د. محمد فراج أبو النور *
لم يكن مفاجئاً لأغلب المراقبين أن تفشل اجتماعات ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف، في التوصل إلى اتفاق حول القاعدة الدستورية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة قبل نهاية العام. فقد جرت الاجتماعات في ظل وجود خلافات عميقة بين الأطراف المشاركة حول أهم القضايا المطروحة للنقاش من ناحية، وفي ظل غياب متعمد للمرجعية السياسية والدستورية والتنظيمية للملتقى ما أدى إلى غلبة عناصر تيار «الإسلام السياسي» وأنصارهم.
كان الأصل - وفقاً لخارطة الطريق– أن تشمل موضوعات النقاش معايير الترشح للرئاسة وعضوية البرلمان، وحدود صلاحيات كل من الرئيس والمجلس التشريعي، ونظام القوائم الانتخابية والتصويت.. الخ، وكلها موضوعات محددة، والاتفاق عليها ليس بالأمر بالغ الصعوبة، كما أن «خارطة الطريق» تنص بوضوح تام على موعد إجراء الانتخابات وهو يوم 24 ديسمبر 2021.
خلافات عميقة
غير أن جماعة «الإخوان» بدأت خلال الفترة التالية لتوقيعهم على «خارطة الطريق» في طرح قضايا خلافية خارجة تماماً عن إطار «الخارطة» كالدعوة إلى الاستفتاء أولاً على مشروع الدستور الذي أدته لجنة يسيطرون عليها عام 2017.. وفصل الانتخابات البرلمانية عن الانتخابات الرئاسية على أن يتم إجراء انتخابات البرلمان أولاً، ليقوم المجلس التشريعي بعد ذلك بانتخاب رئيس ذي صلاحية هامشية! أو أن يتم اعتماد مشروع (2017) كدستور مؤقت للبلاد لدورة برلمانية واحدة، على أن يقوم البرلمان بتعديله، مع علمهم أن البرلمان والتيارات الوطنية والمدنية لديها تحفظات جوهرية على مشروع الدستور الإخواني، وأن خارطة الطريق لم تذكر هذا المشروع أصلًا، وأن «الإعلان الدستوري» لعام 2011 وتعديلاته حتى (2012) يتحدث بوضوح عن صلاحيات واسعة للرئيس، وهو ما استند إليه رئيس البرلمان عقيلة صالح في تصريحات متكررة بأن الإعلان الدستوري نفسه يمكن اعتماده كقاعدة دستورية، مع سن قانون للانتخابات، دون حاجة إلى «قاعدة دستورية» جديدة، لكن ممثلي تيار «الإسلام السياسي» تجاهلوا كل ذلك. ووصل الأمر إلى طرح اقتراحات من قبيل تشكيل مجلس من الرئيس المنتخب ونائبه ورئيس الحكومة، يتولى مهمة القيادة العليا للبلاد، بل وصل الحديث إلى تأجيل الانتخابات لعام أو عامين ريثما تتم مناقشة اعتراضات الأطراف الأخرى على مشروع الدستور الإخواني (2017) ثم الاستفتاء على دستور جديد، بما يعنيه ذلك من شطب خارطة الطريق، التي تمثل أساس شرعية السلطة الانتقالية الحالية بجناحيها (المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية) وتمديد شرعيتها البرلمانية، وكذلك شطب قرار مجلس الأمن الدولي (2570) ومقررات «برلين 2».
والأكثر من ذلك فإن قيادات إخوانية مثل خالد المشري وزعماء الميليشيات الموجودة في غرب ليبيا، تحدثوا عن «استخدام القوة» في حالة إجراء الانتخابات مع تجاهل مقترحاتهم.
