عادي

فالتر بنيامين.. 100 وجه للناقد

هرب من النازية وانتحر في إسبانيا
23:38 مساء
قراءة 3 دقائق
1

كان فالتر بنيامين في المحل الأول ناقداً للأدب وللثقافة، مقدماً الإطار العام للأسئلة الرئيسية لما يعرف الآن باسم الدراسات الثقافية، وإن كان لم يقدم نظرية شاملة للثقافة، وكذلك كان ناقداً للحياة اليومية، على أن تعدد جوانب اهتماماته وأبحاثه ومشاريعه لا يقف عند هذا الحد؛ ذلك أنه لن يمنحنا سر خصوصية وإشكالية ماركسيته، إذا تجاهلنا علاقات نقدية متشابكة مع الفلسفة والتاريخ و«اليوتوبيا»، مع الكانطية الجديدة والأصلية، مع البلشفية ومدرسة فرانكفورت، مع البنيوية والتشيؤ والاغتراب وفيتشية السلع، مع اللاهوت السياسي، مع الفاشية وهتلر وموسوليني، مع التكنولوجيا واللغة، كما أنه كناقد أدبي وفني سيصول في مجالات الأدب والفن والتصوير الفوتوغرافي والسينما والعمارة والحداثة، والحقيقة أن بنود قائمة اهتمامات فالتر بنيامين في النقد أطول من أن تحصى.
حفلت حياة بنيامين بتجارب واهتمامات منذ ولادته في 15 يوليو 1892 في برلين، حتى انتحاره في 26 سبتمبر 1940 في المنفى، في المدينة الإسبانية الحدودية بورت بو، هارباً من الجستابو، وبين هذين التاريخين يجد القارئ كثيراً عن طفولته البرلينية، وتلمذته ودراساته الجامعية، وصداقاته المتنوعة، وتأثيراتها، وعلاقاته بأيديولوجيات تلك الفترة، وأبحاثه في الفن والعمارة وغيرهما، كما أنه سيُلم بأفكار عدد من أهم مؤلفاته: «الأنساب المختارة لجوتة، أصل مسرحية الحداد الألمانية، العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي، طفولة برلينية، مشروع بواكي باريس، أطروحات حول فلسفة التاريخ».

وكان بنيامين يرتبط بعمل ما مع معهد البحث الاجتماعي بفرانكفورت، وكان يحتفظ بمسافة نقدية إزاء الاتجاه السائد في نشاط المعهد، تحت تأثير صديقه الحميم بريخت، ويؤكد فيل سليتر، مؤلف كتاب «مدرسة فرانكفورت نشأتها ومغزاها.. وجهة نظر ماركسية»، أن العلاقة بين بنيامين ومدرسة فرانكفورت لا يمكن تحديدها بصفة نهائية حتى زمن تأليف كتابه (1977) بسبب السرية التي تحيط بملفات المدرسة، غير أنه يضيف أن مناقشة أعمال بنيامين تلقي ضوءاً نقدياً قوياً على أعمال مدرسة فرانكفورت في الفترة التي يجري بحثها (أي عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته).

على أن بنيامين هاجر مع صعود هتلر والنازيين إلى السلطة في ألمانيا في 1923 إلى فرنسا، وصار عضواً في معهد البحث الاجتماعي الذي كان يضم هوركهايمر، وأدورنو، وماركيوز، وغيرهم وقام بمحاولة للالتحاق بالمعهد، عندما هاجر من باريس إلى نيويورك، غير أنه انتحر ولم تتم المحاولة، وفي مقابل نخبوية وإلغاز أدورنو في نظريته الجمالية، كان بنيامين إلى حد كبير بتأثير بريخت ينطلق من إدراك تأثير السياسة على الأعمال الفنية.

على أن التهليل واسع النطاق الذي تلقاه بنيامين في بلده، وفي الخارج لم يكن مصحوباً (باستثناءات قليلة) بتقييم نقدي على قدر كبير من الحدة، كما يؤكد محررو كتاب «علم الجمال والسياسة» الذي يضم كتابات حول العلاقات المتوترة دوماً بين علم الجمال والسياسة بأقلام لوكاتش وبريخت وبنيامين وأدورنو. ويرى هؤلاء المحررون أن أفضل نقد لتطور بنيامين في مرحلته الأخيرة يبقى نقد صديقه وزميله أدورنو، الذي يصغره بأحد عشر عاماً: نقد لمشروع البواكي المكتوب في عام 1935 بعنوان «باريس عاصمة القرن التاسع عشر»، ولبحثه «العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي»، المكتوب في عام 1934 ولدراسته عن بودلير المكتوبة عام 1938 وكان النص الأخير المهم الذي كتبه بنيامين هو «أطروحات حول فلسفة التاريخ»، وقد اكتمل قبل وفاته في سبتمبر 1940 بأشهر قليلة، وكان له تأثير في التطور الفكري اللاحق لمدرسة فرانكفورت بوجه عام، وأدورنو بوجه خاص، فعلى الرغم من أن فالتر بنيامين لم تمتد حياته ليشهد النصف الثاني من القرن العشرين بحقائقه التاريخية وقضاياه الفكرية الجديدة، فإن مكونات فكره المتشابكة والغزيرة كانت قادرة على الإسهام في تبلور نظرية نقدية جديدة تخلت عن الماركسية، ودفعت هربرت ماركيوز إلى التعاطي برؤية جديدة مع قضايا فكرية مختلفة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2xd85urd