يوسف أبولوز

بين الرصيف والشارع ما يشبه التوائم الملتصقة (السيامية)، والرصيف مذعن دائماً للشارع. إن استقام الشارع وأصبح كالمسطرة، يصبح الرصيف أيضاً مسطرة.. مستقيماً بلا شوائب ولا أخطاء، وعندما ينحني الشارع أو «يتعوّج»، يصعد، ويهبط مثل الإيقاع الموسيقي، يفعل الرصيف الشيء نفسه، «..يَعْوَج»، يرتفع وينحدر تماماً مثل سيّده الشارع.

(1)

على نحو ما.. يبدو الرصيف عبداً للشارع، أو أن الرصيف هو طريق العبيد، طريق الحشود، والغوغاء، والشعب والمارة، والمتسوّلين، والنشالين، والعاطلين عن العمل والحرامية الصغار، أما حرامية الشارع فهم في الغالب يتحركون في سيارات ألمانية أو أمريكية.. مرسيدس أو شيفروليه في الشارع، أما الرصيف فهو أحياناً لذلك الولد الشقي الذي يتزحلق على زلّاجة خشبية أو يركض على درّاجة... هل يمكن للولد أن يقود دراجته بين الحشود، ربما، أما الشارع فهو للدرّاجات النارية، تلك التي تتولى عادة حراسة المواكب. درّاجات نارية في الشارع، ونار أخرى موازية في الرصيف. بشر في درجة الغليان على الأرصفة. حياة كاملة على الرصيف، لا تشبه تلك الحياة السريعة في الشارع حيث السيارات وأوتوبيس النقل الجماعي، وحيث الزحمة، وأيضاً حيث الزحمة في الرصيف، وجوه بشرية متقابلة في اتجاه، ووجوه أخرى في اتجاه آخر، ولا إشارات ضوئية حمراء وبرتقالية وخضراء في الرصيف، كما هو الأمر في الشارع، بل هنا الحرية المطلقة في المشي، مشاة الأرصفة بعضهم مسرع في خطوه إلى شأن شخصي أو عام، وبعضهم مبطئ.

ثمة من يقف على الرصيف عادة، ولا يفعل شيئاً سوى التحديق في وجوه المارّة. يقف هذا الشخص وقد أسند ظهره على ذلك «الدربزين» الحديدي الذي يفصل بين الشارع والرصيف، لكن في أمكنة أخرى من شوارع المدينة وأرصفتها لا توجد حواجز حديدية أو خشبية بين الأرصفة والشوارع، ومن الممكن لرجل متنفذ له سلطة في البلد أن يوقف سيارته في مكان محاذٍ للرصيف، «ممنوع الوقوف» لكن الرجل يخطف نفسه سريعاً أو بطيئاً ويشتري شيئاً من متجر الرصيف، ثم يعود إلى سيارته.

للرصيف ثقافته المستقيمة والمعوجة.. تماماً مثل مسار الرصيف نفسه وتتبع هذه الثقافة ثقافة الحشود نفسها، هنا الثقافة الشعبية أو ما تسمى ثقافة الجماهير. هنا تعاين بكل اطمئنان مصطلح «سيكولوجيا الجماهير» الذي أوجده المفكر والباحث الفرنسي جوستاف لوبون 1841-1931، الذي وضع عناوين أخرى في الحضارة العربية، ولكن كتابه «سيكولوجيا الجماهير» يُقرأ، في اجتهادي الشخصي، وعينك على الرصيف.

