حوار: محمد علاء
متمسكاَ بابتسامته المعهودة وتواضعه الملحوظ وعدد غير محدود من الحلوى في جيبه، يرحب بك موهان جاشنمال جانجياني، في أي مكان تقابله، ناشراً الابتسامة والسعادة؛ ويشترط عليك قبل أن تأخذ الحلوى أن تبتسم.. جاشنمال رجل أعمال هندي سطَّر بمسيرته الممتدة لنحو 57 عاماً في إمارة أبوظبي، أروع أمثلة النجاح في الأعمال والتجارة، وكان نافذة لتطوير هذا المجال في الإمارة في مراحل الاتحاد والنهضة الشاملة للدولة.
يقول جاشنمال إنه ولد في مدينة كراتشي عام 1938 في إقليم السند قبل التقسيم (تقسيم الهند وباكستان إلى دولتين 1947).. جاء جاشنمال أول مرة إلى أبوظبي عام 1964 مديراً لشركة «جاشنمال وأولاده»، حيث أدّى هو ووالده وإخوته دوراً فعالاً في نقل أعمال جاشنمال إلى المستوى الذي هي عليه اليوم، مضيفاً أن مجموعة الشركات العاملة في القطاع الخاص تجري عملياتها عبر 100 متجر وتوظف أكثر من 2200 موظف.
يضيف: «افتتح والدي متجر جاشنمال وأولاده Jashanmal & Sons لبيع منتجات بريطانية للقوات المتمركزة في أبوظبي، حيث كانت الإمارات آنذاك تحت حكم البريطانيين، حتى أننا قمنا ببيع الصحف اليومية البريطانية، حيث كان أفراد القوات البريطانية يتطلعون إلى قراءتها كل يوم.
أول رحلة
يقول جاشنمال مبتسماً: رحلتي الأولى لأبوظبي كانت ملأى بالمرح، حيث مع عدم وجود مطار كان هناك مدرج هبوط طائرات فقط بين كومة من الكثبان الرملية وسيارة جيب حمراء لغرفة التحكم لتتابع الطائرة وتتابع عملية تنزيل الركاب بسلام، كنت مسافراً مع زوجتي، فانيثا، في طائرة مروحية ذات ثمانية مقاعد، الكثبان الرملية كانت السمة الرئيسية للطبيعة الجغرافية في أبوظبي، لم يكن هناك سوى أرض مسطحة بين كومة من الكثبان الرملية وقام الطيار بالمناورة بمهارة للقيام بهبوط آمن، تلقت زوجتي تعليمها في الولايات المتحدة وكانت مذعورة خلال عملية الهبوط، ظلت تسألني عما إذا كنا سنهبط بسلام أم لا وظللت أطمئنها أن كل شيء سيكون على ما يرام.
ويضيف: في ذاك الوقت لم يكن للجمارك وجود، فقط شرطي يحمل عصا يطلب من الناس فتح حقائبهم ويفحصها، أتذكر ذلك الآن.. الأمر ممتع ومغامرة إلى حد ما.
لا كهرباء ولا ماء
ويشير جاشنمال إلى عدم وجود مياه شرب نقية وقليل من الكهرباء في ذاك الوقت، قائلاً: الأثرياء فقط هم من يستطيعون شراء المولدات الكهربائية في منازلهم، والتي تهتم بالأضواء الأساسية والمراوح، كان للمولدات أسلاك ممتدة في جميع أنحاء المنزل ولم يكن المنظر ممتعًا ولم تكن هناك كهرباء للفقراء.
التنقل
وعن التنقل في ذاك الوقت يقول جاشنمال: على عكس اليوم، كان السفر بين إمارة وأخرى في الستينات يستغرق ما يقرب من أربع ساعات، حيث إن أحد الطرق الشعبية - الطريق الذي نسلكه اليوم عبر جسر المقطع كان يتكون من أربع حارات إلى دبي - كان متاحاً فقط أثناء انخفاض المدّ، وعند ارتفاع المدّ يصبح الطريق مغطى بالرمال.
