تحقيق - راندا جرجس
تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن داء السكري سيكون في المرتبة السابعة بحلول عام 2030، ويعد من الأمراض المزمنة التي تهدد حياة المصابين؛ حيث إن عدم إدارة السكري بشكل فاعل يؤثر في الأوعية الدموية، ويقود إلى مضاعفات صحية بعيدة المدى، كما يتسبب عدم الالتزام بتناول الأدوية الموصوفة واختلال النظام الغذائي بسوء نمط الحياة البدنية والذهنية والنفسية للمصاب، وتشمل مخاطر هذا المرض أيضاً النوبة القلبية، السكتة الدماغية، ضعف البصر، الفشل الكلوي وغيرها، وفي السطور القادمة يسلط الخبراء والاختصاصيون الضوء على هذه المشكلة المرضية الشائعة.
يقول الدكتور أيسم مطر أخصائي الأمراض الباطنية: إن داء السكري من الأمراض المزمنة التي تتميز باضطراب التمثيل الغذائي، وارتفاع شاذ في تركيز سكر الدم، وتحدث الإصابة نتيجة لسببين وهما:-
1- عجز البنكرياس عن إنتاج الأنسولين بكمية كافية (عوز هرمون الأنسولين)، وتظهر هذه الحالة على الأكثر عند مرضى السكري من النمط الأول، وتمثل 10% من المصابين، ويرجع السبب إلى تدمير مناعي ذاتي لخلايا «بيتا لانجرهانس» في البنكرياس، ويُعتقد أن هناك محفزات أخرى كالعدوى الفيروسية، أو الإجهاد والتعرض للمؤثرات البيئية مثل بعض المواد الكيميائية أو الأدوية، كما تلعب الوراثة دوراً جزئياً في الإصابة.
2- عدم قدرة الجسم على الاستخدام الفعّال للأنسولين الذي ينتجه، أو انخفاض حساسية الأنسجة، ما يؤدي إلى الحاجة إلى كميات مرتفعة فوق المستوى الطبيعي للأنسولين، فتظهر أعراض السكري عندما تعجز خلايا بيتا عن زيادة إنتاج الأنسولين بالكمية المطلوبة، وتحدث في معظمها نتيجة لفرط الوزن والخمول البدني، كما تلعب الوراثة دوراً أكبر في الإصابة بهذا النوع، وهو ما يتسم به السكري من النمط الثاني أو ما يُسمى «غير المعتمد على الأنسولين»، ويمثل 90% من الحالات ويظهر على الأكثر في مرحلة البالغين.
أعراض وعلامات
يوضح د.أيسم أن انتشار المرض يزداد بالتقدم بالعمر أو لدى المصابين بمرض السمنة، وذوي التاريخ العائلي، ويستهدف أيضاً بعض السيدات في فترة الحمل، كما أنه شائع في الدول النامية نتيجة التغيرات في نمط المعيشة وعدم التغذية الصحية وقلة النشاط البدني، ويرافق داء السكري مجموعة من الأعراض كزيادة عدد مرات التبول بسبب زيادة كمية البول الناتج عن ارتفاع الضغط التناضحي، والإحساس المستمر بالعطش وبالتالي الإفراط في تناول السوائل لتعويض ما يفقده الجسم، إضافة إلى الجوع المستمر وفقدان الوزن على الرغم من تناول الطعام بانتظام، وتباطؤ شفاء الجروح والتعب الشديد والعام.
فحوص واختبارات
يشير د. أيسم إلى أن تشخيص داء السكري يتم بواسطة فحوص الدم، ويتميز هذا المرض بارتفاع متقطع أو مستمر في جلوكوز الدم ويمكن الاستدلال عليه بواحدة من القيم التالية:
* قياس مستوى جلوكوز الدم صائم 8 ساعات 126 مليجرام/ديسيلتر (7 مليمول/لتر) أو أعلى.
* قياس عشوائي لمستوى جلوكوز الدم 200 مليجرام/ديسيلتر (11.1 مليمول/لتر) أو أعلى.
* مستوى الجلوكوز المرتبط بالهيمجلوبين الدم 6.5% أو أعلى ويعكس متوسط جلوكوز الدم على مدار التسعين يوماً السابقة تقريباً وهو متوسط عمر كرات الدم الحمراء.
مشكلات مرضية
يذكر الدكتور ياسمين إجاز أخصائي الطب الباطني والغدد الصماء أن داء السكري من الأمراض المزمنة التي تتطلب عناية خاصة، كونه ليس له علاجاً فعالاًَ ونهائياً، وينبغي ملاحظة أن هناك العديد من المشكلات التي يمكنها أن تزيد من خطورة الإصابة، مثل العوامل الوراثية، السمنة، التعرض لمرض فيروسي وضعف الجهاز المناعي، والعرق والجنس أيضاً، وهناك مخاطر مرتبطة بالحمل ومتلازمة المبيض متعدد الكيسات، أما النمط الثاني من السكري فينتشر على الأكثر لدى كبار السن.
