صعود آسيا والهيمنة الأمريكية

لمحة عن أنماط الشراكة التجارية من منظور تاريخي
23:49 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
بول هونج، ويونغ وون بارك
* بول هونج أستاذ محاضر في جامعة توليدو في الولايات المتحدة الأمريكية.
** يونغ وون بارك أستاذ محاضر في جامعة سايتاما اليابانية.

مع التناقص الحاصل في التحالفات الاستراتيجية وقلة وضوح آليات الحوكمة الدولية ومعارضة العولمة في السنوات الأخيرة، انتشرت اتفاقيات جديدة بين الدول، وأصبحت القدرة التنافسية الصناعية أولوية سياسية استراتيجية جادة للدول ذات الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء. يتناول الكتاب صعود عدد من الدول في آسيا وكيفية مواجهتها الهيمنة الأمريكية.

يستشهد المؤلفان بمقولة للسياسي الأمريكي هنري كيسنجر: «يجب ألا تنسى أبداً أن توحيد ألمانيا أهم من تطور الاتحاد الأوروبي، وأن سقوط الاتحاد السوفييتي أهم من توحيد ألمانيا، وأن صعود الهند والصين أهم من سقوط الاتحاد السوفييتي».

 يعلق الكاتبان: «مع معدلات النمو البطيئة المطولة للدول المتقدمة، فإن تصور «تراجع الغرب» على المدى الطويل منتشر على نطاق واسع. أثارت سياسات إدارة ترامب الأخيرة «أمريكا أولاً»، ومناقشة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتلميح إلى الانقسام بين دول مجموعة السبع أسئلة حول دور النظام الدولي الليبرالي». في هذا السياق، يرى المؤلفان أنه حان الوقت لدراسة التقدم التاريخي للدول ومناقشة كيفية تحقيق أربع دول آسيوية - اليابان وكوريا والصين والهند - مستوى هائلاً من النمو.

 يناقش الكتاب دور النظام الليبرالي الدولي في «صعود آسيا والهيمنة الأمريكية»، ويغطي قضايا عديدة على المستوى الوطني فيما يتعلق بالشراكة التجارية والقدرة التنافسية للصناعة، ويقدم لمحة عامة عن الأنماط المتطورة للشراكة التجارية من منظور تاريخي.

 ثلاثة عناصر

 يناقش الفصل الأول بعنوان «صعود آسيا والهيمنة الأمريكية» النظام الدولي الليبرالي من حيث ثلاثة عناصر أساسية: ليبرالية مع دول حرة ومستقلة، وعالمية مع تدفقات فعالة لرأس المال والسلع عبر الأسواق الدولية، ونظام مع قواعد الحوكمة المشتركة في السعي لتحقيق المصالح الوطنية. كما يناقش أيضاً كيفية تأثير تحول أمريكا من الميزة المطلقة إلى الميزة النسبية على طبيعة النظام الدولي بعد عام 1991.

 يقول الكاتبان: «أحداث العالم تشبه الحركات المتنوعة في البحار الكبرى. على السطح، يظهر مستوى عريض من التقلبات - البحر العاصف، والمياه الساكنة، وقطرات المطر، والرياح الليلية العنيفة. في الأعماق، هناك تدفقات حركة بطيئة وثابتة. يمكن لعلوم المحيطات تقييم والتنبؤ بتنوع هائل من التدفقات. ومع ذلك، فإن التدفقات الضخمة للظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية يمكن ملاحظتها لكنها ليست مفهومة بالضرورة. تنبأ كتاب صموئيل هنتنغتون في كتابه «صراع الحضارات» (1996) بالتنافس المطول بين الحضارات المختلفة. الاختلافات بين الحضارات من حيث التاريخ واللغة والثقافة والتقاليد والدين لا تزال قائمة. كلما زاد عدد تفاعلات الأشخاص في جميع أنحاء العالم، أصبح الوعي بالاختلافات بين الحضارات أكبر من الفهم والقبول المشتركين. مع تصادم المصالح الذاتية للدول، قد تتخذ هذه الاختلافات الشكل المتطرف للدفاع وقد تغذي العناصر المتطرفة النيران على نطاق أوسع. فقد سلطت الهجمات على برجي التجارة في نيويورك (2001) والغزو الأمريكي اللاحق للعراق والاشتباكات العسكرية في أفغانستان الضوء على «صدام» الحضارات بين الغرب والعناصر الإسلامية المتطرفة. في الآونة الأخيرة، أدى صعود آسيا بشكل عام والصين بشكل خاص إلى تحويل الانتباه على نحو أوسع إلى الصراعات المحتملة في أنماط مختلفة. قد يتحرك التوتر التجاري الأولي نحو «صدام التنافس» الأكبر في السنوات المقبلة.