لا يمكن لباحث نفسي أو عالم اجتماع أن يضع بحثاً مكتملاً في نفسية وأخلاقيات الجماهير إن لم يعش حياة الرصيف. ليدرك هناك أو هنا في الرصيف كيف يمتلك الجمهور، وتحديداً جمهور الرصيف نزوعاً فطرياً إلى شكل من أشكال العبودية، وبالتالي، فهو في حاجة إلى سيّد. يقول لوبون: «ما إن يجتمع عدد من الكائنات الحية، حتى تضع نفسها بشكل غريزي تحت سلطة زعيم ما، يلعب دوراً ضخماً بالنسبة للجماهير البشرية، فالجماهير عبارة عن قطيع لا يستطيع الاستغناء عن سيّد، وتحصل من الجماهير على طاعة وانقياد أكثر ممّا تحصل عليه أي حكومة». ويرى لوبون أن هناك عقائد كبرى يمكن أن تغيّر عقائد الجمهور نفسه، ويقسم لوبون الجماهير إلى أكثر من فئة، وهي بحسبه، جماهير غير متجانسة، ومنها ما يصفه ب «الجماهير المغفلة» وهي «جماهير الشارع» أو بمنطق آخر هي بالفعل «جماهير الرصيف»، ومن أغرب ما يتوصل إليه «لوبون» ما سمّاه «الجماهير المجرمة»، يقول: «إن جرائم الجماهير ناتجة عموماً عن تحريض ضخم، والأفراد الذين ساهموا فيها يقتنعون فيما بعد أنهم أدّوا واجبهم» ويستشهد على فكرة الطاعة هذه «وربما المقصود بها هنا الطاعة العمياء» بقتل مدير سجن الباستيل، يقول: «كان قاتله طبّاخاً متجوّلاً، وذهب إلى الباستيل لكي يرى ما يحدث هناك، ولما رأى الجميع متفقين على قيامه بهذه المهمّة، وأنه يؤدي عملاً وطنياً.. قام بقتله، وقطع رأسه».

ما من شك أن هذا الطبّاخ المتجوّل كان قد أتى من الرصيف، أو أتى من ثقافة الرصيف، ليكون مهيئاً تماماً للتحريض الذي شحنه فيه «جمهور السجناء»، و بالتالي، حوّلوه، إلى قاتل.

(2)

ولكن الرصيف، ليس دائماً فضاء نفسياً للشحن والتحريض الجماعي الذي ينشأ تلقائياً بين الحشود أو بين الجماهير، إن الرصيف مكان مثالي أيضاً للمعاينة الشعرية. إنه فضاء شعري، روائي، سردي بامتياز، وكم من الشعراء والروائيين والرسّامين كان الرصيف ملهماً أساسياً لهم، ومن الرصيف التقطوا شخصياتهم وحيوات هذه الشخصيات وخرجوا بعد ذلك بأعمال أدبية إنسانية، بل إلى جانب ذلك نشأت ظاهرة فنية جديدة في المسرح العربي كسرت النمط المسرحي التقليدي المتمثل في العلبة الإيطالية المحدودة بالخشبة والستارة، وهي ظاهرة مسرح الرصيف، أو مسرح الشارع، وهناك فرقة مسرحية أخذت اسم «مسرح الرصيف» أسسّها مسرحيان سوريّان هما: حكيم مرزوقي، ورولا فتّال، وليس بالضرورة أن تؤدي مثل هذه الفرق أعمالاً مسرحية على الرصيف، بل المقصود هنا هو فكرة الرصيف في حد ذاتها: دلالاتها وإحالاتها سواءً في المسرح أو في الأدب عموماً، فالرصيف يُحيل إلى مفهوم الهامش، كما يُحيل إلى فكرة الخروج من جلباب المؤسسة الرسمية الثقافية، وحتى العائلية نحو حرية أوسع تتطابق مع الفضاء الحرّ لفكرة الرصيف نفسها.

