إعداد:معن خليل
يفكر المدربون كثيراً ليلة المباراة عندما يكون منافسهم يملك لاعباً صاحب مهارات عالية، يشكل أحياناً في فعاليته وقدرته على حسم المواجهة أكثر من نصف فريقه، لذلك فإنهم اهتدوا منذ القدم إلى تكتيك تطلق عليه تسمية «كلب الحراسة»، أي تكليف لاعب من فريقهم بمراقبة ذلك اللاعب «العبقري».
الأرجنتيني ليونيل ميسي كان واحداً من هؤلاء العباقرة الذين عانوا «كلب الحراسة»، ورغم أنه واجه الكثير من المدافعين الأقوياء، إلا أن من جعله ضيف شرف في إحدى المباريات لم يكن سوى شاب في الـ20 من عمره، هو بابلو مافيو لاعب نادي جيرونا الذي صعد إلى «الليغا» في 2017 لأول مرة في تاريخه، وخوفاً من هزيمة ثقيلة أمام برشلونة تم تكليف مافيو من قبل مدربه بمراقبة ميسي، ونجح في مهمته، ورغم الخسارة بثلاثية نظيفة فإن النجم الأرجنتيني لم يسجل أي هدف منها، وبدا أحياناً كضيف شرف.
أطلق بابلو مانشين مدرب نادي جيرونا السابق تصريحاً مثيراً قبل اللقاء، فعندما سئل عن الطريقة التي سيعتمدها لإيقاف ليونيل ميسي أجاب بطريقة طريفة:«نستطيع إيقافه ربما لو وضعنا له شيئاً في طعامه، أو لو وضعنا قناصاً بالمدرجات»، ثم اهتدى إلى أسلوب قديم جديد في مراقبة النجوم، وهو المراقبة اللصيقة التي يطلق عليها البعض «كلب الحراسة».
وقامت فكرة مانشين على أن كرة القدم تلعب عادة بعشرة لاعبين ضد عشرة في الملعب، لكن مع وجود ليونيل ميسي فإن برشلونة يلعب بأكثر من عشرة بالنظر إلى مهاراته الفنية الخارقة، لذلك كلف لاعبه بابلو مافيو بمراقبته والبقاء معه كظله، ليلعب الفريقان تسعة ضد تسعة وليفوز الأفضل، وهكذا سار «السيناريو»، ففاز برشلونة ولم يسجل ميسي بسبب مضايقة مافيو له.
وعندما سئل المدرب مانشين عن الفائدة التي جناها من وراء طريقة المراقبة، قال «عندما تلعب بمسدسات والمنافس يواجهك بمدفع، فالنتيجة محسومة للمدفع، وأنا لم أكن سعيداً من النتيجة، لكن في الوقت نفسه استطاعنا تحجيم خطورة اللاعب الأفضل على كوكب الأرض».
وكانت مفارقة ميسي ومافيو هي حديث الصحف العالمية بعد المباراة واعتبر بعضها، ولاسيما صحف العاصمة الإسبانية التي تؤيد ريال مدريد الغريم التقليدي لبرشلونة أن «ميسي وقع في سجن لاعب مغمور».
وبالتأكيد إن مافيو البالغ من العمر 20 سنة وقتها هو لاعب مغمور، لكن بعد اللقاء مع برشلونة لم يصبح اللاعب الشاب كذلك، فقد تناقل الجميع قصته من حيث بدأ لعب كرة القدم في عام 2002 مع فريق ليفانتي لاس بلاناس، ثم انتقل في السنة التالية إلى نادي إسبانيول، حيث لعب عشرة أعوام، قبل أن تلفت موهبته أنظار كشافي مانشستر سيتي ليوقع للنادي الإنجليزي في 2015، والذي أعاره بدوره إلى جيرونا.
واعترف مافيو بعد المباراة: «أوكل إلي المدرب مهمة مراقبة ميسي، وأعتقد أني نجحت في ذلك، لكنه أصعب عمل يمكن أن أقوم به، وخلال المباراة كان ميسي لطيفاً معي وسألني عن عمري، وإن كنت حقاً معاراً من مانشستر سيتي.. كنت سعيداً باهتمام أفضل لاعب في العالم بي».
