الشعبوية اليسارية في أوروبا

دروس من جيرمي كوربين إلى بوديموس
21:43 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
2
مارينا برنتوليس
مارينا برنتوليس، محاضرة أولى في الإعلام والسياسة بجامعة إيست أنجليا. كانت متحدثة في المملكة المتحدة باسم سيريزا.

في الوقت الذي كان اليمين في أوروبا يسخّر فيه الخطاب الشعبوي بشكل كبير، كانت محاولات اليسار أقل نجاحاً. فشلت حكومة سيريزا في اليونان وحزب العمال البريطاني في تغيير الوضع الليبرالي الجديد وإدخال الاشتراكية الديمقراطية. ومع ذلك، فإن حركات، مثل بوديموس، شهدت مكاسب أكبر في الحكومة الإسبانية. يتناول هذا الكتاب العملية التحويلية للشعبوية اليسارية عبر المستويات الشعبية والوطنية والأوروبية.

 تركز الكاتبة على ما يمكننا القيام به لتوظيف قوة السياسة اليسارية الشعبية واسعة النطاق بشكل أفضل. ومع خبرة كبيرة في التنظيم السياسي، ترى برنتوليس بأن الشعبوية اليسارية هي منطق سياسي يجمع بين المطالب المعزولة ضد عدو مشترك مع تعددية مساواة يمكن أن تحول المؤسسات الاقتصادية والسياسية في اتجاه ديمقراطي راديكالي. لكن كل حزب يفعل ذلك بشكل مختلف، والمفتاح لفهم إلى أين نذهب من هنا يكمن في التحليل الجاد لجذور قاعدة كل حركة، وأشكال التنظيم الحزبي، والسياقات الوطنية الخاصة.

 تقول الكاتبة في مقدمة العمل الصادر حديثاً بالإنجليزية عن دار «بلوتو بوكس»: «يُستخدم مصطلح «الشعبوية» مراراً وتكراراً لوصف سياسات السنوات العشر الماضية في جميع أنحاء العالم من إسبانيا إلى البرازيل وفنزويلا ومن بريطانيا إلى الولايات المتحدة. استخدم عدد من المعلقين السياسيين المصطلح وأساؤوا إليه وكرهوه، وكلما زاد استخدامه، أصبح مصطلحاً ازدرائياً سهلاً يمنع المزيد من التحليل لظواهر سياسية معينة. بالنسبة للجمهور غير المتخصص في النظرية السياسية والشعبوية، أصبح المصطلح مرادفاً ل«الخداع» و«الديماغوجية»، وهذا التصور هو ما يهدف هذا الكتاب إلى تحديه. بدلاً من ذلك، يقترح الكتاب دراسة الشعبوية كمنطق سياسي، وطريقة لممارسة السياسة يمكن أن ترتبط بفاعلين سياسيين مختلفين، على اليسار واليمين، وبعض أصحاب الرؤى وكذلك بعض الديماغوجيين المخادعين. ببساطة، الشعبوية هي طريقة لممارسة السياسة والمحتوى الخاص هو الذي يجعلها جيدة أو سيئة».

 وتضيف: «السياق الذي ظهر فيه الضجيج «الشعبوي» هو الأزمة المالية العالمية 2007-2008، وما تلاها، على الرغم من أن جذور المشكلة يمكن إرجاعها إلى بدايات العولمة الاقتصادية. بالتركيز على هذه الحادثة بالذات، سرعان ما أصبح واضحاً ليس فقط وجود أزمة اقتصادية، لكن أيضاً أزمة عميقة في التمثيل السياسي. كشفت الأزمة المالية، غير المتوقعة من قبل معظم الاقتصاديين، بطريقة مؤلمة أن ما كان يُنظر إليه على أنه يعمل بصورة جيدة كان نظاماً اقتصادياً غير متكافئ قائم على تكوين الثروة على أساس المضاربة والممارسات المحفوفة بالمخاطر، والتي يمكن أن تقضي على سبل عيش الناس العاديين في غمضة عين. شكّل انهيار بنك نورثرن روك في عام 2007، ومغادرة موظفي بنك ليمان براذرز المبنى حاملين ممتلكاتهم الشخصية في صناديق، تصوراً صادماً لسقوط المؤسسات القوية التي استسلمت لاقتصاد المخاطرة».

