خلف غبار التاريخ، وفي ممرات الصحراء المصرية التي لا تبوح بأسرارها إلا لمن ألفها، يقبع كتاب «بنو إسماعيل.. دراسة عن البدو المصريين» الصادر عن المركز القومي للترجمة، ذلك الإصدار الذي لم يكن مجرد سرد جغرافي، بل استنطاق لروح الرمال، تأليف جورج وليام مري، وترجمة د. عاطف معتمد ود. ياسر سيد معوض.
في هذا الكتاب، نحن أمام وثيقة نادرة قلما يجود الزمان بمثلها، تستعرض عادات وتقاليد القبائل العربية التي استوطنت الصحارى المصرية، لا يقدّم «مَري» مجرد أسماء، بل ينسج قائمة شاملة وبانورامية تضم أسماء القبائل وبطونها وفروعها، متتبعاً أدق تفاصيل تنقلاتها الجغرافية، بمنهجية مكثفة ومنظمة، تتفوق في دقتها حتى على أضخم الموسوعات التي رصدت القبائل العربية في مصر خلال العقود الأخيرة.
يأخذنا عنوان الكتاب إلى ما وراء الدلالة العرقية، مشيراً إلى أن سكان هذه الصحارى ينسبون إلى إسماعيل (عليه السلام)، في استحضار عميق للمفاهيم الدينية والمرجعيات التوراتية التي صبغت فكر دارسي جغرافية سيناء وفلسطين في مطلع القرن العشرين، والذين قسموا البشر وفق تلك الجذور التاريخية الضاربة في القدم.
يرصد النصف الأول من الكتاب التحولات الكبرى، وعلى رأسها التغير المناخي في الصحراء التي كانت المهد الأول للإنسان في مصر قبل انتقاله إلى ضفاف النيل، ثم يرافقنا في رحلة عبور العرب إلى مصر مع الفتح الإسلامي، وصولاً إلى تفاصيل تكوين القبيلة، ونظمها الدينية والروحية، وما يحيط بها من أساطير وعادات وتقاليد.
لم يغفل المؤلف علاقة البدوي بعناصر البيئة من نبات وحيوان، في صراعه وألفته مع الصحراء، لينتهي إلى عرض دقيق لتوزيع القبائل وشجرة الأنساب في كل إقليم جغرافي، إنه عمل يتسم بشمولية فذة، تربط أصول القبائل في مصر بجذورها الممتدة في الجزيرة العربية وبلاد الشام وليبيا والسودان.