جنتيلي ومارادونا
لم يكن ميسي وحده من عانى مراقبه اللصيق، فهناك أيضاً لاعبون عباقرة آخرون أمثال البرازيلي بيليه والراحل الأرجنتيني دييجو مارادونا، والإيطالي روبرتو باجيو والفرنسي زين الدين زيدان، وإن كان المدافع الإيطالي كلاوديو جنتيلي أشهر من قام بمهمة «كلب الحراسة» على مر تاريخ كرة القدم.
و«كلب الحراسة» أو كما يطلق عليه باللغة الإنجليزية «جارد دوج»، كانت تستعمل قديماً للحفاظ على الممتلكات سواء كانت من المواشي أو غيرها، لكن المصطلح اشتهر في كرة القدم للدلالة على المراقبة اللصيقة التي يفرضها لاعب على آخر.
ويعتبر الإيطالي جنتيلي أشهر من أجاد مفهوم «كلب الحراسة» في كرة القدم حديثاً وقديماً بعد قدرته على إيقاف نجوم كبار مثل مارادونا وزيكو ورومينغيه خلال مباريات منتخب بلاده في مونديال 1982، ويقال إنه السبب الرئيس لفوز «الأزوري» باللقب آنذاك.
ويملك جنتيلي فلسفة خاصة بمراقبة النجوم، وهو مازال يرى أنه ضرورة في كرة القدم الحديثة، ونصح المدربين بعدم الاستغناء عن هذا الأسلوب، وهو أكد في تصريحات سابقة له مع بروز ميسي منذ 2009، أن«الطريقة التي كانت تتبع لإيقاف مارادونا في السابق ينبغي أن تتبع مع ليونيل ميسي في الوقت الحالي»، ويفسر ذلك بالقول: «في كل مرة يلتقي فيها أي فريق مع برشلونة فإنه يخسر فقط لأن ميسي يلعب، وبالتالي يجب العمل على إيقاف اللاعب الأوحد في برشلونة».
وجاءت شهرة جنتيلي خلال مباراة إيطاليا والأرجنتين في كأس العالم 1982، حيث أوقف خطورة مارادونا تماماً بل جعله يفقد السيطرة على نفسه، لتصبح هناك عداوة بين اللاعبين، حتى إن الأسطورة الأرجنتينية الراحل وصفه بـ«القاتل وليس لاعب كرة قدم».
ليست لعبة باليه
لكن جنتيلي كان يرد دائماً على من ينتقد طريقة لعبه العنيفة ويقول إن «كرة القدم ليست لعبة باليه»، وهو أيضاً صاحب مقولة «المهاجم والكرة لا يعبران، فقط أحدهما يعبر»، وهو نفذ ذلك في الملعب أمام مارادونا وأشاد الجميع به، حين حد من خطورة الظاهرة دييغو في مونديال 1982.
وفي المباراة التي جمعت إيطاليا والبرازيل في مونديال 1982 أيضاً، تم تكليف جنتيلي بمراقبة نجم «السامبا» آنذاك زيكو، ومازالت لقطة قميص الأخير الممزق شاهدة على كمية المعاناة التي وجدها اللاعب الشهير من المدافع الإيطالي الشرس، ليحرم البرازيل التي كانت مرشحة للقب من مهارات أبرز لاعبيها، حيث فاز «الأزوري» 3-2، وعندما تأهل إلى النهائي للقاء ألمانيا كلف بمراقبة كارل هاينز رومينغيه وشل حركته تماماً.
لاعب آخر نجح بمراقبة مارادونا هو لوثار ماتيوس لاعب منتخب ألمانيا سابقاً، فعندما كان شاباً كلف بمراقبة الأسطورة الأرجنتينية الراحل«رجل كرجل» في مباراتين نهائيتين لكأس العالم، الأولى في نسخة 1986 في المكسيك، حيث وضع مدرب «المانشافت» آنذاك القيصر فرنتس بكنباور خطة محكمة لمراقبة دييجو وأوكل إلى ماتيوس أن يبقى إلى جانبه كظله، عبر اعتماد خطة 5-3-2 الدفاعية، لكن الأرجنتين فازت 3-2 وإن كان مارادونا لم يسجل.
وتواجه المنتخبان مجدداً بقيادة نفس المدربين (بكنباور وبيلاردو) في نهائي نسخة 1990 في إيطاليا، وكلف ماتيوس بمساعدة بوخفالد في إحكام الرقابة على مارادونا، لكن هذه المرة نجح اللاعب الألماني بشكل لافت في القيام بما كلف به ونال إشادة حتى مارادونا الذي قال عنه «إنه أفضل منافس واجهته في حياتي، أعتقد أن هذا يكفي لوصفه».
