عادي

دروس يابانية في فن «الهايكو»

شعراء عرب ارتدوا معطفه
00:12 صباحا
قراءة 4 دقائق
2004

الشارقة: يوسف أبولوز

لكل شعب من شعوب هذه المسكونة، بحد تعبير سمير عطا الله، مورد شعري يشكل في أهميته المحلية والتاريخية جانباً من هوية ذلك الشعب، فالشعر ديوان العرب في ثقافتنا الإسلامية العربية، ولولا الشعر عند الإغريق لما كان المسرح، والأساطير الكبرى التي أنجبتها المخيّلات الآسيوية والصينية والشرق أوسطية والرافيدينية وأساطير وادي النيل تقوم في أساساتها على الشعر: عشتار ملحمة شعرية، والأوديسة تراجيديا شعرية، وكتاب الموتى عند المصريين شعر فرعوني معتّق في ما يشبه أيقونات المومياء الساحرة، وأخيراً، وليس آخراً، شعر الهايكو جزء تاريخي وثقافي وحكمي وفلسفي من الهوية اليابانية، عرفته العائلات الإمبراطورية القديمة الحاكمة، وقائله شاعر له امتيازه في القصر الإمبراطوري كما له امتيازه في الشارع أو في المزرعة أو في إسطبل الخيل.

يعرف القارئ المجرّب، ودعنا نقل القارئ المهني أن الكثير من الحبر، وبخاصة الحبر العربي سال مكتوباً بخصوص الهايكو، لا بل هناك من ذهب إلى كتابة سمّاها «الهايكو العربي»، وظهرت في الأردن قبل سنوات قليلة جماعة شعرية متخصصة في ما سمّته الهايكو الأردني أو شعر الطبيعة الأردني، وشكّلت تلك الجماعة حالة شعرية لها ثقافة متخصصة تكشف عن معرفة عميقة ب «الهايكو» الياباني أو العربي.

ما دمنا في إطار سريع حول الهايكو العربي، فلسوف يأخذنا «كتاب الهايكو الياباني» ترجمة وتقديم محمد عضيمة وكوتا كاريا، إلى هذه التفصيلة بشكل خاص، فما أكثر الشعراء العرب الذين يكتبون الهايكو سواء عن معرفة أو عن جهل في أسرار وأوزان وحقائق وطبيعة هذا الشعر الشرقي؛ بل القادم من أقصى الشرق والمرتبط بطبقات من الفلسفة.

غواية الكتابة

يقول محمد عضيمة وهو درس اليابانية وعاش في اليابان، يقول: «يبدو لي أن الهايكو، على صعيد اللغة العربية، يشكل إغراء للكتابة فقط لأنه نصّ قصير ويوهم، من حيث الظاهر، أنه لا يحتاج إلى أية براعة لغوية».. ولكن أهي هذه فعلاً حقيقة الهايكو. لا يحتاج إلى أية براعة لغوية؟ قد يكون هذا صحيحاً في حالة شعر الهايكو العربي، أما الهايكو الياباني فهو فن يقوم في جزء منه، كما جاء في مقدمة عضيمة على رؤية دينية «وهي أن وراء المعنى الظاهر معنى آخر أشد عمقاً وبُعداً وهو المقصود جوهرياً». الهايكو الياباني أيضاً «يُكتب على يمين الصفحة من الأعلى إلى الأسفل موزعاً على ثلاثة أسطر وفق مقاطع صوتية محددة العدد هكذا: 5-7-5 يعني في السطر الأول خمسة أحرف، أصوات، قد تكون كلمة واحدة أو كلمة وحرفاً يجد تتمته في ما يجيء بعده أو كلمتين، وكذلك في السطر الثاني سبعة أحرف قد تكون أيضاً كلمة أو أكثر أو أقل، وأخيراً نختم بخمسة أحرف؛ بحيث يتكون المعنى، ونقول عن كل حرف مقطع صوتي».

