات إلى أن تعرض الطفل في مراحل حياته الأولى للإهمال وسوء المعاملة من الممكن أن يكون سبباً في تطور هذه الحالة.

وتعزو كذلك هذا الأمر إلى بقائه فترات طويلة في المستشفى نتيجة الإصابة ببعض الأمراض الخطيرة، أو تعرضه لصدمة عاطفية في الطفولة بسبب المعاملة القاسية، أو إهمال الأهل.

ويمكن أن يكون السبب أيضاً أن يفقد المصاب أحد أفراد العائلة بسبب الموت أو المرض، كما أن العاملين في المجال عرضة للإصابة بسبب معرفتهم كثيراً من الأعراض.

وتتسبب بعض الاضطرابات الشخصية بهذه الحالة، ومنها اضطراب الشخصية النرجسية والشخصية الحدية والشخصية المعادية للمجتمع.

تحدّ صعب

يعد تشخيص حالة الاضطراب المفتعل من التحديات الصعبة التي تواجه الأطباء، لأن المصاب في الأغلب سيكون صاحب خبرة ومهارة، وبالتالي يمكنه أن يخدع الطبيب بالأعراض المزورة.

ويقوم باستبعاد أي مرض عضوي أو عقلي قبل تشخيص هذا الاضطراب، وممكن كذلك أن يتم تحويل المصاب لطبيب نفسي لتشخيص حالته.

ويجب توافر بعض المعايير من أجل تشخيص هذه الحالة، والتي وضعتها الجمعية الأمريكية للطب النفسي، وتشمل تزييف الأعراض، سواء جسدية أو نفسية، أو تحفيزها.

ويقدم الشخص نفسه على أنه مريض يحتاج إلى رعاية، كما أنه يمارس الخداع بصورة واسعة، حتى لو غابت أي فائدة أو مكافأة مادية، ويجب أن يستبعد الطبيب أي اضطرابات عقلية يمكن أن تفسر هذا السلوك.

فهم الحالة أولاً

يجد الأطباء صعوبة في علاج المصاب بالاضطراب المفتعل، وذلك نتيجة عزوفه عن طلب المساعدة، كما أن أغلب من يعاني من هذا الاضطراب ينكر أنه يدعي المرض، أو أنه يزيّف الأعراض.

ويعتمد التعافي على فهم الحالة أولاً، ومن ثم تشجيع المصاب على تلقي الرعاية المناسبة له، وتشمل خيارات العلاج المتوفرة العلاج النفسي والعلاج المعرفي السلوكي.

ويساعد العلاج السلوكي المعرفي المصاب على أن يحدد المعتقدات والأنماط السلوكية غير الواقعية، ومن ثم يحوّلها إلى أخرى واقعية.

ويمكن أن يستفيد بعض المصابين من العلاج الأسري، وبخاصة من هم على اتصال وثيق بهذا الإطار، فيناقش المصاب وأفراد الأسرة المقربين حول التأثير الإيجابي الذي من الممكن أن يحدثه بتعافيه من هذا الاضطراب.

التحقق من المشكلة

يقول الباحثون إن على الطبيب المعالج القيام بدور المحقق عند اشتباهه في إصابة أحد بالاضطراب المفتعل، بهدف اليأكد من التوافق بين تاريخه الطبي الفعلي والمزيف، حيث يبحث في سجلاته الطبية.

ويتحقق من أي أدلة على وجود مرض ذاتي، أو هل المصاب يتلاعب بالاختبارات السريرية؟ وعلى سبيل المثال، فإنه يفحص دم المصاب للبحث عن آثار أي عقار يجب ألا يتناوله، وربما كان سبباً في هذه الأعراض.

ينبغي كذلك أن يستبعد أي دوافع ربما كانت سبباً في هذا السلوك، كأن يكون يبحث عن تحقيق مكاسب مادية، أو أنه يتمارض للهروب من مهام العمل، ونحو ذلك.

كما يجب تعليم المقربين منه كيفية تجنب تعزيز ادعاء المرض، وذلك عندما يقوم بادعاء أنه مريض، وعدم إظهار القلق نحو حالته.

وينبغي مراقبة استخدام المصابين بهذا الاضطراب للأدوية بشكل دقيق، وذلك خوفاً من استخدامها بشكل ضار، مع الانتباه إلى أنه لا توجد أدوية لعلاج هذا الاضطراب، ومن الممكن استخدام بعض الأدوية لعلاج الأمراض المصاحبة مثل الاكتئاب والقلق.