عادي

تشاد.. مقتل ديبي هل يكون النهاية؟

22:55 مساء
قراءة 4 دقائق
1

إعداد: بنيمين زرزور

ووري جثمان الرئيس التشادي إدريس ديبي الثرى يوم الجمعة الماضي بحضور عدد من رؤساء دول الجوار الإفريقية والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحليف الرئيسي لديبي.

لكن دفن الرئيس التشادي قد لا يكون نهاية للمفاجآت التي تشهدها الساحة الإفريقية التي تفتقر غالبية دولها الفقيرة إلى مقومات الاستقرار السياسي. وتشكل التركيبة المعقدة للخارطة السكانية في العديد منها، والتي تجمع بين الولاء للقبيلة والانتماء للوطن، أهم عوامل عدم الاستقرار.

ليست جمهورية تشاد استثناءً، ففيها أكثر من مئة أقلية عرقية ودينية تجمع بينها رابطة الانتماء الوطني الواهية، وتفرقها عوامل لا تحصى بدءاً من التطرف الديني وانتهاء بالاقتتال على الموارد ومنها النفط.

 وقد خضعت تشاد للاحتلال الفرنسي عام 1920، وأدرجت كجزء من إفريقيا الاستوائية الفرنسية. وفي عام 1960، حصلت على الاستقلال تحت قيادة فرانسوا تومبالباي الذي أدت سياساته في الشمال المسلم إلى تأجيج النفور والاستياء الشعبي ما أدخل البلاد في حرب أهلية طويلة الأمد انطلقت شرارتها عام 1965. 

ونجح المتمردون في اقتحام العاصمة نجامينا عام 1979، ووضعوا حداً لهيمنة الجنوب. وكأي تجربة من هذا القبيل خاض قادة المتمردين صراعاً على السلطة حتى هزم حسين حبري زعيم إحدى الفصائل المتناحرة، منافسيه، وأصبح رئيساً للبلاد، ثم أطيح به في عام 1990 من قبل إدريس ديبي الذي قتل قبل أيام خلال مشاركته في القتال لصد إرهابيين تسللوا من ليبيا إلى الأراضي التشادية وكانوا يزحفون بسرعة لاجتياح العاصمة نجامينا. وجاء موته بعد الإعلان عن فوزه بفترة رئاسية جديدة.

 مستقبل غامض 

 ويفتح اغتيال ديبي الباب واسعاً أمام تطورات أشد خطورة على مستقبل تشاد وشعبها خاصة أن المتمردين الذين قتلوا ديبي في معارك معهم، مصنفون ضمن الجماعات الإرهابية التي ترتبط بالقاعدة ومنظمة بوكو حرام، حيث تتنقل تلك التنظيمات عبر الحدود الشاسعة في منطقة صحراوية يعرفون تفاصيلها جيداً.

 وقد سارع البرلمان التشادي إلى الاعتراف بالمجلس العسكري الذي تم تشكيله بعد مقتل الرئيس الذي تولى ابنه الجنرال محمد إدريس ديبي مهام منصبه، وهو الرجل الأقوى في البلاد بحكم قيادته الفصيل العسكري الأفضل تسليحاً. إلا أن قيادات الجيش منقسمة حول المجلس العسكري، وهناك مجموعة كبيرة من الجنرالات وقادة كتائب الجيش لا تعترف بالمجلس العسكري وترفض توريث السلطة وتحذّر من حرب أهلية إذا لم تتم العودة للمسار الدستوري.

 وهناك دعوات وجهت إلى المجلس العسكري من قبل مجموعة من الضباط تحثهم على إعادة النظر في تشكيلة المجلس وميثاقه بالشكل الذي يسمح بمشاركة مختلف القوى وتنظيم حوار وطني شامل وبناء تفاهمات تفضي لمرحلة توافقية تنتهي بانتخابات ذات مصداقية وتنبثق عنها مؤسسات منتخبة لتفادي الانجرار للفوضى والعنف.

