أ.د.حميد مجول النعيمي

إن ظاهرتي شروق الشمس وغروبها ظاهرتان طبيعيتان تحدثان يومياً منذ أن تكونت الشمس والأرض بسبب دورانها حول محورها المائل بزاوية قدرها 23.5 درجة في 24 ساعة. وتدور الأرض بميلان محورها حول الشمس في سنة. 

جاءت المشارق والمغارب في الآيات الكريمات التالية في صيغ ثلاثٍ:
(1): «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» المزمل 19.
(2): «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» الرحمن 17
 (3): «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ» المعارج 40
وفي الآية 1 جاء ذكر المشرق والمغرب في صيغة المفرد، وفي الآية 2 في صيغة المثنى، وفي الآية 3 جاء في صيغة الجمع.

 فلكياً وفيزيائياً وشرعياً جاءت صيغة المفرد لأنه أينما كنا وحيثما وجدنا على سطح الأرض رأينا للشمس مشرقاً ومغرباً، لأن موقعي ولحظتي شروق الشمس وغروبها في يوم ما تختلف قليلاً عما هي في اليوم الثاني، أي مختلفة في كل الأيام على مدار العام الواحد. أما المشرقان والمغربان فقد فسرهما المفسرون بمشرقي ومغربي الشمس في الشتاء والصيف لأنهما مختلفان أيضاً في أي موقع على سطح الأرض عدا القطبين. الأرض، كما نعرف، تتم دورتها حول الشمس في 365.25 يوم، كذلك نعلم أن ميل محور دورانها عن المحور الرأسي يسبب اختلاف الفصول ومن ثم اختلاف مكان ووقت الشروق والغروب على الأرض على مدار السنة. وهذا يعني وجود مشارق ومغارب بعدد أيام السنة وليس مشرقين ومغربين اثنين فقط، وإن بدا الاختلاف بين مشرقي الشمس ومغربيها أكثر وضوحاً في الشتاء والصيف. يكون إذن مشرقا الشمس ومغرباها في الشتاء والصيف هما المقصودان في الآية الكريمة: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ». كذلك قد تكون هذه المشارق والمغارب المتعددة التي نراها على مدار السنة هي المقصودة في الآية الثالثة: «بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ» وقد يكون المقصود بها أيضاً مشارق الأرض ومغاربها في بقاعها المختلفة، فشروق الشمس وغروبها عملية مستمرة، ففي كل لحظة تشرق الشمس على بقعة ما وتغرب عن بقعة أخرى. وقد يكون المقصود بها مشارق ومغارب على كواكب المجموعة الشمسية المختلفة ما دامت الكواكب تدور حول محورها وحول الشمس، فكل كوكب تشرق عليه الشمس وتغرب. وحتى في النجوم التي لها كواكب بالتأكيد هناك شروق وغروب للنجوم على كواكبها بسبب دوران هذه الكواكب حول محورها. ويمكن القول إن سبب ذكر المشرق والمغرب في صيغ مختلفة هو تلون الآيات مع سوابقها للتدبر والإمعان، فالآية الأولى تبدأ «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» المزمل 8 و9.
 أما في الآية الثانية، فالوضع يختلف ولنبدأ ببعض الآيات التي تسبق الآية الثانية. قال تعالى: «خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» الرحمن 14-23. الحديث في هذه الآيات كلها في صيغة المثنى ويذكرنا فيها الرحمن بأنه هو الذي خلق الإنس والجان، وأنه هو رب الْمَشْرِقَيْنِ و الْمَغْرِبَيْنِ، وأنه هو الذي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ليلتقيا، لكن بدون أن يبغي أحدهما على الآخر ومنهما يخرج اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ. 
وبالمثل في الآية الثالثة، فإذا دققنا النظر فيها مع سوابقها ولواحقها من الآيات الكريمات عرفنا سبب ذكر المشرق والمغرب في صيغة الجمع. قال تعالى: «فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ، أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ، كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ، فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ»، المعارج 36 – 41، فالكلام هنا يشير إلى الذين كفروا، ولفظ (الذين) للجمع لذلك ذكرت الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ على نفس النمط في صيغة الجمع أيضاً حتى يتأتى التوافق في الصيغ الذي وجدناه في الآيتين السابقتين. 
