البنكرياس غدة طويلة ومسطحة توجد خلف المعدة، ويؤدي وظيفتان رئيسيتان في الجسم، إفراز الأنسولين الذي يساعد على إدارة السكريات واستخدامها، وإنتاج العصارات الغذائية (الإنزيمات) التي تُسهم في عملية الهضم، ولكن في حال نشطت الإنزيمات قبل الأوان، فإنها تبدأ العمل بوصفها عصارات هضمية داخل البنكرياس، ما يُحدث تهيج الخلايا أو تضررها أو تدميرها، وتنتج استجابات من الجهاز المناعي ينجم عنها الالتهاب والتورم وغيرها من الأمور التي تؤثر في آلية هذا العضو الحيوي.
يقول د. محمد عبد الرحيم، استشاري الأمراض الباطنية، إن التهاب البنكرياس يحدث نتيجة استجابة الجسم المناعية الطبيعية عند حدوث إصابة أو تهيج، ويمكن أن يؤدي إلى حدوث تورم في مكان الإصابة وألم وتغيرات في آلية عمل البنكرياس، كما قد يظهر بشكل حاد، أو مزمن طويل الأمد يصعب علاجه.
ويضيف: تختلف الأعراض من شخص إلى آخر، ويعاني أصحاب الحالات الحادة ألماً أعلى البطن قد يتفاقم بعد تناول الطعام ويمتد إلى الظهر أو الكتفين، وكذلك الحمى والقيء والغثيان، وتسارع ضربات القلب، وضيق التنفس.
ويتابع: «يُرافق الإصابة بالتهاب البنكرياس المزمن ألمٌ مستمر أعلى البطن، وفقدان الوزن، والإسهال، وعلامات داء السكري، مثل كثرة العطش والجوع والتبول، ولا تظهر الأعراض على بعض المصابين إلا بعد ظهور مضاعفات المرض».
ويبين د. عبد الرحيم، أن هناك العديد من الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى التهاب البنكرياس الحاد، من بينها انسداد في القناة الصفراوية ناتج عن حصوات المرارة، وارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم، وزيادة معدل الكالسيوم، وتناول أدوية معينة، والإفراط في المشروبات الكحولية والتدخين، والإصابات الناتجة عن التنظير الداخلي أو إصابة جسدية أو جراحة.
ويضيف: «تعد حصوات المرارة السبب الأكثر شيوعاً لالتهاب البنكرياس، إذ يمكن أن تسد القناة البنكرياسية، أو تستهدف الذين خضعوا لإجراءات طبية كفحص المناظير للقنوات الصفراوية والبنكرياس، والمصابين بأمراض المناعة الذاتية، وفي بعض الأحيان، لا يمكن مطلقاً الكشف عن السبب المحدد، وتُعرف هذه الحالة بالتهاب البنكرياس مجهول السبب».
أعراض سريرية
يذكر د. شاجو شاجاهان، استشاري أمراض الجهاز الهضمي، أن التهاب البنكرياس يُشخص عن طريق بعض الدلالات، مثل آلام في البطن تمتد إلى الظهر، مصحوبة بالغثيان والقيء، وارتفاع إنزيمات البنكرياس، والإجراءات التصويرية كالموجات فوق الصوتية، والتصوير المقطعي المحوسب مع حقن مادة التباين، أو التصوير بالرنين المغناطيسي، لتأكيد وتحديد السبب الكامن وراء الإصابة.
ويتابع: «يتم تشخيص التهاب البنكرياس المزمن بناءً على الأعراض السريرية ونتائج التصوير، مثل تكلس البنكرياس، وتوسع القنوات، وضمور الغدد في التصوير المقطعي المحوسب أو تصوير البنكرياس والقنوات الصفراوية بالرنين المغناطيسي».
ويضيف: «يعاني مرضى التهاب البنكرياس المزمن متلازمة الألم المزمن، وسوء التغذية، وقصور البنكرياس الإفرازي، وداء السكري، وتكوّن الأكياس الكاذبة، وانسداد القناة الصفراوية، وزيادة خطر الإصابة بسرطان البنكرياس».
ويشير د. شاجانان إلى أن علاج التهاب البنكرياس الحاد يعتمد بشكل أساسي على الرعاية الداعمة، ويُعد الإنعاش المبكر المكثف بالسوائل الوريدية أمراً بالغ الأهمية، إلى جانب التحكم الكافي في الألم، وتوفير الأكسجين عند الضرورة، والتغذية المعوية المبكرة من العناصر المهمة في التداوي، وضرورة معالجة السبب الكامن وراء المرض بشكل مناسب.