أنجب الرصيف شعراء رصيفيين في العالم كله، ولعلّ القاهرة مدينة أرصفة ومقاهي رصيف وشعراء رصيف بامتياز، ومن قرأ «مقتنيات وسط البلد» للكاتب المصري مكاوي سعيد يعرف ببساطة كم هو ذلك الثراء الثقافي والوجداني والنفسي الذي يتمحور في مركز حاشد، شعبي، مكثف هو «وسط البلد» فضاء الأرصفة، والشوارع، والمقاهي، والحانات، لا بل إن مكاوي سعيد جعل في كتابه ذاك قسماً سمّاه «كتاب المكان» وهو ببيوغرافيا موسّعة لكل الأمكنة في أفضية الشوارع، والساحات، والأرصفة في القاهرة: الشوارع، الميادين، الأسواق، المقاهي العتيقة منها والجديدة، والكافتيريات، والفنادق، والمطاعم، وأخيراً ما سمّاها «الأماكن الثقافية».. وكل هذا الفضاء من الأمكنة سوف يلتضم معاً ضمن شبكة شعبية، جماهيرية، حاشدة تقوم على شرايين القاهرة: وهي الأرصفة.

(3)

ثمة إغواء دائماً في الروح الشعرية عند الرصيفيين، وذلك الإغواء الذي يتخذ طعماً عذباً، وقد يكون بطعم الملح الرّاشح من الدموع، عندما يكون الشعر شعبياً وصافياً و.. «بطعم الرصيف» وهي مجموعة الشاعر المصري الشعبي حسن حامد، وتقوم على أكثر من 15 رصيفاً نعاينها في هذا «الفهرس الرصيفي» الذي حدّده حامد بهذه الصور الرصيفية: وانقلها إلى القارئ، كما هي بإيقاع اللهجة الشعبية المصرية. فكل تدخل للفصحى هنا يفسد طعم الرصيف، أما أرصفة هذا الشاعر الجميل فهي: رصيف مكسّر في شارع ضلمة، رصيف عليه فرشة جرايد، رصيف فوقه محطة أوتوبيس، رصيف رُفَيّع عليه عمود نور من غير لمبة، رصيف عليه نشارة ملوّنة، رصيف عليه مظاهرة لعيال لابسة جلاليب، رصيف عليه زفّة عروسة في الفلّاحين، رصيف عليه صبّار مزروع وسط المدافن، رصيف عليه واحد شحّات في ميدان الجيزة، رصيف عليه لجنة مباحث الساعة 12 الظهر، رصيف عليه جامع مبني بألواح شجر، وأخيراً، رصيف في طريق الكورنيش عليه واحد «مسئف» يعني: مثقف.

أمّا محمد الماغوط فيتحدّث عن رجل على الرصيف، يبدو الرصيف، من خلال القصيدة هو وطن الرجل، وأرجو أن لا أكون مخطئاً في هذا التخمين، فالرصيف هو بيت أحياناً لبعض الناس. هو وطن وجودي إذا أردنا استخدام إشارات فلسفية، والرصيف عند الماغوط محفوف بالأشجار والغيوم.. الرصيف والشارع معاً.. يقول الماغوط: «أيها الشارع الذي أعرفه ثدياً ثدياً وغيمة غيمة/ يا أشجار الأكاسيا البيضاء/

ليتني مطر ذهبي/ يتساقط على كل رصيف، وقبضه سوط/ أو نسيم مقبل من غابة بعيدة/ لألملم عطر حبيبتي المضطجعة في سريرها/

مثل طير استوائي حنون/ ليتني استطيع التجوّل/ في حارات أكثر قذارة وضجّة/أن ارتعش فوق الغيوم»

أحياناً، يتحول الإنسان نفسه إلى رصيف، تتجوّل فيه من خلال الذاكرة والحنين: نساء وأصدقاء بل وأعداء أيضاً.. رجل رصيف على سبيل المثال لا أكثر تقيم فيه مدن وشوارع وحانات أو متاجر صغيرة لها عرائس قرميدية، وأخرى برتقالية وخضراء يهرب إليها المارّة من المطر الفضي الكريم الذي يغسل الرصيف، وسكّانه، وعابريه ذهاباً وإياباً، وفي العادة نحو المجهول.