 يضيف المؤلفان: «تشير مراجعة موجزة للتاريخ الحديث إلى أنماط متنوعة لنوعية الحياة بين الدول. البلدان الغنية بالموارد ليست بالضرورة مزدهرة. ولا يشكل الحجم الفارق الحقيقي، فبلدان صغيرة مثل سويسرا وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة تتمتع بالازدهار. تنهض الدول وتنهار لأن كل أمة تستخدم قدراتها الفريدة من حيث المزايا الطبيعية (على سبيل المثال، الجغرافية والديموغرافية) وقوة البنية التحتية السياسية والاجتماعية والثقافية. مثلما لا يعتمد نجاح الفرد على براعته وعمله الجاد وحده، فإن الدول تزدهر ضمن سياقات شبكاتها، والتي توفر نظاماً مستقراً وموثوقاً وتتيح لهم متابعة فرصهم الوطنية وإمكاناتهم الفردية. هذه هي قوة النظام الدولي. بعض البلدان متوسطة الحجم ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، تغلبت على آثار الحرب، وأعادت تجميع صفوفها ونشاطها . 

 تطورات النظام الدولي

يراجع المؤلفان أيضاً في الفصل الأول المئتي عام من تاريخ العالم والذي يتضمن قصصاً عن التقدم والمعاناة التي لا تصدق بين الدول. تشمل المعاناة الإنسانية الهائلة الحروب الدينية المطولة في أوروبا، وإبادة الهنود الحمر في العالم الجديد (1700-1800)، ومعاناة الملايين من فظائع النازية، فظائع الإمبراطورية اليابانية ضد كوريا والصين (1910-1940)، والمجازر المرتكبة بحق الأرمن (1910) وغيرها الكثير. كما أسفر الطموح الطائش للملوك والقادة السياسيين عن خسائر فادحة في أرواح عدد كبير من الناس.

 يقولان: «على الرغم من استمرار النزاعات الإقليمية، استعادت بعض الدول أجزاء مهمة من العالم عافيتها، وشهدت التنمية والازدهار. بمرور الوقت، توسعت رؤية النظام الليبرالي، المدعوم من المؤسسات الدولية، لخلق عالم بقواعد قابلة للتطبيق والتنفيذ. النظام الدولي «كيان متماسك... في شكل تجميع للقواعد والمؤسسات المختلفة». القوى العظمى تزدهر من خلال المؤسسات المستقرة في النظام الدولي الليبرالي بدلاً من ممارسة القوة الاقتصادية والقوة العسكرية حسب الرغبة. ويلتزم «سلوك القوى العظمى المتغير تدريجياً» ب«التكامل الاقتصادي والأمن الجماعي وحقوق الإنسان العالمية». تقبل الدول قاعدة نظام دولي تم اختباره من خلال عمليات تاريخية بدلاً من أي آلية مهيمنة من قبل قوى مختارة».

