الشارقة: علاء الدين محمود
في توظيفهم للحيوانات في الأعمال الفلسفية والأدبية، فإن الكثير من الكتاب يسعون إلى المراوغة؛ ليكونوا في حل من تحمل أي مسؤولية تترتب عليها الآراء التي قد ترد على لسان أي من الحيوانات، كما أن بعضهم يحاول أن يغير من الصورة الذهنية التي رسخت في ذهن البشر عن بعض الحيوانات.
الكاتبة الروسية الكونتيسة دي سيجور «1799 ـ 1874»، هي أديبة تشبعت بالثقافة الفرنسية، بدأت مسيرتها الإبداعية عندما بلغت ثمانية وخمسين عاماً، وكانت عزلتها وبُعدها عن زوجها قد منحاها الوقت الكافي لتبدع في رواياتها، وقد أنتجت في الفترة «1857–1869»، عشرين رواية، وفي روايتها «مصاعب الطفلة صوفي»، ناقشت ما تعرضت له دي من محن ومآس في طفولتها، خلفت وراءها الكثير من الروايات التي ما زالت تحظى بقبول واسع بين الكبار والصغار، حيث تعتبر أيضاً رائدة من رواد أدب الطفل.
كتاب «خواطر حمار: مذكرات فلسفية وأخلاقية على لسان حمار»، من أشهر مؤلفات دي سيجور، وهو عبارة عن مذكرات فلسفيّة وأخلاقيّة يرويها حمار اسمه «كديشون»، ويقدم هذا المؤلف الذي كتب بأسلوب سردي روائي، محاولة لتغيير النظرة إلى الحمار، فهو في الرواية كائن ناطق، يشغله همّ واحد ألا وهو الوصول إلى درجة الاحترام في نظر الإنسان، ونفي صفة الغباء والكسل عنه، حيث إن العمل يسعى لتغيير الكثير من المفاهيم المرتبطة بذلك الحيوان التعس، في عالم لا يحترم حقوق الإنسان ولا يقيم للإنسانية وزناً.
والحمار في العمل لا يستطيع النطق فقط، بل يمتلك ناصية الفلسفة والحكمة والمقدرة على طرح أفكاره بوضوح، بل ويسهم في تقديم رؤى وحلول ومقترحات لمعالجة مشاكل البشر وقضاياهم، وإيجاد السّبل المنطقيّة في التصرّفات والسلوكيّات التي يقدمها.
ويقوم الحمار بعدد من المغامرات التي تظهر فيها قدرته على المكر وخداع الإنسان، كما يقدِّم نفسه كشجاع يخاطر بحياته لينقذ صديقته المقربة، ولأن الحمار قد نجح في مساعيه واستطاع جمع الكثير من المعارف، وصار مختلفاً عن بقيّة الكائنات بما لديه من ذكاء وذخيرة من المعلومات، لقب لدى الجميع بالحمار العالم.
ونقرأ في الكتاب في افتتاحية المذكرات التي يرويها الحمار: «لا أتذكر جيداً عهد طفولتي، وأظن أنني كنت في الأغلب بائساً مثل كل جحش، وكنت لطيفاً ظريفاً كسائر الحمير، ولكنني متحقق من أنني كنت قوي الذكاء، كما أنا الآن في سن الهَرَم أشد ذكاء وأحسن تصرفاً من رفقائي، ولقد خدعت سادتي ومكرت بهم غير مرة، وهم لم يكونوا إلا من بني آدم ولذلك لم يستطيعوا أن يدركوا مقدار فهم حمار وبراعة حيلته، وسأقص عليك في هذا الكتاب بعض الأدوار التي مثلتها معهم في زمن الصبا وعهد الشبيبة».