 ترى الكاتبة أن الحشود غير المسبوقة التي احتلت ساحات اليونان وإسبانيا في عام 2011 كانت خير صورة لما تبدو عليه أزمة التمثيل السياسي؛ فقد اجتمع الأشخاص الذين لم يتظاهروا من قبل، من خلفيات مختلفة، للمطالبة بإصلاح النظام السياسي (من ضمنه المؤسسات الوطنية والدولية) الذي بدلاً من حماية الناس في الأوقات العصيبة، اتخذ طريق إجراءات التقشف الشديدة، ما ألحق المزيد من الألم بالناس. على الساحة السياسية، ظهرت أحزاب وقادة جدد من اليسار واليمين، مؤكدين أنهم سيمثلون هؤلاء الناس. كانوا مختلفين تماماً عن الأحزاب والقادة التكنوقراط الوسطيين الذين كانوا حتى تلك اللحظة يسيطرون على المشهد السياسي. نعم، لقد كانوا يهدفون إلى تمثيل «الشعب»، لكن ليس من خلال إيجاد موقف «معتدل» فاتر في مكان ما في وسط الطيف السياسي، وهو موقف ظل لعقود حتى الآن يتماشى مع النموذج النيوليبرالي بغض النظر عمّا إذا كنا نتحدث عن أحزاب يسار الوسط أو يمين الوسط.

 السياسيون الجدد

 كان القادمون الجدد ضد التيار السياسي والاقتصادي السائد، وكانوا هم أنفسهم «غرباء»، إما من «اليسار الراديكالي» أو «أقصى اليمين»، بحسب الكاتبة، وتضيف: «لم يستخدم هؤلاء الجدد مصطلحات السياسة المعروفة، ولا يبدو أن أي منهم يهتم كثيراً ب«آداب» اللعبة السياسية. أكثر من ذلك، بدا أنهم يريدون قلب قوانين اللعبة تماماً. كان قادة هذه الأحزاب، أليكسيس تسيبراس (اليونان)، بابلو إغليسياس (إسبانيا)، مارين لوبان (فرنسا)، جيرمي كوربين (المملكة المتحدة) وآخرين يتمتعون بشخصية كاريزمية وبدا أنهم يتواصلون مع «الشعب» بطريقة مباشرة لم تكن موجودة لبعض الوقت. لم يكن أسلوبهم الشخصي وطريقتهم في التواصل هما الشيء الوحيد الذي ميزهم عن التكنوقراط الذين ساروا وراءهم؛ فقد انتقدوا «النخب» المسؤولة عن الفوضى الاقتصادية والسياسية (الوطنية والدولية)، وبدا أنها طريقة جذابة عبر الاقتصاد والطبقات الاجتماعية، مقسمين الفضاء السياسي إلى «نحن» و«هم». ومع ذلك، فإن معظم الديمقراطيات الليبرالية الغربية من النوع الذي يناقشه الكتاب هنا، تعمل على افتراض الإجماع. في الواقع، أصبح هذا يعني أن الآراء السياسية المتنوعة يمكن أن تتعايش في بيئة تعددية نسبياً دون توليد مشاعر سلبية قوية، وأن المظالم والمطالب الناشئة تتم معالجتها (بنجاح أو دون نجاح) داخل النظام السياسي الحالي دون تحدي النظام السياسي ككل. ليس هذا هو الحال عندما ينقسم المجتمع إلى «نحن» و«هم»، وهو تقسيم يشكك في الواقع في التعايش السلمي لكلا القطبين.

