تحقيق: راندا جرجس
تحمل منطقة الرقبة نحو %15 من وزن الجسم بالكامل، وتتكون من فقرات تربط بين مؤخرة الجمجمة وأعلى الجذع، وهي أكثر أجزاء العمود الفقري حركة، حيث تلعب دوراً رئيسياً في دعم وتحريك الرأس ودورانه بسلاسة، ولكنها غير محمية كباقي الفقرات، لذلك فهي أبرز المناطق تعرضاً للضغط، وتشير الدراسات إلى أن نحو %80 من الأشخاص حول العالم يمكن أن يعانوا من آلام هذه المنطقة، حيث إن استخدام الأجهزة التكنولوجية الحديثة والقيادة لمسافات طويلة تؤذي الفقرات العنقية والعضلات، وفي السطور التالية يتحدث الخبراء والاختصاصيون عن هذا الموضوع تفصيلاً.

يقول الدكتور ثائر درويش استشاري جراحة الأعصاب، إن اعتلال الجذور العنقية من أكثر المشكلات شيوعاً بين الأشخاص، وتظهر الأعراض عندما يشكو المريض من ألم في الرقبة، ما يؤثر في إحدى الذراعين، أو كتليهما، أو يكون مرتبطاً بتنميل وإحساس بالوخز والضعف في الذراع، وربما فقدان وظيفتهما، ولتأكيد نوع المشكلة يجب على المريض زيارة عيادة جراحة المخ والأعصاب لاستبعاد ضغط جذور الأعصاب في العمود الفقري العنقي، ثم يقوم الطبيب المختص بتشخيص الحالة بالأشعة السينية، للكشف عن أي تغييرات في مساحات القرص أو محاذاة العمود الفقري العنقي، ويعتبر التصوير بالرنين المغناطيسي المعيار الذهبي والنهائي لتأكيد، أو نفي الإصابة.

عوامل مؤثرة

يلفت د.ثائر إلى أن تحديد الخيار العلاجي المناسب يتم بعد وضع التشخيص السليم بتدلي القرص، أو انضغاط القناة الشوكية، وتبدأ خطة التداوي بالإدارة التحفظية التي تشمل الأدوية، جلسات العلاج الطبيعي، أو الخيارات الأكثر توغلاً، والتي تتمثل في إدارة الألم بالحقن، أما في حال وجود مؤشر واضح للتدخل الجراحي، فإن هناك طرقاً مختلفة للجراحة وتقنيات متعددة يتم تطبيقها بحسب الحجم والمنطقة المصابة والأعراض، كما يجب أن نضع في الاعتبار أن هناك بعض العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى وجود هبوط القرص، أو ضغط القناة الشوكية، وهي كالاتي:

* الاستعداد الوراثي الذي يعتبر العامل الأكثر أهمية.

* نمط الحياة، بما في ذلك الجلوس فترة طويلة على الحاسوب والأجهزة المحمولة، وإمساك الرأس بشكل خاطئ لأسفل على الهاتف النقال، والذي يتصاحب مع مشاكل خطيرة في الرقبة.

* تناول أطعمة غير صحية، يمكن أن تترافق مع محتوى مائي أقل في الجسم، وبالتالي كمية أقل من الماء في القرص نفسه.

* ممارسة الرياضات العنيفة التي تؤثر في الحركة، وتسبب في بعض الحالات خلع العمود الفقري العنقي.

أسباب متعددة

يذكر الدكتور محيي الدين التقي استشاري جراحة العظام والمفاصل، أن آلام الرقبة من أكثر المشاكل شيوعاً عند البالغين، حيث يعاني المريض عادة آلاماً حادة في إحدى الناحيتين من الرقبة، ويكون مصحوب في أغلب الحالات بتشنج عضلي شديد ومحدودية في حركة الرقبة، وربما تمتد إلى إحدى اليدين أو الرجلين في بعض الحالات، وتشمل الأسباب الآتي:

* تآكل المفاصل وتنكّس ونشاف الأقراص بين الفقرات (الديسك) وترافقه آلام حادة وتزيد النسبة مع تحريك الرقبة.

* الضغط على الأعصاب الثانوية ما يجعل المريض يعاني آلاماً وتنميل في اليدين، وضعف العضلات في بعض الأحيان.

* ضغط الديسك على النخاع الشوكي، وهو من الحالات الطارئة.

* انزلاقات فقرات الرقبة، وتتراوح شدة الأعراض بحسب حدية المشكلة.

فحوص واختبارات

يوضح د.محيي الدين أن تشخيص آلام الرقبة يتم عن طريق الكشف السريري الدقيق للفقرات وفحص الأعصاب، وعمل صور شعاعية للرقبة، لتقييم حالة العمود الفقري بشكل عام، كما توضح الصورة الطبقية المحورية الحالة بشكل أدق، أما الرنين المغناطيسي فيعتبر من أهم الإجراءات ووسائل التشخيص، حيث يتيح رؤية الأعصاب والنخاع الشوكي، ووجود تآكل المفاصل أو الديسكات، وربما يحتاج بعض المرضي إلى عمل تخطيط أعصاب لمنطقة العنق.

