عادي

الإمارات..بينالي مفتوح

00:44 صباحا
قراءة 5 دقائق

كتب: يوسف أبولوز

لم يتوفر للفن التشكيلي في الإمارات ما توفر للفنون الأخرى الكتابية والمسرحية من دراسات أو بحوث أو توثيقات مواكبة لها. وباستثناء مواد صحفية بأقلام غير متخصصة أحياناً تشير إلى بعض مفاصل تاريخ الفنون التشكيلية في الإمارات، لا يوجد مصدر واحد يشير إلى فنانين كانوا يمارسون الرسم في الخمسينات والستينات في الدولة، بينما لو عدنا إلى تاريخ الشعر والمسرح، على سبيل المثال، لوجدنا الكثير من المصادر التي تذكر أسماء شعراء ومسرحيين ظهروا في تلك العقود، غير أن نقطة البداية في الرسم تعود إلى عبد القادر الريس الذي ظهر في السبعينات أو في نهايتها.

في نهاية السبعينات أيضاً ظهر حسن شريف الذي سافر إلى إنجلترا في عام 1979 لدراسة الفن، وعاد إلى الإمارات في 1984. ومن البدايات التشكيلية أيضاً في الإمارات يشار إلى د. محمد يوسف، وعبيد سرور، ونجاة مكي، وتالياً عبد الرحيم سالم ومحمد القصّاب.

في عام 1980 تأسست جمعية التشكيليين الإماراتيين في الشارقة وتضم في عضويتها الآن ما يقرب من 450 فناناً وفنانة بين من هو منتج، وبين من هو غير منتج. وبشكل عام، كانت الثمانينات هي فترة الانطلاقة الحقيقية للفن التشكيلي، فقد عاد حسن شريف دارساً متخصصاً في الفن وتاريخه ومدارسه وأعلامه من كلية «بايم شو آرت» في لندن، وأسس بعد عودته بنحو أربع سنوات، أي في عام 1987، المرسم الحر للشباب، والذي كان تابعاً لما كان يُسمى آنذاك الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة.

جماعة الخمسة

سيكون لهذا المرسم دور بالغ الأهمية في تعليم وتدريب وتثقيف جيل من الفنانين الإماراتيين الذين عزّزوا تجاربهم الفنية منذ أواخر الثمانينات وحتى التسعينات؛ بل لا تزال مجموعة ذلك المرسم تعمل، وسمّيت من جانب بعض متابعي الحركة التشكيلية في الإمارات بِ«جماعة الخمسة»، وهم: حسن شريف، حسين شريف، محمد كاظم، محمد أحمد إبراهيم، وعبدالله السعدي.

لم يُسم الفنانون الخمسة هؤلاء أنفسهم بِ «جماعة الخمسة»، ولم يطلقوا بياناً كعادة بيانات الجماعات الفنية والشعرية والفكرية؛ بل كانت أفكارهم هي ذاتها أعمالهم الفنية، ولم يقبل حسن شريف مطلقاً أن يوصف بِ«العرّاب» أو «الأب» أو «المعلم». كان واحداً من أولئك الفنانين الذين خرجوا من إطار اللوحة التقليدية المسندية أو المعلّقة إلى ما يسمى «العمل الفني»، وقد صنّفهم البعض على أنهم «مفاهيميّون» وهم لا يميلون في أعماقهم إلى هذا التصنيف؛ بل يشعرون بالفرح كونهم يشتغلون أعمالاً فنية معاصرة.

لا بد من الإشارة إلى ثلاثة فنانين أجانب عاشوا فترة بسيطة في الإمارات وكان لهم دور مهم في التأثير الإيجابي في «جماعة الخمسة»، ومنهم الفنان الهولندي جوز كليفرز الذي نظم للخمسة أو لبعضهم معارض فنية في مركز «سيتارد» للفنون في أمستردام في عام 1995، والفنان الهندي فيفيك فلافيتي الذي كان له دور إيجابي تجاه الخمسة، وهو معهم وبينهم حتى الآن مقيم في دبي، ويتذكر الخمسة أيضاً دور الفنان الهولندي بيرت هرمنز الذي نظم العديد من الورش الفنية في التسعينات بين الإمارات وهولندا.