ويتابع: «يتطلب التهاب البنكرياس الناتج عن حصى المرارة المصحوب بانسداد القنوات الصفراوية إجراء تنظير القنوات الصفراوية والبنكرياسية بالمنظار، بينما يُعالج التهاب البنكرياس الناتج عن الكحول بالامتناع عن تناولها، ولا تُستخدم المضادات الحيوية إلا في حال وجود دليل على نخر مصاب أو التهاب الأقنية الصفراوية».
ويؤكد أن تداوي الحالات المزمنة يتطلب الإقلاع عن التدخين والكحول، كما يساعد العلاج الإنزيمي البديل للبنكرياس على تحسين سوء الامتصاص والإسهال الدهني، وتُستخدم المسكنات للسيطرة على الألم، بينما تتم إدارة مرض السكري بشكل مناسب، ويخضع بعض المرضى لتنظير القنوات الصفراوية والبنكرياسية مع تركيب دعامة أو استخراج الحصى، ويمكن إجراء جراحة للمصابين الذين يعانون ألماً مستعصياً أو مضاعفات.
وظائف الجسم
يشير د. غوراب سين، استشاري جراحة الكبد والبنكرياس والقنوات الصفراوية، إلى أن أورام البنكرياس تتطلب تشخيصاً مبكراً ووعياً صحياً متزايداً، نظراً لتأثيرها المباشر في وظائف الجسم الحيوية، وتختلف الأعراض بحسب حجم الورم وموقعه ومرحلة تطوره.
ويضيف: «تشير بعض العلامات إلى وجود خلل ما في البنكرياس، ومن بينها ألم مستمر في أعلى البطن أو الظهر، وفقدان الشهية والوزن غير المبرر، والإرهاق العام، ويعاني البعض اصفرار الجلد والعينين (اليرقان) نتيجة انسداد القنوات الصفراوية، إضافة إلى الغثيان واضطرابات الهضم، وربما يظهر مرض السكري بشكل مفاجئ أو يصعب التحكم في مستويات السكر لدى المصابين به سابقاً».
ويوضح د. سين أن هناك عدة عوامل تزيد من فرص الإصابة بأورام البنكرياس، ويأتي التدخين في مقدمتها، إلى جانب السمنة والنظام الغذائي غير الصحي الغني بالدهون واللحوم المصنعة، كما يلعب التقدم في العمر، وخاصة بعد سن الستين، إلى جانب وجود تاريخ عائلي للإصابة، أو بعض المتلازمات الوراثية، إضافة إلى التهاب البنكرياس المزمن ومرض السكري، وتشير بعض الأبحاث إلى أن قلة النشاط البدني والتعرض الطويل لبعض المواد الكيميائية قد يسهمان أيضاً في نشأة الأورام.
ويضيف: «يعتمد تشخيص أورام البنكرياس على مراجعة الأعراض والتاريخ المرضي والفحص السريري، وفحوص الدم للكشف عن المؤشرات المرتبطة بوظائف الكبد والبنكرياس، كما تُستخدم تقنيات التصوير الطبي، مثل الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي والموجات فوق الصوتية، لتحديد موقع الورم وحجمه ومدى انتشاره، ويحتاج بعض المرضى إلى أخذ خزعة من النسيج لتحليلها مخبرياً والتأكد من نوع الورم بدقة».
ويؤكد أن تداوي أورام البنكرياس يعتمد على نوع الورم ومرحلته والحالة الصحية العامة للمريض، وتشمل الخيارات العلاجية الجراحة لإزالة الورم إذا كان قابلاً للاستئصال، إضافة إلى العلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي للحد من انتشار الخلايا السرطانية، وظهرت في السنوات الأخيرة علاجات حديثة مثل الموجّه والمناعي لبعض الحالات.
إدارة ووقاية
تتركز الوقاية من التهاب البنكرياس على الكشف المبكر وإجراء الفحوص الدورية للذين لديهم تاريخ عائلي مع المرض أو عوامل خطورة مرتفعة، وتبني نمط حياة صحي، يتضمن الإقلاع عن التدخين والكحوليات، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن غني بالخضراوات والفواكه.
تتطلب إدارة التهاب البنكرياس تضمين بعض الأطعمة في النظام الغذائي للمريض، لكونها تعزز صحة الجسم، ومن بينها البروتينات الخالية من الدهون كالدجاج والديك الرومي والأسماك، والبروتينات النباتية مثل العدس والفاصوليا، والمكسرات والبذور وزيت الأفوكادو، وكذلك الكربوهيدرات المعقدة من الحبوب الكاملة، مثل الأرز البني والكينوا وخبز القمح الكامل، والخضراوات مثل البطاطا الحلوة والقرع والسبانخ واللفت والبروكلي والقرنبيط، والتوت والحمضيات والتفاح والبطيخ.