أصدر مشروع «كلمة»، في مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي الترجمة العربية لكتاب «الطليعة» لمؤلفه ديفيد كوتنجتن، وقد نقله إلى اللغة العربية د. محمد زياد كبة.

يتابع القارئ في هذا الكتاب الصادر في أصله الإنجليزي عن مطبعة جامعة أكسفورد ضمن سلسلة «مقدمات موجزة»، تطوّر مفهوم الطليعة في الفن والأدب منذ أن ظهرت بواكير تصنيفاته الثقافية في الفنون الجميلة التي لعبت دوراً مهماً في صياغة معانيه، وساعدت في إحكام سيطرته على التقييم النقدي أو التاريخي لكبار الفنانين لأكثر من مئة عام. وباختصار، كان الفن الحديث دوماً، ولايزال، وثيق الصلة بالطليعة وتطوّراتها. وقد اتسع هذا المفهوم والتقييم شيئاً فشيئاً حتى شمل سائر الفنون، ومن بينها الرسم، والأدب، والموسيقى، والهندسة، والسينما، والتصوير، التي تبدو جميعاً مقيَّمة وفق شروط مماثلة. أضِف إلى ذلك، أن مضامين التحديث في هذا المجال من الفنون تحت اسم «الطليعة» ارتبطت عادةً بالنوعية الراديكالية والسياسية في هذا النقد. لذلك كثيراً ما يقال إن الفنون الطليعية والسياسة الراديكالية، وبالأخص اليسارية منها، غالباً ما يُفترض أنها وثيقة الصلة فيما بينها.

وعلى الرغم من انتشار المصطلح وأهميته الاستراتيجية، نرى أن التاريخ الثقافي لم يشهد سوى محاولات قليلة لاكتشاف سبب السلطة الهائلة التي ينطوي عليها مصطلح «الطليعة»، أو لمعرفة مصدرها، أو كيف تحدّدت شروط العضوية في هذا النادي الخاص، أو معرفة ما إذا كان لارتباطها بالمواقف اليسارية ما يبرّره. والأهمّ من هذا وذاك أن الكلمة تبقى غامضة دلالةً واستعمالاً. فما علاقة «الطليعة» بالتكتل الاجتماعي والأعمال الفنية؟ هل هي متساوية؟ وأين موقع «الطليعية» من هذا كله؟ وأخيراً وليس آخراً، بما أن الفن المعاصر تجاوز على ما يبدو كل المحاذير، وهو في بؤرة سوق الفن، فهل بقيت هناك طليعة فنية؟ وإن كان الأمر كذلك، فما غايتها؟ ومَن هم الفنانون المَعْنيون؟ هل معرض فريز الفني في لندن، أو معرض بينالي البندقية، أو مسابقة بوكر، أو مهرجانات الأفلام في بيوتات الفن في جميع أنحاء العالم طليعية؟ فإذا صحّ هذا، فما الذي، أو مَن الذي، يجعلها هكذا؟ فبالرغم من سعة انتشارها في الكتابة عن الثقافة الحديثة، فإننا لا نجد إجابة مُرضية حتى عن سؤال واحد من هذه الأسئلة.