 يتطرق الفصل الثاني إلى مناقشة النظام الدولي الليبرالي ونمو التجارة العالمية. يشير المؤلفان إلى أن العلاقة بين النظام الدولي الليبرالي والتجارة العالمية تطورت على مر السنين. يجدان أن النظام الدولي الليبرالي يسهّل صعود الدول الآسيوية، واليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، من خلال نمو أداء قطاع التجارة. كما يشيران إلى أن سياسات «أمريكا أولاً»، ومبادرات اليابان لتجديد الشراكة عبر الباسفيك، وجهود الصين في مبادرة الحزام والطريق قد تعيد تعريف أنماط التجارة العالمية والارتباطات الدولية.

 يناقش الفصل الثالث صعود الدول الأربع: اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند. يقدم المؤلفان لمحة عامة عن خلفية صعود هذه الدول الرائدة في آسيا. ينصب تركيزهما بشكل خاص على النمو الاقتصادي. يعلق المؤلفان: «تشير هذه الاقتصادات ذات النمو المرتفع إلى أنماط مختلفة من النمو والتحديات والتحولات. تدل حركة النمو الاقتصادي في آسيا إلى أدوار قيادية وطنية، وجهود موحدة للقدرات العامة والخاصة، وآلية تمكين للنظام الليبرالي الدولي».

 تزايد التنافس

 يتناول الفصل الرابع تزايد التنافس وكيفية صعود الصين ومقاومة الهيمنة الأمريكية. يبحث هذا الفصل الذي نركز عليه أكثر هنا في أولويات سياسة إدارة ترامب وهي التركيز على صعود الصين، ويركز على العوامل الرئيسية التي تدعم الهيمنة الأمريكية وتحقيق نهوض الصين.

يقول المؤلفان: «تنمو الصين منذ أكثر من 30 عاماً بصورة متواصلة. منذ التسعينات، كانت هناك تنبؤات متسقة حول صعود الصين وتراجع أمريكا. ويستند هذا إلى الاستقراء لأكثر من 30 عاماً من سجلات النمو في الصين. على الرغم من ذلك، مع اشتداد التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين، يشير تيار جديد من الأبحاث إلى أن هذا قد لا يكون بالضرورة هو الحال؛ حيث يبلغ عدد سكان الصين حوالي أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة، وقد يجادل المرء بأن الصين بحاجة إلى 100 عام أخرى لتتجاوز المستوى الحالي لمستويات المعيشة في الولايات المتحدة».

 يضيفان: «مع تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 بدا أن النظام الدولي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة قد ساد. قدم الاتحاد الأوروبي أيضاً نموذجاً للتعاون الاقتصادي كشكل آخر من أشكال النظام الدولي الليبرالي. وغلى الرغم من ذلك، مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وعدم الانسجام الواضح مع قادة الشمال (على سبيل المثال، ألمانيا وفرنسا) والدول الأعضاء في الجنوب (مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان)، أصبحت المصالح المتباينة داخل النظام الدولي الليبرالي الحالي واضحة للعيان. كما أن التفكك البطيء للاتحاد الأوروبي يشكك في فكرة النظام الليبرالي المستدام واستقلال الدول الأعضاء».

 «إضافة إلى ذلك، أصبح صعود الصين تحدياً كبيراً لهذا النظام الليبرالي الدولي. وهناك تحذيرات من «استراتيجية الصين السرية لتحل مكان أمريكا كقوة عظمى عالمية». وهذه التحذيرات تقوم على جهود الصين المنهجية والمنسقة طويلة المدى تسمى «ماراثون المئة عام». ما هي استراتيجية الولايات المتحدة رداً على مثل هذا التوجه الطموح للصين؟ من غير المرجح أن يكون لتوجيهات السياسة الأمريكية وأنظمة الحكم مثل هذا التوجه طويل المدى. يخدم الرؤساء الأمريكيون في أحسن الأحوال ثماني سنوات وتحل الإدارة الجديدة محل الإدارة السابقة وغالباً ما تختلف سياساتهم بشكل كبير. هذا لا يعني أنه لا يوجد استمرارية في التوجه العام لأولويات السياسات. منذ أن كتب جورج كينان عن «مصادر السلوك السوفييتي» (1947)، أدت أكثر من 40 عاماً من سياسة الاحتواء والتطويق الأمريكية المتسقة إلى زوال الإمبراطورية السوفييتية وتحقيق ما أشار إليه فوكوياما باسم «نهاية التاريخ (1991)»، بحسب المؤلفين.