ويضيف: الطريقة الوحيدة للوصول إلى دبي كانت على ظهر جمل أو بسيارات الدفع الرباعي، عادة ما يقوم السائقون بتجهيز سياراتهم ذات الدفع الرباعي بمجرفة وبعض الطعام وخزان مياه وبنزين، وعادة ما نتبع المسارات الصحراوية لكن هذه المسارات تختفي مع العواصف، لذلك كنا دائماً نحمل معنا بوصلة نعرف بها الطريق وأين نحن وإلى أين نتجه.. كانت البوصلة خريطة جوجل الخاصة بنا في ذلك الوقت.
تريد مياهاً.. توجه إلى دبي
وعن ندرة المياه يقول جاشنمال: لم يكن هناك سوى المياه القليلة الملوحة بأبوظبي في الستينات، حيث كانت تأتي في براميل تفوح منها رائحة الديزل من البحرين وقطر، وفي نهاية الأسبوع كنا نتوق للاستحمام بالمياه العذبة لغسل الملح وإزالته من على أجسامنا، ولذا في نهاية كل أسبوع كنت أنا وزوجتي نزور أخي في دبي الذي كان يعيش في ساحة ناصر في ذلك الوقت.
يضيف: هذه القصة تدفعني لأتذكر أني استوردت في ذلك الوقت بسبب ندرة المياه العذبة فلاتر مياه من المملكة المتحدة وبيعها لسكان أبوظبي وهو ما نمى وساهم في تطور محل جاشنمال في أبوظبي، وفي ذلك الوقت - عام 1965 - كانت المياه العذبة متوافرة في العين، حيث تم بناء أنبوب تحت الأرض من هنا على طول الطريق إلى أبوظبي، وكان توصل المياه إلى عتبة بابنا على حمار.
أبوظبي قديماً
يقول جاشنمال إن معظم الناس كانوا يعيشون بالقرب من ضفاف المياه أو الكورنيش كما نعرفه الآن، كانت منطقة شارع حمدان منطقة شعبية يعيش فيها الناس، وكان أول متجر لمحل جاشنمال يقع أيضاً بالقرب من الشاطئ. كان مبنى من طابق واحد، حيث بمجرد رسو القوارب على الشاطئ يرون المحل مباشرة.
وعن العلاقة بين العرب والهنود يؤكد جاشنمال أنه لطالما كانت هناك علاقة قوية بيننا وهي في تنام مستمر في الماضي وفي الحاضر وإن شاء الله في المستقبل.
الشيخ زايد
يتذكر جاشنمال باعتزاز حديثه مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، عن تنمية وتطوير أبوظبي والإمارات، قائلاً: كان الشيخ زايد رحمه الله يأتي ويجلس في متجري ويتحدث معنا كثيراً، وخلال إحدى زياراته، طلب مني أن أقدم له صوراً للحدائق والمباني الشاهقة، كان يحلم برؤية أبوظبي خضراء مع المباني الشاهقة ومن الجميل أن نرى كيف حقق ذلك في كافة إمارات الدولة بفضل رؤيته الثاقبة، أنا فخور جداً بأنني تمكنت من الجلوس معه والتفاعل معه من كثب.
ويشير إلى أن الشيخ زايد قال له: يا جاشنمال هذه بلاد المسلمين لكن ديننا دين المعاملة لا يهمني إذا كان الفرد هندوسياً أو بوذياً أو مسيحياً ولكن ما يهمني هو المعاملة الحسنة والحفاظ على القوانين والمشي على الصراط المستقيم.
مقومات النجاح
يقول جاشنمال: كان عليَّ أن أعمل بجد لإثبات نفسي. ويتذكر أيضاً حادثة غيرت حياته إلى الأبد: ذات يوم دخلت دورة المياه في مكتبي ووجدتها متسخة، لذلك طلبت من موظفي مكتبي تنظيفها وكان هناك إغلاق في المتجر لمدة ساعة، بعد ذلك توجه شقيقي نحوي وأمام الجميع طلب مني تنظيف المرحاض وقمت بذلك دون تردد.. حتى اليوم أنا حريص على عدم التصرف بطريقة مستبدة مع زملائي، إذا رأيت منديلاً ملقى على الأرض، يسعدني أن ألتقطه وألقيه في سلة المهملات. أنا لا أنتظر شخصاً ما ليفعل ذلك، التواضع هو مفتاح النجاح إذا كنت تريد كسب قلوب زملائك وعملائك.
افعلها بنفسك
يؤكد جاشنمال أنه غرس في عائلته مفهوم افعلها بنفسك، إذا كنت تبيع منتجًا، يجب أن تعرف كيفية استخدامه، لذلك أخبرني والدي ذات يوم أنني ذاهب إلى المنزل في المملكة المتحدة لبيع مكانس هوفر الكهربائية، تلقيت تعليمات بالطرق على الأبواب وبيع الآلة لسيدة في المنزل، كنت في الأساس بائعاً متجولاً من الباب إلى الباب، وأتذكر أن هذه كانت تجربة نشطة حيث تعلمت حيل التجارة وفن البيع، سيدة المنزل تفتح الباب وكنت أضع قدمي على الفور على الباب حتى لا تغلق الباب في وجهي، أود أن أعرض خدماتي مجانًا لتنظيف شقتها باستخدام آلة هوفر الفاخرة الخاصة بي، عندما سمعوا كلمة مجاني، سمحوا لي بالدخول بكل سرور وبحلول الوقت الذي انتهيت فيه كانت السيدة تقدم لي الكعك والبسكويت والشاي.
شعار الأعمال
من وصفته للنجاح، كما يقول جاشنمال، كن متواضعاً، وابتسم دائماً واشكر عميلك، عندما يكون لديك عميل مبتسم يكون قد تم تنفيذ 50 في المئة من عملية البيع تذكر هذا دائماً، عندما يصبح السوق صعباً، تصبح أكثر صرامة.
الإقامة الدائمة
تقديراً لجهوده في تشكيل قطاع التجزئة في أبوظبي، تلقى جاشنمال الإقامة الدائمة من حكومة أبوظبي عبر كتاب خاص من صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله حيث كان يشغل آن ذاك سموه منصب ولي عهد أبوظبي في 11 مارس 1991، تمنحه بموجب هذا الكتاب وزوجته وأطفاله الإقامة الدائمة في الإمارات، وفي عام 2011، حصل من حكومة الهند على وسام «بافرسي سامان» وهو أعلى وسام يمنح للهنود المغتربين من حكومة الهند - من رئيسة الهند آنذاك، براتيبها ديفينيش باتيل.
صعوبات
يقول جاشنمال إن كل هذا لم يأت على طبق من فضة.. كان عليه أن يشق طريقه إلى أعلى السلم، علمه والده وشقيقه الأكبر قيم التواضع والنزاهة والعمل الجاد ويقول إن هذه هي الطريقة التي أسهم بها في إمبراطورية جاشنمال، مضيفاً أنه يشعر بأنه واحد من مكونات هذه الدولة العريقة حيث يفضل دائماً ارتداء الزي الإماراتي التقليدي، حيث يناديه الناس موهان العرب.
الإمارات
يؤكد دائماً جاشنمال أن الإمارات بلده الثاني ومكان عيشه واستقراره ونمو أعمال، مضيفاً أنَّه لولا الرؤية الثاقبة لحكام الإمارات حفظهم الله ما كان لتجارته وأعماله وجود، قائلاً: هذه الدولة التي أسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه وسار على نهجه أبناؤه، طبّقت مفهوم الأمم المتحدة على أرض الواقع فترى المقيمين من مختلف الجنسيات والأديان والأعراق والثقافات يعيشون بتناغم وسلام وتسامح.
يضيف أنه إذا طبقت كل الدول هذه الاستراتيجية في سياساتها، فستنتهي الحروب والنزاعات من العالم وسنعيش بسلام كلنا إخوة نحو هدف تعمير الأرض.