أحمد حلمي سيف النصر
النميمة هي نقل الكلام بين طرفين، بغرض الإفساد، وتعني ما يجري بين اثنين أو أكثر من حديث يُراد به التفريق وإغاظة المقابل عن الغائب أو الغائبين الذين أُكلت لحومهم. يجلس أحدهم إلى صاحبه، ويقول: انتبهوا سأحكي لكم كلاماً خطراً عن فلان وهو سرّي للغاية، وأرجو أن تتحفظ على اسمي، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ولولا محبتك ما سقت هذا الكلام، ثم يأخذ العهود والمواثيق على كتمان اسمه خوف الفضيحة، وخشية اهتزاز علاقته بالغائب من الناس.
ربما يكون ناصحاً فعلاً أو محذراً أو منكراً والله يعلم ما في قلبه، وأقول: هل كل الناس كذلك؟ ثم إن كان ناصحاً، فالنصح له قنوات عدة، والنصيحة لها أساليبها التي لا تبغّضك بأخيك المسلم، ولكنها الآفة المنتشرة في مجالس الناس ومنتدياتهم، شعارها: سأحكي لك أمراً لكن أرجوك لا تذكر اسمي، فينفث سمومه، ويوغر صدر أخيه على أخيه، ماذا نفعل إذاً؟
يجب أن نتحقق ونتثبت، ونتعرّف إلى مقصود الناقل، ونحاول أن نقطع الطريق عليه، ونختبر صدقه من خلال مقابلته بالغائب وجهاً لوجه قطعاً للشائعات المغرضة التي أنّت منها البيوت والمجتمعات، واكتوى بنارها الزوجان والإخوة والأصدقاء والخلان، لأننا كنّا نصغي بكل اهتمام لكل من يباعد بيننا وبين من نحب. ألم نعلم أننا رفعنا قيمة بضاعتهم وجعلنا سوقها رائجة! إذاً احذروا ثم احذروا ودققوا ومحّصوا وتابعوا وقابلوا وتحققوا ولا تتعجلوا ولا تصدروا حكماً تندمون عليه أشد الندم، وتدفعون الثمن غالياً من حسناتكم التي تعبتم في جمعها، وقبل ذلك مواقف الذل التي ستقفونها.
النميمة هي الكلمة التي تخرج من فم قائلها فتؤذي الناس، وتسبب المشاحنات، والتباغض وعدم التواصل فيما بينهم، ولا يقدم على قولها إلا ضعاف النفوس، والإسلام الحنيف صان كرامة الإنسان من الأذى، وأمر بالأخوة، والصحبة الطيبة، فقد حرم قول النميمة، ونهى أشد النهي عنها، فقد ذكر الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنه لا يدخل الجنة نمام.
والسبب في تحريم قول النميمة أنه مرض خبيث إذا انتشر في المجتمع فرق الأحبة، وقطع الأرحام، ومنع التواصل، وهدم البيوت. ويجب على الإنسان في هذه الحياة دائماً إذا أراد الكلام أن يفكر فيه قبل النطق، فإن كان فيه خير تكلم، وإذا شك فيه فلا يتكلم؛ لأنه قد ينجر في الكلام بكلام مكروه كما جرت العادة. وأيضاً يجب عدم تقبل كلام أهل النميمة من أصحاب القلوب المريضة، وصدق قول المثل السائد «من قال لك قال عليك ومن نقل إليك نقل عنك». ويقول الإمام الشافعي:
لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات وللناس ألسن
والنميمة مرض أخلاقيّ له آثاره الخطرة؛ إن هي تُركت بلا علاج استشرت وأخذت في تدمير العلاقات الاجتماعية بين الناس، فضلاً عن أنها تنم عن شكل ذميم من أشكال الضعف النفسي، والنفاق الاجتماعي الذي يقلب موازين الأخلاق بين المسلمين، ويضفي على المجتمع ظلالاً كئيبة تقلّص روح السلام والوئام والحب والتآخي، والتي أقام الإسلام بنيانها على تقوى من الله ورضوان.
إن الأسباب التي تقف وراء النميمة متعددة، فالأمر غير مقتصر على الفراغ، على الرغم من أنه سبب رئيسي، وإنما يرجع أيضاً إلى عدم التنشئة السوية، وأحياناً لعدم التعليم، كما أن العامل الاقتصادي أيضاً يلعب دوراً مهماً من خلال البطالة، ووجود مساحة واسعة من الوقت للاهتمام بتجميع أخبار الآخرين والزيادة عليها.