خيارات علاجية

يؤكد د.محيي الدين أن خطة علاج آلام الرقبة تبدأ بالعقاقير المضادة للالتهاب، والأدوية المرخية للعضلات، ومهدئات الأعصاب، وربما يحتاج بعض المرضي في الحالات الحادة إلى الأدوية التي تحتوي على مادة الكورتيزون، كما يُستعان بالعلاج الفيزيائي ويتراوح عدد الجلسات من 10 إلى 20 جلسة، يتم من خلالها تليين مفاصل الرقبة وتقوية العضلات في هذه المنطقة، وإجراء تمارين التوازن واستعمال المحفزات الكهربائية لتحسين عمل أعصاب الرقبة واليدين والرجلين، أما في حالة عدم الاستجابة لهذه الطرق العلاجية فيمكن اللجوء للتدخل الجراحي لعلاج المشكلة بشكل مباشر، عن طريق استئصال الديسك، أو إزالة الضغط عن النخاع الشوكي، أو وضع الفقرات في الاتجاه المستقيم ولحمها ببعضها بعضاً.

تدابير الوقاية

يشير د.محيي الدين إلي أن ممارسة التدريبات الرياضية للرقبة والعمود الفقري تعتبر من أهم طرق الوقاية من هذه الإصابات، وللحد من الآلام يُنصح باستخدام الوضعيات الصحيحة عند الوقوف والجلوس، وأخذ فترات استراحة متكررة، خاصة في حالة السفر لمسافات طويلة، أو أثناء ضغط العمل على أجهزة الكمبيوتر، بحيث تكون الشاشة في مستوى العين، وتجنب وضع الهاتف بين الأذن والكتف عند التحدث، وعدم حمل الحقائب الثقيلة المزودة بأربطة فوق الكتف، والنوم في وضعية جيدة.

فئة مستهدفة

يبين الدكتور سرمد حميد أخصائي جراحة العظام، أن ضغط فقرات الرقبة على الحبل الشوكي وجذور الأعصاب ينجم عن أسباب شائعة، منها الاستعمال المفرط للجوال والأجهزة اللوحية الأخرى نتيجة انحناء الرقبة، وكذلك الإجهاد المستمر ساعات طويلة في العمل أمام الكمبيوتر، إضافة إلى التعرض لبعض المشكلات التي تسبب التواء العضلات والآم الرقبة، كالحركات المفاجئة، أو النوم في وضع غير مريح، أو حوادث الطريق.

وتجدر الإشارة إلى أن الأشخاص المستهدفين أكثر من غيرهم بالإصابة بالضغط على فقرات الرقبة هم من يعانون التهاب المفاصل المزمن، أو الرثوي، وهشاشة العظام، أو المرضى الذين أجريت لهم جراحة سابقة للفقرات العنقية، حيث إن هذه الحالات تؤدي إلى تكوين نتوءات عظمية تسبب تضييقاً في قناة الحبل الشوكي وضغطاً مباشراً على جذور الأعصاب.

طرق التداوي

يؤكد د.سرمد أن علاج معظم الحالات الضغط على الفقرات العنقية يتم بالطريقة التحفظية، أي من خلال توجيه النصائح الطبية والإرشادات التي تقلل من حدة الضغط على جذور الأعصاب الموجودة في منطقة الرقبة، وإعطاء بعض العقاقير الطبية التي تخفف من حدة الألم، والشد العضلي الذي يشعر به المريض، وربما يستلزم الأمر جلسات علاج فيزيائي متعدد الأساليب، كالليزر والموجات التصادمية والتحفيز العصبي والحرارة، وغيرها من الوسائل التي تسرّع عملية الشفاء، ويمكن أن تتطلب بعض الحالات القليلة فحص الرنين المغناطيسي للاستدلال على وجود انزلاق غضروفي، ويكونون بحاجة إلى أجراء التدخل الجراحي لإزاله الضغط الناتج بصورة مباشرة من الانزلاق الغضروفي في الفقرات العنقية.
حقائب الظهر

تعتبر الحقائب الثقيلة المحمولة على الظهر التي يستخدمها الصغار في المدرسة ويزيد وزنها في بعض الحالات على 10% من وزن الطفل، من أكثر العوامل التي تتسبب بحدوث الضغط على الفقرات العنقية، حيث ينجم عنها الشعور بآلام نتيجة الضغط على العمود الفقري، لذلك ينصح الخبراء باستبدالها بالحقائب المصحوبة بأحزمة إضافية، حيث إنها تقوم بتوزيع الأحمال على الجسم.