 إلى ذلك، تعارض معظم التشكيلات السياسية بما فيها أحزاب المعارضة الرئيسية تشكيل المجلس العسكري، حيث أصدرت مجموعة تضم حوالي 30 فصيلاً سياسياً بياناً كشفت فيه عن معارضتها توريث السلطة وتولي نجل الرئيس ديبي مهام والده. كما دعت المعارضة إلى رفض القرارات غير القانونية التي اتخذها المجلس العسكري الانتقالي، خاصة الميثاق الانتقالي وقرار حظر التجول، ودعت فرنسا لعدم التدخل في شؤون تشاد الداخلية.

 وتمثل التطورات الجارية حالياً في تشاد حلقة جديدة في مسلسل الكر والفر بين الحركات «الجهادية» المنتشرة في الشمال الإفريقي ودول الصحراء، وحكومات تلك الدول الصغيرة يدعمها تحالف دولي هش عموده الفقري الحضور العسكري الفرنسي عند الطلب.

 المعركة ضد الإرهاب

 ولا تزال معركة مكافحة الإرهاب التي عطلت برامج التنمية وقضت على آمال سكان دول الصحراء دون حسم وهي مفتوحة على مزيد من المفاجآت خاصة بعد ما حل بالحكومات القوية التي كانت تسيطر على الحدود التي يتسلل منها الجهاديون بين دول المنطقة، الأمر الذي زاد من أنشطتهم وتطلب تخصيص القسم الأكبر من موارد تلك الدول لتمويل حرب تحصد أرواح الشباب بلا توقف.

 ويشارك الجيش التشادي في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي ويعتبر الأكثر خبرة في القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس التي تضم موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد.

 ورغم إعلان محمد إدريس ديبي عن تعيين 14 جنرالاً قيل إنهم من بين جنرالات الحرب الأعلى كفاءة والأكثر ولاءً لرئيس الدولة، ضمن المجلس العسكري الانتقالي، إلا أن ذلك لا يشكل ضماناً للاستقرار والهدوء في الوقت الذي يهدد فيه المتمردون باستئناف الهجوم بعد المهلة التي منحوها للعسكريين من أجل دفن جثمان الرئيس الذي قتل في مواجهة معهم.

ومن غير المؤكد أن يتمكن العسكر بقيادة الجنرال الابن من تنفيذ وعودهم السياسية بإجراء انتخابات ديمقراطية في غضون 18 شهراً هي المرحلة الانتقالية بقيادتهم، في ظل استمرار المواجهات التي احتدمت مؤخراً مع المتمردين بينما يتراخى الدعم العسكري الفرنسي بسبب ظروف تفشي الوباء والصعوبات اللوجستية التي فرضها. ويؤكد المتمردون الذين تقودهم جبهة التناوب والوفاق التشادية على أن الهجوم توقف مؤقتاً ولم يلغ كلياً.

 وقد دانت العديد من دول العالم قتل الرئيس التشادي على يد المتمردين وأعرب بعضها عن تضامنه مع تشاد ودعمه النظام الديموقراطي. فقد شدد وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، على أن يتم انتقال السلطة بطريقة سلمية، مع التأكيد على ضرورة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والسماح بتنظيم انتخابات عامة.

 وأعربت فرنسا عن أسفها لمقتل الرئيس ديبي الذي اعتبرته صديقاً وفياً وحليفاً قوياً في محاربة الإرهاب، مشددة على ضرورة أن يتم الانتقال السياسي بشكل سلمي ومؤكدة دعمها استقرار البلاد ووحدة أراضيها.

 وخلافاً لما ورد في بيان الجيش حول المواجهات التي قتل فيها الرئيس، تشير التقارير إلى أن القتال كان عنيفاً جداً في جبل تيبيستي على الحدود مع ليبيا، وأن احتمالات استئناف الهجمات في أي لحظة يبقى قائماً خاصة وأن الجيش التشادي منشغل في معارك أخرى مع «الجهاديين» الذين يشنون هجمات من قواعدهم في السودان.

 ووسط إصرار المتمردين على متابعة المواجهة حتى إسقاط العاصمة التي كانت على وشك السقوط في فبراير/ شباط 2008 لولا تدخل القوات الجوية الفرنسية، لا تلوح في الأفق مؤشرات على استقرار قريب في تشاد ولا جوارها، حيث تنشط التنظيمات الإرهابية وتستقطب المزيد من الشباب الذين لا يجدون فرصة للعمل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"