 فلكياً، المشرق هو شروق الشمس، أما المعنى الدال لكلمة مشرقين فهو مشرقا الصيف والشتاء، حتى إذا اطلعنا على الآيات الكريمات التي احتضنت كلمات المشرق والمشرقين والمشارق وجدنا لكل منها صورة ذهنية عن اللغة وصورة لغوية في الذهن، وذلك يجعلنا في تفاعل أكثر حيوية ومصداقية إزاء النص القرآني العظيم.
 وفي التعامل مع مفرد الصياغة الْمَشْرِقُ نجده مقترناً بالمغرب في أكثر من آية، كما هو في قوله تعالى: 
(1): «وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ..» البقرة 115.
(2): «قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ» الشعراء 28.
(3): «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» المزمل 19.
من الواضح أن اقتران المغرب بالمشرق يمنع تفسيره على أنه الشمس، بل يجعله على محمل الاتجاه الجغرافي المعروف، بل إن جمع المشرق إلى الشمس نفسها كما في قوله تعالى: 
(4): «قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» البقرة 258.
 عندما ندخل في التثنية: المشرقين والمغربين، نقرأ قوله تعالى: 
(5): «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» ونتقصى ما قاله المفسرون حصراً في الجلالين: (مشرق الشتاء ومشرق الصيف) إزاء رب المشرقين ومثلهما بالنسبة إلى رب المغربين في المعنى. أما في مختصر ابن كثير فنجد: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» يعني مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء، وقال: «فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ» وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منها إلى الناس. وقال: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا»، والمراد منه جنس المشرق والمغرب. ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس، قال: «فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان». وهذا مذهب في التفسير مقبول بحدود المعاني الفلكية (الانقلاب الصيفي والانقلاب الشتوي)، لكن عندما نقرأ قوله تعالى: 
(6): «حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ» الزخرف 39، فالمراد بالمشرقين في «مختصر ابن كثير» هنا «هو ما بين المشرق والمغرب، إنما استعمل هنا تغليباً كما يقال: العمران والقمران والأبوان، قاله ابن جرير وغيره». ولا نرى في الموقف هذا غرابة، إلا أننا نرى أيضاً أن اشتمال المشرق على معنى الشمس في التوثيق المعجمي يتيح لنا فرصة مضافة لتحسين المدلول في أسماعنا كما يستحق، فيصير المشرقان شمسين، ولما كانت الشمس نجماً، فإن من الممكن تماماً جعل المشرقين بمعنى بُعْد نجمين ثنائيين، وعندما نستذكر كلمات قوله تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى» وإن الشِّعْرَى نجم ثنائي، فإن ضرب المثال المشبه به تمنياً في الآية أعلاه يأخذ مدلول البعد بين المشرق النجم وقرينه المشرق الآخر النجم الثاني، وهكذا بالنسبة إلى النجوم الثنائية الأخرى الموجودة في السماء التي تؤلف بحدود 65% من نجوم الكون.
نستطيع التوغل في تفسير المعنى إلى الدرجة التي تشير إلى أي نجمين ثنائيين، ونجم النجم الشِّعْرَى هو الوحيد المذكور في القرآن الكريم دون النجوم الأخرى وكلما يرصد يكتشف عنه شيء جديد. لذلك، فإن لهذا النجم أهمية كبرى فلكياً وفضائياً ومعنوياً، إذ إنه ألمع نجوم السماء الشمالية بعد الشمس، فنجعل من كل نجم ثنائي اسم نوع للمشرقين بوصفهما منظومة نجمية ثنائية، لأن اللغة تساعدنا بقوة على ذلك بفصاحة دلالاتها، وسبحان الله على قدرته في كتابه الكريم الذي يصف الظواهر الكونية فلكياً وفيزيائياً.
مدير جامعة الشارقة 
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك