مارلين سلوم
بعد «الكنز» بجزأيه (الحقيقة والخيال 2017، والحب والمصير 2019)، ورائعته «الممر» 2019 أيضاً، لم يتوقع الجمهور أن يعود المخرج شريف عرفة مجدداً إلى الكوميديا على الرغم من نجاحه فيها سابقاً في أعمال كثيرة، سواء مع النجم عادل إمام أو أحمد حلمي والراحل علاء ولي الدين. كوميديا شريف عرفة مختلفة، تخرج عن كل الأطر التقليدية، يفاجئنا كعادته بأفكار وأدوات وتقنيات تُبهر الجمهور، كما يفاجئنا بإعادة محمد هنيدي إلى صدارة الإيرادات في شباك التذاكر، وإعادة رونقه في الكوميديا، وكأنه يولد من جديد. فيلم «الإنس والنمس» المعروض في الصالات فيلم غير عادي ويصح فيه القول «الساحر الساخر».
بعد أحدث لقاء بين شريف عرفة، ومحمد هنيدي في «فول الصين العظيم» عام 2004 الذي لم يكن مبهراً، جاء لقاء «الإنس والنمس» 2021 مختلفاً تماماً. الفيلم كوميدي أولاً، يشبه أفلام «فندق ترانسيلفينيا» لشركتي «سوني» و«كولومبيا بيكتشرز»، غلافه الخارجي رعب وأجواء إثارة، ومضمونه كوميديا تسخر من مواقف اجتماعية ومن لقطات سينمائية يسخر فيها المخرج من مشاهد تقليدية تتكرر في معظم الأفلام بلا داعٍ.
القصة بعيدة عن الواقع، أرادها مؤلفها شريف عرفة الذي شاركه في كتابة السيناريو والحوار كريم حسن بشير، خيالية بشكل كامل عن الشاب تحسين (محمد هنيدي) الذي يعمل في بيت للرعب ينتظر صاحبه الحصول على ترخيص يتيح له العمل بشكل فعلي. يبرّد المخرج نيران الرعب التي قد تُشعر الجمهور بشيء من الرهبة أو الخوف، من خلال انتقال سريع إلى الكوميديا، فيثير ضحك الجمهور، لا ذعره. يعيش الشاب حياة عادية مع عائلة مكونة من أمه (عارفة عبد الرسول) وأخته (دنيا ماهر) وزوجها (محمود حافظ) وابنهما الصغير. أخته وزوجها مهووسان بتصوير كل لحظة من حياتهما «لايف» لنقلها مباشرة إلى الناس. بداية الفيلم كوميدية بامتياز تدفعك للضحك من القلب، خصوصاً في مشهد اجتماع عائلة تحسين داخل الحمام.
في المقابل نارمين (منة شلبي) من عائلة النمس، تنزل إلى الشارع بهدف إيجاد عريس، وتشاء الصدفة أن يحميها تحسين من حادث سير فيصاب هو وتسرع لإنقاذه فيأتي بعض من دمائه على يدها. ولأنه في قاموس عائلة النمس، وهم من الجن، من يلمس دمه بدن ابنة النمس لا بد أن يتزوجها، فنارمين مجبرة على طاعة أوامر خالها الشهاوي (عمرو عبد الجليل) بالزواج من «إنسان» كي تنجب طفلاً يجمع بين الإنس والجن. آسيا (صابرين) والدة نارمين قاسية لا ترحم، تراقب ابنتها وتصر على جذب تحسين كي يقع في الفخ ويتم التلقيح، وحين يتأكدون من حمل نارمين يتخلصون من «الإنسان» (كما يسمون تحسين).
مجموعة أبطال
محمد هنيدي بطل أول، لكنه محاط بمجموعة أبطال أقوياء، وكعادته يعرف شريف عرفة كيف ومن يختار من الممثلين، ويضع كل واحد في الدور المناسب له، منة شلبي رشيقة تخطف الكاميرا على الرغم من بساطة دورها وقلة مشاهدها، صابرين مناسبة جداً لدور آسيا القاسية، عمرو عبد الجليل كثير الظهور ومتألق في أداء دور الجن المتحكم في كل شيء والشرير اللئيم، بيومي فؤاد أيضاً متألق في دور أشموح الجني بكل حركاته وحتى في الفقرة الاستعراضية التي يقدمها، وهذه ميزة عرفة في إخراج كل جديد من أي فنان يعمل معه. ومن المميزين أيضاً في الفيلم شريف دسوقي مجسداً والد محمد هنيدي، دور مختلف تماماً، على مقاس موهبة دسوقي التي مازالت تفيض وتتجدد.
كثيرة الرسائل والإشارات التي يبعثها شريف عرفة وعلى الجمهور حسن التقاطها طوال مدة الفيلم؛ أي نحو ساعتين، مثل أسماء الرجل العملاق الذي يجسد مجموعة توائم يتولى كل منهم نقل تحسين إلى قصر النمايسة، واحد اسمه السافل والثاني التافه والثالث الواطي. الاحتفال الذي يقيمه كبير الجن يضم «كل أولاد الحرام والناس القذرة».
ويقول شهاوي: «البشر أغبياء نحرضهم حتى يقضوا على بعضهم».
يستخدم المخرج كثيراً من رموز الرعب التقليدية المعروفة في الأفلام العالمية مثل الخفافيش، والقصر الذي يشبه بيت الرعب والزومبي والأصوات والشخصيات المشوهة مجتمعة في حفل ضخم كأنها حفلة تنكرية. ويستعين بمشاهد صارت كلاسيكية في السينما العربية دون أن يكون لها أي مبرر مثل مشهد ركض الحبيبين خلف بعضهما بعضاً، ويصل فيه المخرج إلى قمة الكوميديا بجعل نارمين تركض ببطء وخلفها تحسين مرة يعرج ومرة على كرسي متحرك. وفي مشهد آخر يسخر من النظرة السينمائية المعتادة لبعض الشخصيات إلى البعيد بلا داعٍ أيضاً، ويجمع آسيا وشقيقها شهاوي وهما ينظران إلى البعيد فيسألها «إحنا بنبص على إيه؟»، فتجيبه: «مش عارفة».
ميزة عرفة أنه لا يفتعل المواقف ولا يستعين بالابتذال كي يجبر جمهوره على الضحك؛ بل يُحكم صناعة المشهد من كتابة وحوار وحركة وتصوير فيضحك الجمهور بشكل تلقائي وحقيقي، وهنا سر صناعة الكوميديا بحرفية.
عوامل النجاح
الكتابة سلسة غير معقدة، تجر معها سلاسة في مسار الأحداث. وضوح بلا حاجة للعودة إلى «الفلاش باك». التركيز على ملامح هنيدي التي تثير ضحكات الجمهور بما فيها الفارق في الطول بين قامته وقامة من يرافقه إلى قصر عائلة النمس. ومن أسباب نجاح الفيلم، إضافة إلى الإخراج والتمثيل والفكرة، الملابس لإيناس عبد الله والديكور والجرافيك للمونتير عمرو عاكف، ما يجعل الفيلم بمواصفات الأفلام العالمية، ويذكرنا في بعض المشاهد بفيلم هاري بوتر، فضلاً كما ذكرنا عن سلسلة «فندق ترانسيلفينيا».
نجح أخيراً محمد هنيدي في استعادة مكانته والدور المناسب وصدارة شباك التذاكر، لكن ماذا بعد تعاونه مع شريف عرفة؟ ولماذا يبقى محصوراً في دور «طالب القرب»، العريس الذي يتقدم لطلب يد حبيبته وهو غير ميسور الحال؟ يليق به الدور لما فيه من لقطات كوميدية، لكن دور الأب يليق به أيضاً وهو في المرحلة العمرية التي تفرض عليه الانتقال إلى المقلب الآخر من القصص الاجتماعية والتي بلا شك، لن تخلو من المواقف الكوميدية المضحكة والمقنعة.