 تعلق الكاتبة على ذلك قائلة: «يؤدي هذا الاستقطاب في المجتمع إلى إثارة قشعريرة في العمود الفقري للمؤسسة السياسية، لأنه يتحدى قدرة المؤسسات القائمة على استيعاب كلا القطبين دون إصلاح كبير. ليس من المستغرب إذاً أن يشرع الصحفيون والمعلقون (وهم أنفسهم فاعلون في خلق الإجماع) في حملة قوية لإدانة «الشعبويين» وسياساتهم، عادة دون الانخراط حقاً في المظالم التي كان الشعبويون يتعاملون معها. من هناك فصاعداً، كل ظاهرة يحتقرها التيار السائد توصف بأنها «شعبوية»، ما يخلق الضجيج الشعبوي. الشيء الوحيد غير المعتاد في الحالات التي تعاينها الكاتبة هو أن الشعبوية كانت تظهر في أوروبا والولايات المتحدة، وهي البيئات التي احتضنت الإجماع الديمقراطي الليبرالي والليبرالية الجديدة باعتبارها البديل الوحيد، بدلاً من المجتمعات التي تتميز بانقسامات أكثر حدة (كما هو الحال في أمريكا اللاتينية). علاوة على ذلك، بدا لفترة طويلة أن بيروقراطية المجال السياسي تُبعد «الشعب» عن السياسة. نعم، كانت هناك حركات واحتجاجات ومظالم من قبل، لكن ليس على النطاق نفسه، ولا مع مثل هذه الرغبة الشديدة الخطورة في نموذج سياسي مختلف. على النقيض من ذلك، بدا أن أمريكا اللاتينية لديها المزيد من القصص لترويها عن الشعبوية والزعماء الشعبويين، من خوان بيرون (رئيس الأرجنتين، 1946-1955) إلى هوغو شافيز (رئيس فنزويلا، 1999-2013). التفسير المحتمل هو أنه بسبب إقصاء واضطهاد مجموعات كبيرة من المواطنين من العملية السياسية في بلدانهم، فإن الجمع بين «الشعب» تحت إشراف زعيم قوي كاريزمي يطالب بصوت «الشعب»، كان أنجح طريقة للاتحاد ومحاربة العدو المشترك، من النخب القومية الفاسدة إلى الإمبريالية الأمريكية. هذا هو السبب وراء استعارة الشعبوية اليسارية، على الأقل في الماضي، بشكل كبير من نماذج في دول أمريكا اللاتينية. في الآونة الأخيرة، أصبح مثال جاير بولسونارو (رئيس البرازيل منذ عام 2019) وكذلك مثال دونالد ترامب (رئيس الولايات المتحدة، 2016-2020) نقاطاً محورية لفهم الشعبوية اليمينية المعاصرة».

 تحدي بيروقراطية الديمقراطية

 كانت الديمقراطيات الليبرالية الغربية مقتنعة لعقود من الزمن أن مؤسساتها تقدم ضوابط وتوازنات لديمقراطية فاعلة، وأن هذه المؤسسات هي الأفضل وربما الوحيدة القادرة على إحداث التغيير إذا لزم الأمر. على مدى العقود القليلة الماضية، كان يدير هذه المؤسسات تكنوقراط وخبراء ادعوا أنهم يعرفون بشكل أفضل ما يحتاج إليه «الشعب» طالما أن الأخير أضفى الشرعية عليهم من خلال التصويت كل بضع سنوات. وقد أطلق على هذا من قبل بعض العلماء حالة ما بعد الديمقراطية: نوع من الديمقراطية لا يحتاج حقاً إلى «العروض التوضيحية» للمشاركة؛ وحيث تكون السياسة من عمل أولئك الذين يعرفون أفضل ولديهم «خبرة» أكثر، جاءت الشعبوية (سواء من اليمين أو اليسار) لتحدي بيروقراطية الديمقراطية بعد الأزمة المالية، وعلى الرغم من أنها لم تؤد دائماً إلى النصر، يمكننا اليوم التفكير فيما حققته وما لم تحققه وأين ذهبت خطأ لممثلي اليسار التقدمي.

تقول الكاتبة هنا: «ومع ذلك، فإن مفهوم الشعبوية مفيد، لأنه يصف شيئاً يتجاوز الحالات أعلاه: فهو يصف طريقة لممارسة السياسة، ومنطقاً سياسياً. قد نرغب في تصديق أن هناك العديد من الطرق المختلفة لممارسة السياسة، لكن إذا نظرنا إلى المنطق الكامن وراءها بدلاً من المحتوى المحدد، فيمكن اختزالها في طريقتين واسعتين: إما عن طريق قبول المؤسسات الموجودة (في أي فترة وسياق) وعبر محاولة بيروقراطية تنفيذ تغيير تدريجي دون الحاجة إلى «شعب» لاتخاذ موقف؛ أو عبر منطق شعبوي يقسم الفضاء السياسي إلى معسكرين ويتحدى المؤسسة (انتخابياً أو في الشوارع، سلمياً أو لا)».

 يهدف هذا الكتاب إلى النظر إلى ما وراء خصوصية الحالات التي يستكشفها من السنوات العشر الماضية لرسم بعض المبادئ العامة، لكن في نفس الوقت يجب أن يستند أي تحليل لحركة سياسية إلى قراءة لسياقها من أجل التفكير في الخيارات الاستراتيجية المختلفة للشعبوية.