لقد تقصدت أن أورد هذه الفقرة كاملة، وذلك ربما لأن المعلومات الحرفية والصوتية والمقطعية الواردة فيها تماثل إلى حد ما الإيقاع والوزن والعروض في شعرنا العربي، وبكلمة ثانية، للهايكو الياباني نظام صوتي، ومقطعي، وموسيقي ربما كان أشد صرامة من النظام العروضي الخليلي في الشعر العربي.

فلسفة الزن

في الكثير من الأحيان يتبادر إلينا أن شعر الهايكو هو شعر رهبان مرتبط، كما قيل كثيراً، بفلسفة الزن البوذية، غير أن عضيمة يرى أن هذه المعلومة مغلوطة. ينفي عضيمة صفة الوحي والإلهام في الشعر العربي عن الهايكو، ويرى أنه ليس نتاجاً روحياً «للتأمّلات الصوفية في الوجود والعالم» ويسخر عضيمة في حكاية هبوط الوحي على الشاعر العربي في وادي عبقر «.. هذا هو التسطيح الذي شربناه ونشربه منذ قرون من طاسات الفحول والشعراء في وادي عبقر كلما دار الحديث عن الشعر والإبداع»، لا بل أن عضيمة يرى أن كتابة قصيدة هايكو يابانية واحدة أصعب بكثير من قصيدة لِ ت.س.إليوت.. يقول.. «التحقيق في كتابة الهايكو يكشف، وعلى ألسنة أهم ممثليه أن الحذف والإضافة والتنقيح وتغيير الكلمات، والتدريب والتمرين هي أشياء أساسية في الوصول إلى هايكو متقن وجميل..».

في «كتابة الهايكو الياباني» ألف قصيدة هايكو، تم اختيارها بحسب المترجمان من نحو مئة مرجع تبدأ من القرن السادس عشر حتى الوقت الحاضر، وقد راعى المترجمان مكان الهايكو أو المكان الذي كتب فيه الشاعر قصيدة الهايكو أو علاقة هذه القصيدة بالمكان، وتجدر الإشارة هنا إلى خصوصية وصعوبة هذه الترجمة إلى العربية، فهي ترجمة متخصصة تماماً- وفق منهج لغوي صيني ياباني، فكل هايكو مترجم إلى العربية في هذا الكتاب مقابله هايكو ياباني مكتوباً مرتين «أولاً بالأحرف الصينية كما كتبه صاحبه، وثانياً بالأحرف اليابانية، مباشرة تحت الأول وبين قوسين، وذلك لتيسير قراءة الصينية، وهي عادة متّبعة في ما يخص النصوص الصعبة».أياً كانت طريقة الترجمة، فنحن أمام هايكو منقول مباشرة من لغته الأم إلى العربية، وإذا كانت الترجمة خيانة كما يقولون، فإننا أمام شعر قليل الخيانة، ونستطيع من خلال إيجازه، وتكثيفه أن نتذوّقه، أو على الأقل أكثر من نصف التذوّق، غير أن الشعر عادة يشبه الموسيقى تستطيع أن تفهمه وتتقرّب منه حتى لو لم تكن تعرف لغته، وذلك من خلال العلاقات الصورية والإيقاعية بين الكلمات، ويلاحظ القارئ هنا أن كل هايكو لا يزيد على ثلاثة سطور في العربية.

لوحات أيقونية

في الهايكو ضوء كثير أيضاً، تماماً مثل تلك اللوحات الأيقونية التي يرسمها الانطباعيون المائيون تحت الشمس.. يقول شاعر هايكو اسمه هارا -سيكيتيي:

«يا لأشعة الشمس

فوق حقول الشتاء الذابلة

يتردد صوت الأمواج».

يكتب الهايكو بصعوبة، وَيُقرأ أيضاً بصعوبة، فما الذي تقوله ثلاثة سطور، وأياً كانت هذه السطور باليابانية أو بالصينية، ما خلفية هذه السطور؟ ما مقدماتها، ما نهاياتها ومآلاتها؟ تلك هي الصعوبة في قراءة الهايكو، فما بالك في صعوبة كتابته.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yf6kh5cy