خيارات علاجية
يؤكد د.ياسمين أن أنماط الحياة السليمة تساعد بشكل عام في الوقاية من مرض السكري من النوع الثاني بشكل خاص؛ حيث يشمل ذلك تناول الأطعمة الصحية وزيادة النشاط الجسماني وإنقاص الوزن، وكذلك تجنب الخمول لفترات طويلة، كما يمكن وصف الأدوية التي تعزز من عمل خلايا بيتا في البنكرياس؛ حيث يبدأ العلاج باستخدام الأنسولين عندما لا تعمل الأدوية الفموية أو كإضافة إلى العقاقير الفموية، أما مرضى النوع 1، فيعد الأنسولين هو الدعامة الأساسية لعلاجهم.
المؤشر الجلايسيمي
توضح الدكتورة سيموني لاوبشر أخصائية التغذية العلاجية أن تجنب الإصابة بداء السكري يعتمد على فهم التأثيرات المختلفة للأطعمة على مستويات سكر الدم في الجسم بناءً على المؤشر الجلايسيمي لكل نوع منها؛ حيث يحتوي المؤشر على 100 درجة، وكلما ارتفع لأحد الأطعمة زاد تأثيره على مستوى السكر، ما يزيد خطر الإصابة بهذا المرض، وتشمل القائمة الخبز والدقيق والأرز الأبيض، البطاطس، السكريات، الوجبات السريعة، الآيس كريم، والشوكولاتة والحلويات.
أساس غذائي
تلفت د.سيموني إلى أن الأغذية الكاملة التي تحافظ على مواصفاتها الطبيعية عند تناولها، كالسلطات، الخضار، المكسرات، البذور، الأسماك، البقوليات، العدس، الحمّص، الدجاج والبيض العضوي، تُشكل أساساً غذائياً صحياً، إضافة إلى بعض العادات الصحية الأخرى، كالآتي:
* تحمل الفواكه ذات المؤشر الجلايسيمي المنخفض كالتوت، التفاح، الإجاص، الخوخ، والبابايا فوائد كبيرة لمرضى السكري.
* تُعد إضافة الدهون الصحية، مثل زيت الزيتون والأفوكادو والأسماك الغنية بالزيوت والمكسرات والبذور أمراً أساسياً، لأنها تسهم في موازنة سكر الدم في الجسم.
* ينبغي أن تحتوي كل وجبة على البروتين للوصول إلى مستويات متوازنة من السكر في الدم، وتُقدر الكمية الملائمة من البروتين بحجم راحة اليد في كل وجبة.
* يمنح شرب 2-3 لتر من المياه فوائد كبيرة للجسم، لأن الشعور بالجفاف يدفع إلى الإفراط في تناول الطعام واستهلاك الأطعمة غير الصحية.
* أثبتت الدراسات فاعلية معدن الكروم والقرفة في الوصول إلى مستويات متوازنة من السكر في الدم، وتساعد كميات إضافية من الخضراوات الورقية والمكملات النباتية في الحد من الالتهابات الناجمة عن المرض.
عادات صحية
تؤكد د.سيموني أن بعض الأنظمة الغذائية التي تحتوي على كميات قليلة من الدهون الصحية والبروتين يمكن أن تتسبب في الإصابة بداء السكري؛ حيث إن هذه المكونات تمنح شعوراً بالشبع لمدة أطول وتقلّل الرغبة في تناول الكربوهيدرات والسكريات؛ لذلك فإن الحفاظ على التوازن وعدم الحرمان من المأكولات التي يفضلها المريض يُعد أمراً مهماً، ويمكن تناولها مرة واحدة أسبوعياً فقط، والالتزام بقية أيام الأسبوع بنظام غذائي متوازن يحتوي على أطعمة كاملة وذات مؤشر جلايسيمي لا يتجاوز 55، كما ينبغي على كل شخص يرغب في الحفاظ على صحة مثالية ممارسة التمارين الرياضية؛ حيث إن المشي لمدة 45 دقيقة بشكل شبه يومي يسهم في الحد من احتمالات الإصابة.
خلايا بيتا
إن خلايا بيتا الموجودة في البنكرياس هي المسؤولة عن إفراز نحو 65-80% من هرمون الأنسولين القادر على التحكم بنسبة الجلوكوز في الدم، وفي بعض الحالات تتلف هذه الخلايا لأسباب متعددة، وتكون عاجزة عن القيام بوظيفتها وإفراز الهرمون، ولكن مؤخراً قام مجموعة من الباحثين بتطوير دراسة حديثة أشارت إلى أن زراعة الخلايا الجذعية متعددة القدرات يمكن أن تكون بديلاً للخلايا المريضة بأخرى سليمة وأكثر نضجاً وقدرة على العمل على زيادة توليد أسلاف البنكرياس المحددة وإفراز الأنسولين المحسن؛ حيث إنها تتميز بقدرتها على التجدد في الجسم البشري.