التصفيق لبيليه
ليس بالضرورة أن تكون المراقبة اللصيقة للاعب على آخر ناجحة دائماً، فهي في مرات كثيرة انتهت لصالح اللاعب المراقب، كما حصل مع الملك البرازيلي بيليه الذي كان الهدف الأول لمدربي الفرق المنافسة خلال مونديالي 1958 و1970، ومع ذلك أفلت من«كلب الحراسة»، والمثير أن من راقبه مدحه بعد نهاية المباراة ووصفه بكلمات خالدة مازالت تذكر حتى الآن.
كانت البرازيل تعاني عندما شاركت في مونديال السويد عام 1958، فآثار الخسارة في نهائي 1950 ما زالت حاضرة في الأذهان، لكن منتخب «السامبا» جاء محملاً هذه المرة بسلاح شاب فتاك اسمه بيليه ويبلغ السابعة عشرة من عمره.
سارت البرازيل بخطى ثابتة في مونديال 1958 حتى وصلت إلى المباراة النهائية، لكن كان عليها مواجهة السويد الدولة المضيفة، ووقتها تم تكليف سيجه بارلينغ بمراقبة بيليه، لكنه لم ينجح أبداً في مهمته، حيث سجل اللاعب الشاب هدفين، ليقود منتخب بلاده إلى فوز مشهود 5-2، وإلى عبارة شهيرة لبارلينغ الذي قال «بعد الهدف الخامس لم أكن أريد مراقبة بيليه بعد الآن، كنت أريد التصفيق له».
وفي مونديال 1970 وصلت البرازيل مجدداً إلى المباراة النهائية وضربت موعداً مع منتخب إيطاليا الذي كلف مدافعه تارشيسيو بورجينيتش بمراقبة بيليه، لكنه لم ينجح أبداً حيث فاز «السامبا» باللقب بتخطيه «الأزوري» 4-1.
وقد كان تارشيسيو بورجينيتش متصالحاً مع نفسه واعترف أنه فشل في مهمته بشكل ذريع، وأكد في تصريح له «لقد قلت لنفسي قبل بداية اللقاء، إنه مخلوق من الجلد والعظم مثله مثل أي شخص آخر، ولكنني بعد المباراة تأكدت أنني كنت على خطأ».
ومن اللاعبين المشاهير في فترة التسعينات وأوائل سنوات الألفية الجديدة الذين اشتهروا بفنياتهم العالية، وتعرضهم لرقابة شديدة من المنافسين يبرز الإيطالي روبرتو باجيو والفرنسي زين الدين زيدان، فالأول واجه هذا الموقف في نهائي مونديال 1994 حين التقى منتخبا إيطاليا والبرازيل في النهائي، وتم تكليف لاعب وسط «السامبا» كارلوس دونغا بالحد من خطورة نجم الأزوري، ونجح في ذلك وأبعده كلياً عن أجواء اللقاء، وهو قال عن ذلك«لو أني أعطيت باجيو ثانية واحدة، بل نصف ياردة، بل لو أني أعطيته 10 سنتيمترات، لكان قرر مصير تلك المباراة دون أدنى أشك».
وبالنسبة لزين الدين زيدان، فإنه تعرض للرقابة من أكثر لاعبي الوسط شراسة في العالم وهو غاتوزو، وذلك خلال اللقاءات التي كانت تجمع منتخبي فرنسا وإيطاليا.
وفي إحدى تصريحاته تذكر نجم وسط الإيطالي السابق لقاءاته أمام المنتخب الفرنسي ومراقبته لزين الدين زيدان في وسط الملعب في كل مرة، وقال:«كنت كلما واجهت فرنسا، أراقب زين الدين زيدان، ولم أكن أستطيع النوم ليلة المباراة وأقوم بالصلاة لأنني أعرف أنني سأواجه ساحراً، كنت أجد نفسي معتوهاً في النهاية على أرض الملعب في مواجهته».
غاتوزو راقب العديد من النجوم، لكن تبقى رقابته لكريستيانو رونالدو عام 2007 خلال مواجهة ناديه السابق ميلان ضد مانشستر يونايتد في دوري أبطال أوروبا، إحدى البصمات المهمة للاعب، وقد وصف غاتوزو نجم يونايتد الحالي بأنه أحد أصعب المنافسين الذين لعب ضدهم.