في عام 1993 انطلق بينالي الشارقة الدولي بثقافة تشكيلية معاصرة تقوم على الفكر والفلسفة والمعرفة العالمية الإنسانية، وأصبح البينالي لاحقاً تحت إشراف الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، التي عزّزت بثقافتها التشكيلية الرفيعة عالمية البينالي، وجعلت منه حدثاً استثنائياً على مستوى إماراتي، وعربي، ودولي؛ بل أصبح تظاهرة حوار ثقافي، وتلاقي أفكار ورؤى وفلسفات لمئات الفنانين من جهات الأرض يلتقون على «قلب الفن» وقد جاؤوا من خلفيات ومرجعيات فكرية وثقافية وفنية عديدة.

كل دورة للبينالي كانت تنطلق من رؤية فكرية يمثلها عنوان الدورة، وأصبحنا في قلب ثقافة المقيّمين الفنيين الذين ينتجون أعمالاً فنية في الوقت نفسه، ويمتلكون ثقافة نقدية رفيعة للعمل الفني الذي يقيّمونه. وستظهر كيانات مؤسسية فنية جديدة لها دور فاعل في تعميق الثقافة الجمالية والبصرية في الإمارات، فقد ظهرت مؤسسة الشارقة للفنون في عام 2009، وهي مؤسسة غير ربحية للفن المعاصر، وترأس المؤسسة الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، ومن منصات المؤسسة «لقاء مارس الدولي»، وهو تجمّع سنوي للفنانين التشكيليين والمؤسسات الفنية في المنطقة.

أجيال متلاحقة

إذا أردنا أن نموضع الفنانين الإماراتيين في ما يُسمى الأجيال أو المجايلة، فالجيل الثاني يتألف من الكثير من الأسماء منها: ابتسام عبد العزيز، ليلى جمعة راشد، هدى سعيد، وجويرية الخاجة، ناصر عبدالله، آلاء إدريس، عفراء الظاهري، وشمّا العامري، وكريمة الشوملي، وميسون صقر، ومحمد المزروعي، ووفاء خازندار، وغيرهم وغيرهن من أسماء لها تقديرها الفني والإبداعي في المشهد التشكيلي الإماراتي والعربي.

ومما يمكن أن يُسمى الجيل التشكيلي الإماراتي الجديد يشار إلى ناصر نصر الله، عمّار العطار، وآخرين.

إن الإمارات، كما هي دولة جاليات متعايشة متسامحة، وكما هي دولة قانون وأمن وأمان ومؤسسات، هي أيضاً دولة ثقافات وفنون، فمتحف اللوفر أبوظبي، في المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات رسالة محبة وجمال للعالم، وهو في ذاته تحفة فنية صممه المهندس جان نوفيل على مساحة 9200 متر مربع، واستلهم روح العمارة الإسلامية والتراثيات المعمارية الإماراتية وقاربها معمارياً في مبنى المتحف. والمهم هنا أننا أمام كنوز فنية من الأعمال الكلاسيكية التي تعود إلى فترات ازدهار اللوحات المنتجة على يد عباقرة الفن في العالم.

روافد ومنصات

معرض «آرت دبي» بدوره منصة جمالية إبداعية تعايشية مضافة إلى منصات الفنون في الإمارات، وهو حدث ثقافي عالمي بإشراف هيئة دبي للثقافة والفنون، ويتكامل ثقافياً وجمالياً مع حوامل وروافد الفنون التشكيلية في الإمارات التي أسهم في نموّها ونضجها وحيويتها فنانون عرب أقاموا في الإمارات، وكانوا، وما زال البعض منهم جزءاً غير مفصول مطلقاً عن معمار الفن الإماراتي. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، د. يوسف عايدابي أحد أعضاء اللجنة العليا في بينالي الشارقة في دورته الأولى، وقدّ الفنانان الأخوان: ياسر الدويك، ويوسف الدويك، تجارب تشكيلية ناجحة في الإمارات، واشتغل د. عبد الكريم السيد، على أعمال فنية، وقدم قراءات نقدية وجمالية في تجارب تشكيلية إماراتية، وكذلك قدم الفنانون أحمد حيلوز، وطلال معلّا، وعبد اللطيف الصمودي، وإسماعيل الرفاعي، وغيرهم خلاصات فنية وتشكيلية تعود في ولاداتها الفنية للإمارات.

الفن الإماراتي عالمي اليوم، يكفي القول إن لوحة لعبد القادر الريس بيعت بنحو مليون درهم، وأعمال حسن شريف تطوف في أكبر متاحف ومقتنيات العالم، وتراوح قيمة اللوحة لحسن شريف من 300 و400 ألف دولار.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yell9av2