 بنية الكتاب

 يتألف الكتاب بعد المقدمة بعنوان: «لماذا تركت الشعبوية؟» من ستة فصول هي: 1) سياسة الشعبوية اليسارية بعد الأزمة المالية العالمية. 2) المقاومة الشعبية والتقشف و «اللحظة الشعبوية». 3) إنشاء حزب للقرن الحادي والعشرين: أحزاب جديدة، هياكل جديدة؟ 4) اليسار الشعبوي في الانتخابات: الخطاب والبرامج. 5) إضفاء الطابع المؤسسي على الوعد الشعبوي. 6) أوروبا و «شعوبها»: التفاوض على السيادة. وأخيراً الخاتمة: أين نحن اليوم مع اليسار الشعبوي؟

 ينظر الفصل الأول إلى الشعبوية على أنها منطق سياسي يجلب إلى الوجود «شعباً» ضد النخب الفاسدة، وبالتالي يقسم التضاريس السياسية. على الرغم من وجود العديد من نظريات الشعبوية، فإن الكاتبة تركز على أعمال إرنستو لاكلو وشانتال موف وتحاول استخلاص أهمية خلافهما مع المنظرين الآخرين. جزء من هذه المناقشة هو معاينة مفهوم «الشعب»، والمزاعم التي طرحها القادة السياسيون وخصائص الشعبوية اليسارية على وجه الخصوص.

 يلقي الفصل الثاني نظرة على تداعيات الأزمة المالية والحركات التي ظهرت في تلك المرحلة، ويبحث في كيفية تمكين النشاط الشعبي (في بعض الحالات أكثر من غيرها) من خلق «شعب» من خلال الجمع بين المطالب المتنوعة. ويبحث الفصل الثالث في نقل مطالب الحركات (خاصة حول قضايا التمثيل السياسي) إلى موقع السياسات والأحزاب الانتخابية. من خلال التحول إلى وسائل لتلبية مطالب الحركات المناهضة للتقشف، كان على سيريزا وبوديموس وحزب العمل إنشاء أو تغيير الهياكل الحزبية القائمة التي تتيح المزيد من المشاركة الأفقية.

 يعاين الفصل الرابع الإمكانات الانتخابية للأحزاب الثلاثة من خلال وضع سياق لانحدار الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية خلال الأزمة التي خلقت الظروف لظهور أحزاب يسارية شعبوية (سيريزا وبوديموس)، ثم ينتقل بعد ذلك لمناقشة الاستراتيجيات الانتخابية المختلفة والحملات الانتخابية.

 ينظر الفصل الخامس في محاولات الأحزاب الشعبوية لتطوير سياسات يسارية/اشتراكية، بدءاً من سرد تاريخي للمطالب الاشتراكية. على الرغم من أن الأطراف الثلاثة شرعت في وقف سياسات التقشف وتغيير ما كان في ذلك الوقت لا يزال يمثل العقيدة النيوليبرالية للتعامل مع الأزمات، فقد واجهوا عقبات مختلفة في محاولة تنفيذ أجنداتهم.

 أخيراً، يبحث الفصل السادس في دور القومية والسيادة في تشكيل ردود الفعل اليسارية على المفاوضات بين حكومة سيريزا والترويكا، إضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. تقول الكاتبة: «عندما تهيمن المصالح الوطنية والسياسة النيوليبرالية على مؤسسات التعاون الدولي مثل الاتحاد الأوروبي، يتعين على المرء أن يتساءل عما إذا كانت هناك إمكانية لاستراتيجية شعبوية لعموم أوروبا تصمد في وجه النخب الأوروبية». 

دور الشعب

يشير مثال الحركة الديمقراطية في أوروبا 2025 (DiEM25) إلى نوع من التضامن والتعاون يتجاوز الدول القومية، وحتى إذا لم يحدث أي تغيير ملموس، فإنه يدعونا إلى التفكير في العبر الوطنية.

 يدرك هذا الكتاب أنه على الرغم من أن اليسار الشعبوي في الحالات الثلاث قيد الدراسة لم يحدث التغيير الذي وعد به، إلا أن إمكاناته كاستراتيجية إصلاح لم تُستنفد. ومع ذلك، لنجاحه، سيتعين عليه أن يأخذ دور «الشعب» بجدية أكبر في التنظيم وجدول الأعمال ومؤسسات الأحزاب والحكومات اليسارية الشعبوية.

عن المترجم

نضال إبراهيم

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
أندريا غيزيلي
2
أندرياس مالم ومجموعة زيتكين
1
مارسيلو بيرجمان وغوستافو فونديفيلا
1
ستيفانو بالومبارين وبرونو أمابل
1
ليف فيجين
1
كارلوس ساردينيا جالاتشي
1
جون كامبل
https://tinyurl.com/3kffkyw9