القاهرة: «الخليج»

عادة ما يتم مناقشة إرث اينشتاين، من حيث اكتشافاته، وليس هناك شك في أنه أحدث ثورة في الفيزياء، وفي فهمنا للكون، لقد علمنا أن المكان والزمان مرتبطان ارتباطاً لا ينفصم، وأعطانا طريقة جديدة لفهم الجاذبية، وتستخدم نظرياته اليوم لفهم موضوعات تتراوح من الأجسام الغريبة، مثل الثقوب السوداء، إلى هندسة الكون الكلية، لكن هناك من يرى أن أعظم إرث لأينشتاين، يأتي من الطريقة، التي أظهرت القوة، التي لا تصدق للتفكير العلمي.

عندما كان أينشتاين مراهقاً بدأ يتساءل عما سيبدو عليه العالم إذا أمكنه الركوب على شعاع ضوء، لكنه لم يتوقف عند هذا الحد، فبدلاً من ذلك أخذ زمام المبادرة لتعلم الرياضيات والفيزياء، على مستوى عميق، يكفي للبحث في الموضوع، من الناحية الكمية، واستكشاف الطرق المختلفة التي يقوده إليها الفكر، وهذا هو جوهر العلم.

بدأ جيفري بينيت كتابه«ما النسبية؟».. مقدمة بدهية لأفكار أينشتاين وسبب أهميتها «بالحديث عن أن النسبية مهمة، لفهم الكيفية، التي ننسجم بها كبشر مع الخطة الشاملة للكون، والآن، وفي كل الأحوال فإن النسبية مهمة في ثلاثة مستويات، المستوى الأول هو العلم المجرد، وعلى مدى أكثر من 100 عام منذ أن قدم أينشتاين النسبية، لأول مرة للعالم، فإنّ كلّاً من نظريتيه النسبية الخاصة والعامة، قد تم اختبارهما على نطاق واسع، وبشكل متكرر، واليوم لا يمكن أن يوجد شك حول صحتهما على الأقل داخل المجالات، التي اختبرتا فيها.

معادلات

يشير مؤلف الكتاب إلى أنه لا يمكننا أن نفهم الطبيعة، دون أن نفهم النسبية أولاً، وباستعراض مجرد أمثلة قليلة، فإننا لا نستطيع أن نفهم كيف تلمع النجوم، دون أن نفهم معادلات معينة، ولا نستطيع أن نفهم ما الثقب الأسود، ولا كيف يمكن للكون أن يتمدد، دون التمدد داخل شيء ما، وفي الواقع فإن النسبية الآن هي جزء لا يتجزأ من فهمنا الشامل للكون، مثلها مثل أن الأرض كوكب يدور حول الشمس أو أن الجاذبية تجعل الأجسام تسقط إلى الأرض.

أما المستوى الثاني فإن تجاربنا المشتركة، تجعلنا نكبر مع افتراض أن المكان والزمان منفصلان، ومتميزان، لكن النسبية أظهرت لنا خلاف ذلك، وكما قال زميل أينشتاين هيرمان مينكوفسكي في عام 1908:«من الآن فصاعداً فإن المكان في حد ذاته، والزمان في حد ذاته، محكوم عليهما بالتلاشي إلى مجرد ظلال، ونوع من الاتحاد بين الاثنين هو فقط الذي سيصون الحقيقة المستقلة».

وعلاوة على ذلك تغير النسبية العامة إدراكنا للجاذبية، وتحوله من تأثير لا معقول عن بعد لنيوتن، إلى كونه نتيجة طبيعية لهندسة الزمكان، الذي ينحني بتأثير الكتل الموجودة في داخله، هذه التغيرات في الإدراك، ربما لا يكون لها تأثير على الطريقة،التي نمضي بها في حياتنا اليومية، لكنها بالتأكيد،ينبغي أن تغير الطريقة التي نفهم ونفسر بها الكون.

المستوى الثالث من الأهمية يقع بأن اكتشاف أينشتاين للنسبية يشي بإمكاناتنا كجنس بشري، فقد يبدو علم النسبية منفصلاً عن معظم المساعي الإنسانية الأخرى، لكن أينشتاين نفسه أثبت خلاف ذلك طوال حياته.

دافع أينشتاين عن حقوق الإنسان وكرامته، وعن عالم يسوده السلام والرخاء المشترك، وكان إيمانه الراسخ بالخير الكامن في البشر لافتاً للنظر، عندما نفكر أنه عاش خلال حربين عالميتين، وأنه طرد من ألمانيا قبل صعود النازيين، وأنه رأى اكتشافاته الخاصة يتم استخدامها في عمل قنابل ذرية.

تفاؤل

لا يمكن لأحد أن يقول على وجه اليقين كيف أنه حافظ على تفاؤله في مواجهة مثل هذه المآسي، لكن أفكاره تبدو مخالفة للإدراك العام المشترك، الذي نشأ عليه كثيرون، وفي الواقع فإنه في كثير من تاريخ البشرية ظلت النسبية بعيدة عن متناول اليد، لمجرد أنها بدت صعبة، على الرغم من أنها أجبرتنا على إعادة تعريف تصورنا للواقع.

قبل حوالي شهر من وفاته في عام 1955 كتب أينشتاين:«الموت لا يعني شيئاً التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل هو مجرد وهم مستمر بعناد» وكما يوحي هذا الاستشهاد فإن النسبية تثير كل أنواع الأسئلة المثيرة للاهتمام حول ما يعنيه مرور الوقت.

ولأن هذه الأسئلة فلسفية فليس لها إجابات قاطعة، وسيكون عليك أن تقرر ما تعنيه تلك الأسئلة بالنسبة لك، بمجرد وقوع حدث فإنه في جوهره يصبح جزءاً من نسيج كوننا، وحياتك عبارة عن سلسلة من الأحداث، وهذا يعني أنك عندما تقوم بوضعها جميعاً معا فإنك تضع بصمتك الخاصة، التي يتعذر محوها عن الكون.