تغييب المرجعية
وبالرغم من التناقض الصارخ لكل هذه المقترحات مع نصوص خارطة الطريق وقرار مجلس الأمن (2570) المؤكد لها، ومقررات «برلين 2» فقد قررت بعثة الأمم المتحدة المشرفة على عمل ملتقى الحوار السياسي تشكيل لجنة استشارية لتلقي مقترحات أعضاء الملتقى حول «القاعدة الدستورية» انعقدت في تونس (25-27 يونيو) بغض النظر عن توافقها مع خارطة الطريق أو قرار مجلس الأمن أو مقررات «برلين 2»، ورفعت اللجنة تقريرها إلى اجتماعات جنيف للملتقى، حيث لقيت رفضاً قاطعاً من ممثلي «الشرق» و«الجنوب» الليبيين، فقررت البعثة الأممية تشكيل «لجنة للتوافقات» بين مواقف الأطراف المختلفة.. غير أن هذه اللجنة بدورها لم يكن تشكيلها متوازناً إذ تكونت غالبيتها من جماعة طرابلس، الأمر الذي دفع الفريق الآخر إلى التهديد بالانسحاب من أعمال الملتقى، فتم إعادة تشكيل اللجنة بما يخفف من عدم التوازن.
ومع ذلك وجدنا مقترحات من قبيل تشكيل برلمان من غرفتين (مجلس نواب ومجلس شيوخ) على أن يكون مقر النواب في بنغازي ومقر الشيوخ في طرابلس أو سبها عاصمة الجنوب، وكذلك مقترح بانتخاب الرئيس من جانب البرلمان وهو ما يتناقض بوضوح مع الإعلان الدستوري (2011) وهكذا أصبح واضحاً استحالة الاتفاق وفشل الاجتماعات.
ولا بد هنا من الإشارة إلى الإدارة السيئة للاجتماعات من جانب البعثة الأممية فهي تقبل بمناقشة مقترحات خارجة عن «خارطة الطريق» وتشكل لجنة استشارية لتلقي الاقتراحات، ثم «لجنة للتوافقات» غير متوازنة، ثم تعيد تشكيلها.. وفي المحصلة نجد أن مقترحات خارجة عن «الخارطة» والمقررات الدولية الأخرى، ومحاولة لفرض إطار للمناقشات مختلف تماماً عن الإطار الأصلي المفروض الالتزام به، سواء من الناحية السياسية أو الدستورية والقانونية، أو التنظيمية.
علماً أن هذه المناقشات تجري في إطار شكل غير متوازن في اختيار أعضائها منذ البداية. وفي ظل مناخ كهذا فإن تجاهل المرجعيات الدولية والمحلية المعتمدة يتسم بخطورة أكبر، ويجعل المناقشات قابلة للتلاعب تحت تأثير المال السياسي وهو ما أصبح الحديث عنه يدور علناً في ليبيا مؤخراً.
وحتى بغض النظر عن هذه النقطة الأخيرة فإن تجاهل المرجعيات يفتح الباب لاتساع شقة الخلاف ومن ثم للفشل.
خارطة تتعثر
من ناحية أخرى من المعروف أن تنفيذ خارطة الطريق يتعثر بصورة واضحة سواء من ناحية توحيد القوات المسلحة أو خروج «جميع» القوات الأجنبية والمرتزقة، أو حل الميليشيات.. وكذلك من ناحية تغيير شاغلي المناصب السيادية الرئيسية كالمصرف المركزي وهيئات الرقابة المالية، ومن بين هذه المناصب ما هو متصل بالاستخدام الانتخابي المرتقب، رئاسة «المفوضية العليا للانتخابات».. ومعروف أن رئيسها عماد السايح من الموالين ل«الإخوان» وموجود منذ عهد حكومة السراج وله تصريحات تخرج عن نطاق وظيفته ذات الطابع التنظيمي إذ يعلن فيها عن انحيازه لانتخاب رئيس الدولة من جانب البرلمان، وأن تكون صلاحياته هامشية، ما يفقده تماماً صلاحية الاستمرار على رئاسة هيئة ذات صلاحيات خطيرة في تسجيل الناخبين وتنقية السجلات الانتخابية من الموتى وفاقدي الأهلية «لأي سبب كان».. ومعروف أن السجلات الانتخابية هي باب واسع للتلاعب في الانتخابات في بلدان العالم الثالث.
خلاصة القول.. إن عمق الخلافات والتغييب المتعمد للمرجعيات المعتمدة، وفي مقدمتها خارطة الطريق، وسوء إدارة البعثة الدولية لاجتماعات جنيف قد أدت بهذه الاجتماعات إلى الفشل وتأجيلها حتى إشعار آخر.. وواضح أن نجاحها سيكون مرهوناً باستبعاد عوامل الفشل التي أوضحناها.
* كاتب مصري