عادي

إبراهيم محمد إبراهيم.. المنذور للشعر

23:41 مساء
قراءة 4 دقائق

يوسف أبو لوز

ما بين البحر والرمل كانت حياة إبراهيم محمد إبراهيم الطفولية تتلوّن بوعود ما هو مقبل من الأيام، والوعد سيكون الشعر، والوعود ستكون الكتابة بكل ما تحققه من توازن لكل من تكون اللغة من نصيبه، وقد كانت اللغة العربية هي الوعد الآخر الذي ينتظر فتى المرحلة الثانوية الذي بدأ يتلمس أولى خطواته إلى الشعر.

في عام ١٩٦١ ولد إبراهيم محمد إبراهيم في دبي، وستكون روح المدينة اللؤلؤية البحرية وعداً آخر بين أصابعه. إنه: مرة ثانية: الشعر.

في المرحلة المدرسية الثانوية تتنازعه رغبتان في الكتابة. أولاً الشعر الشعبي أو النبطي، ثم الشعر الفصيح ولكنه سيحقق ذاته الفتيّة آنذاك في كتابة الفصيح، وتحديداً، كتابة الشكل العمودي الخليجي، وفي مرحلة نضجه الثقافي في أثناء الدراسة الجامعية في بيروت، يتحوّل إبراهيم محمد إبراهيم إلى التفعيلة، لكن الصورة العامّة لشخصيته الأدبية هي الصورة المعادلة أو الموازية بين الشكلين التقليديين في الشعرية العربية، يشارإلى أن إبراهيم كتب كثيراً من الشعر قبل أن يقرر إصدار نتاجه الشعري «الثمانيني» في كتاب، ويشار أيضاً إلى أنه استفاد من اللجان الثقافية التي كانت موجودة في الثمانينات ضمن برامج الأندية الرياضية في الإمارات، وسيكون إبراهيم مبكراً على رأس لجنة ثقافية في نادي الشباب الرياضي في دبي، وفي الثمانينات والتسعينات أيضاً سيكون ناشطاً ثقافياً في النادي العربي في الشارقة، وهي محطات من المهم الإشارة إليها في هذه الصورة القلمية حول إبراهيم محمد إبراهيم الذي يتفتح وعيه الثقافي آنذاك على قضايا وطنية واجتماعية كشفت عن معدنه الأصيل، وروحه الإنسانية، وسيظهر كل ذلك في شعره، وبخاصة في المجموعات الأولى له: «فساد الملح» في عام ١٩٩٥، و«هذا من أبناء الطير» في عام ٢٠٠٠.

روح إنسانية

الروح الإنسانية الوطنية وقيم العدل والمحبة والصداقة والالتقاء بأخلاقيات الجمال في الثقافات والحضارات.. كلّها تقع في المدارات الشعرية لإبراهيم محمد إبراهيم، وهو منذ صدور أوّل مجموعة له قبل أكثر من ثلاثة عقود وإلى اليوم أنجز بنية أدبية شعرية جعلت منه شاعراً له خصوصية واستقلالية إبداعية وسط عشرات بل مئات التجارب الشعرية الإماراتية، والخليجية، والعربية، والمراقب لتجربة الشعر عند إبراهيم يرى أنها ذات مسار عمودي بدأ من قاعدة خليلية نحو أفق إبداعي أوسع، لكنه، دائماً محكوم إلى نظام شعري دقيق معروف تماماً لكل من يقرأه قراءة استقصائية علمية.

إبراهيم محمد إبراهيم لا يمكن أن يتهاون في مسألة الوزن الشعري على سبيل المثال، ولكن ذلك لا يعني أن قصيدته مقيّدة بالنظام العروضي بحيث يبدو هذا النظام معرقلاً لحركة قصيدته وانسيابها الغنائي. على العكس من كل ذلك إن الدقة الوزنية عند إبراهيم هي في حدّ ذاتها ميزة إيقاعية غنائية.

لغة إبراهيم، أيضاً لغة صافية قائمة على صور شعرية بعيدة تماماً عن المبالغة والتعقيد، فضلاً عن ميزة أخرى عند إبراهيم، وهي قدرته على كتابة القصيدة الواحدة الطويلة «القصيدة الكتاب.. أو القصيدة النصّ»، وله تجربة مهمّة في هذا السياق تتمثل لنقّاد الأدب في قصيدته «سكرّ الوقت» التي كتبها في خمسة عشر يوماً بين فيينا، والنمسا، وألمانيا، ونشرها أوّل مرة في الملحق الثقافي للخليج في ٧ أغسطس/ آب ٢٠١٠، والقصيدة الطويلة المنشورة وحدها في كتاب لا يقال عنها «مجموعة شعرية» بل هي كتاب شعر في حدّ ذاته، فالمجموعة تضم عدداً من القصائد قد لا يكون بينها أي ناظم موضوعي أو أسلوبي، أمّا الكتاب، أو «كتاب الشعر» فهو كتاب قصيدة واحدة ضمن مناخ شعري واحد ولغة واحدة، وهي من خصائص تجربة إبراهيم محمد إبراهيم الذي سبق له قبل «سكر الوقت» أن أصدر قصيدة واحدة مستقلة في كتاب «ولدتُ ضُحى»، ومثل هذه التجارب الواحدة تتطلب من الشاعر ما يُسَمّى «النفس الطويل» في الكتابة، والقدرة على الإبقاء على النص الشعري متدفقاً أو «نهرياً» من دون فجوات أو لهاث أو تقطيع نصّي يسهل معاينته عند الناقد المتخصص.

رؤية جمالية

انقطع إبراهيم محمد إبراهيم للشعر، ولم يفرّط بجنسه الأدبي الأثير هذا على عادة بعض الشعراء العرب الذين توجّهوا إلى فن الرواية مثلاً، وأجلسوا الشعر في عربات الدرجة الثانية إن جاز الوصف، وبالضرورة سيمتلك صاحب «جبل الراهبات» رؤية نقدية، تذوّقية، جمالية، تقييمية آتية أصلاً من انقطاعه للشعر وإخلاصه لهذه الموسيقى الكونية التي تصنعها الكلمات وفي ضوء ذلك، أي في ضوء النقدية الرفيعة التي يمتلكها إبراهيم محمد إبراهيم تجاه الشعر فقد اختير ضمن عدد من لجان التحكيم التقييمية، وهو عمل ينطوي في جوهره على حساسية نقدية، بمعنى، أن إبراهيم محمد إبراهيم يمتلك خصيصة النقد الشعري أو نقد الشعر أو قراءته قراءة جمالية إبداعية، ولكنه، بقي في منطقته هو.. منطقة الشعر، لا منطقة ولا منطق النقد.

يقترب إبراهيم محمد إبراهيم من العشرين عملاً شعرياً بين كتاب ومجموعة، فاستحق الاحترام: جائزة الإمارات التقديرية، وجائزة الشارقة للشعر العربي، وغيرها من تكريمات يستحقها بجدارة، غير أن الوسام الذي لا يفارق صدره هو: «الشعر».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yck7svk2