الشارقة: علاء الدين محمود

في بعض الأنماط الإبداعية كالسينما بصورة خاصة، هنالك جائزة مخصصة من قبل المتابعين من المتلقين العاديين تسمى ب«جائزة الجمهور» في المهرجانات السينمائية الكبيرة بعيداً عن لجان التحكيم أو النقاد، فالجمهور يقوم باختيار أفضل فيلم وأفضل ممثل وهكذا، وغالباً ما تكون هذه الاختيارات حاسمة جداً ومفرحة للمشتغلين في السينما أكثر من اختيارات النقاد ولجان التحكيم، وهذا الأمر صار ثقافة وجزءاً من حياة صناعة الأفلام في الغرب، ولعل من أكثر الأشياء الحاسمة في وجود جوائز من قبل الجمهور في ذلك المجال هو وجود حركة إبداعية قوية بحيث أن الجمهور نفسه قد تشبع بالثقافة والمعرفة البصرية السينمائية، الأمر الذي شكل لديه الكثير من التجارب والمعارف والرؤى، فتضاءلت المساحة الفاصلة بين المتلقي العادي والناقد المتخصص، بالتالي صارت العلاقة بين منتج النص أو العرض والمتلقي.

ذلك الأمر عينه حدث في الكثير من الدول الغربية مع موضوع القراءة والاطلاع، حيث صارت هناك جوائز يقدمها الجمهور للمبدعين من الكتاب والمؤلفين في العديد من المجالات الأدبية مثل الرواية والقصة والشعر، ولعل من أبرزها جائزة «القراء» الفرنسية، حيث يشارك الجمهور في اختيار العمل الأدبي الأفضل وكذلك الكاتب، بل ونجد خيارات القراء موجودة كذلك في أعتى الجوائز الأدبية الفرنسية التي تهتم بترشيحات القراء، وهناك أيضاً، في فرنسا، جوائز كاملة يمنحها القرّاء، مثل: جائزة «غونكور للطلّاب» وهي أحد فروع جائزة «غونكور» العريقة والأفضل في فرنسا، وهناك أيضاً جائزة «أنتر»، وجائزة قارئات مجلة «إل»، وهي مسابقات تتمتع بصدقية عالية، لأنها تتم بعيداً عن أجواء الصالونات الباريسية ولجان التحكيم والنقاد، وهي الآن تفرض نفسها بقوة بعد أن صارت تحظى بشعبية كبيرة، وتجد كذلك اهتماماً أكبر من الكتاب أنفسهم الذين يهمهم في المحصلة الأخيرة أن ينالوا رضا الجمهور وقبولهم، وأن تجد مؤلفاتهم حظها من الانتشار والتوزيع الكبيرين، وما كان لذلك الأمر أن يحدث لولا وجود حركة ثقافية عريقة وتاريخية في فرنسا وغيرها من الدول الغربية، حيث يتمتع المتلقون بالخبرة الكافية لاختيار الأعمال الأدبية المفضلة والتي تستحق الاطلاع، إلى حد أن كثيراً من الدراسات قد عدت تلك الجوائز كقياس حقيقي للمحتوى الجيد؛ إذ إنها تتم بعيداً عن الاعتبارات الأيديولوجية والمحاباة والعلاقات العامة.

كرنفال

وهنالك مسابقة أو جائزة «جود ريدز»، وهي عبارة عن كرنفال يحتوي على برنامج جوائز سنوي يمكن المشاركين فيه من التصويت للكتب الأفضل في عدد من مجالات الكتابة الإبداعية، حيث تقوم فلسفة المسابقة في الموقع على رؤية واختيار المتلقي نفسه، لتصبح تلك المؤلفات التي يفضلها القراء هي الأكثر شهرة وانتشاراً بل والأكثر مبيعاً، وبالطبع فإن الكثير من المشاركين في تلك المسابقة يتمتعون بالخبرة والثقافة اللازمة التي تعينهم في عملية الاختيار والتي تصدر من رؤية نقدية يقدمها القارئ، ولأن هذا الموقع يستخدم لغات كثيرة فإن المشاركة تأتي واسعة ومن مختلف أنحاء العالم، لكن بطبيعة الحال فإن التفاعل في العالم الغربي هو الأكبر، وذلك لأن القراءة نفسها صارت ثقافة ومحور اهتمام كبير من المجتمع، حيث إن عملية الاطلاع لم تعد تلك التي تتم في المكتبات المغلقة الصامتة، التي تشير إلى النخبوية، بل تجاوزتها إلى الأماكن العامة من مقاه ومنتديات، بل وصارت تمارس حتى في المواصلات العامة والأندية المكتظة بالجمهور.

انتصار

يشير كل ذلك إلى أن القراءة لم تعد تتعلق بفئة محدودة من المثقفين، بل باتت تعبر عن ضرورة حياتية يقوم بها كل البشر في البلدان المتقدمة، ولذلك ظهرت في تلك الدول الأندية والروابط والاتحادات التي يقيمها وينشئها القراء أنفسهم، فصارت لهم سطوة وسلطان في اختيار الكتب المفضلة، بل وبرزت الدراسات والأبحاث المتخصصة في معرفة اتجاهات وتفضيلات القراء أنفسهم، ومن خلال تلك المناخات الإيجابية برزت أفكار ونظريات تنتصر للقارئ مثل «موت المؤلف»، للفيلسوف والناقد واللساني رولان بارت، وهي مقولة من صلب عملية القراءة نفسها، حيث إنها تعمل على تفكيك العلاقة بين القراءة والكتابة وبين مرسل النص ومستقبله وصولاً إلى المكانة الفريدة التي يحتلها القارئ الحقيقي الذكي، وكذلك هناك نظرية «موت الناقد»، للكاتب رونان ماكدونالد، والذي أعلن صراحة أن الناقد قد مات، وأخلى مكانه للقارئ الذي يستطيع الآن وفي ضوء تطور وسائل الاتصال، أن يضفي قيمة على الأعمال الإبداعية التي يطلع عليها دون حاجة إلى ناقد متخصص يرشده ويدله على ما يستحق القراءة وما لا يستحق. لقد أعلن ماكدونالد بتلك الكلمات نهاية الوصاية، والتي يقصد بها وصاية الناقد على القارئ، الذي أصبحت له أدواته ووسائله في قول كلمته مثل المدونات والمواقع التي تتيح لأي شخص الكتابة عن المؤلفات، بالتالي حل القارئ محل الأقلام المتخصصة، ووفقاً لكل ذلك فإن القارئ مؤهل ليدلي بدلوه واختيار الكتب التي يراها جديرة بالجوائز.

إشراقة

ولكن بطبيعة الحال ثمة بعض الإشراقات، ومن الضروري أن يتم الاقتداء بها، جائزة مثل جائزة القراء الشباب للكتاب المغربي، انطلقت سنة 2016، تشرف عليها شبكة القراءة بالمغرب وتدعمها وزارة الثقافة المغربية، والكتاب الفائز بأعلى تصويت من طرف القراء الشباب يحتفى به في حفل تنظمه شبكة القراءة بالمغرب بشراكة ودعم من وزارة الثقافة والشباب والرياضة، بالتالي فإن تعميم مثل هذه التجربة يشكل تحدياً إيجابياً.