 يشيران إلى أنه «في تسعينات القرن الماضي، كان هناك تصور متفائل بأنه مع النمو الاقتصادي طويل الأجل، من المرجح أن تسعى الصين إلى «لا مركزية السلطة» و«تحرير النظام الاجتماعي». ومع ذلك، مع نمو الثروة، ينشأ مستوى أكبر من التعقيد وعوامل الخطر المتنوعة في الصين. مع تباطؤ اقتصادها، أصبحت الاضطرابات الاجتماعية احتمالاً متزايداً. بطبيعة الحال، فإن أولويتها الوطنية هي تجنب انقسام الصين مثل الاتحاد السوفييتي بعد عام 1991.. ويستشهد المؤلفان ببعض الآراء التي ترى أن «الصين ليست على وشك تجاوز الولايات المتحدة اقتصادياً أو عسكرياً؛ بل على العكس تماماً. وفقاً لأهم مقاييس الثروة والسلطة الوطنية، تعمل الصين على مواكبة ذلك وربما تتخلف أكثر في العقود المقبلة. لا تزال الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم وستظل كذلك في المستقبل المنظور، شريطة أن تتجنب الإفراط في التوسع في الخارج أو التقليل من الاستثمار في الداخل». يعلق الكاتبان: «تفترض مثل هذه الآراء مرونة أمريكية مستدامة وقدراتها الشاملة، وتجري تقييماً لنقاط الضعف في نظام الصين الكلي. حتى هذه النظرة المتفائلة لا تنكر أن صعود الصين لا يزال يمثل تحدياً استراتيجياً للولايات المتحدة».

 ويضيفان: «إليكم الجدل الدائر حول الحجم المتزايد من «الصدام» بين الصين والولايات المتحدة.. مع تأكيد ترامب «أمريكا أولاً»، فإن السعي الجريء لتحقيق المصالح الاستراتيجية الأمريكية يعطل النظام الدولي الليبرالي. ومن ناحية أخرى، تبرر «الثورة الجديدة» التي أطلقها شي جي بينج، وتحرك الصين لتصبح «دولة غير ليبرالية» تتحدى أيضاً النظام العالمي الليبرالي. يعد التوتر التجاري المتزايد بين الولايات المتحدة والصين عرضاً آخر للقضايا المعقدة الأساسية الأكبر والأبعاد السياسية والاقتصادية والتكنولوجية في النظام الدولي الليبرالي. على المستوى الأولي، يظهر التوتر في مجالات التجارة. ويمتد هذا إلى المجالات المالية والسياسية وحتى النزاعات العسكرية. ومع ذلك، فإن آثار التنافس على الهيمنة العالمية بين الولايات المتحدة والصين تستحق اهتماماً دقيقاً. تؤكد «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الهوية ليس فقط باعتبارها قوة صاعدة، لكن أيضاً «قوة عظمى قديمة» لاستعادة تأثيرها على الجيران المباشرين والعالم الأكبر في كل مكان. تتزامن مثل هذه الخطوة من جانب الصين مع فكرة إدارة ترامب عن الكلفة «الباهظة» للحفاظ على النظام الدولي الليبرالي».

 تآكل القوة 

 يتوقف الكتاب عند حقيقة «تآكل القوة المهيمنة الأمريكية» و«الصعود السلمي للصين». يعلق المؤلفان هنا: «يتطلب الازدهار الدائم للولايات المتحدة والصين تعزيز النظام الليبرالي في جبهتهما المحلية مع إدراك التحديات والفرص المتزايدة خارج حدودهما الوطنية».

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

2
جيورجوس تشارالمبوس
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي
1
كريس سالتمارش

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

2
جون لوف
1
أندرو كوكبيرن
2
بول روجرز
1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
جورجيو أغامبين
1
ميغان أ.كارني