عادي

«والدة ويسلر»... موناليزا العصر الفيكتوري

لوحة تحتفي بمكانة الأم
23:34 مساء
قراءة 5 دقائق
24

الشارقة: علاء الدين محمود

بعض الأعمال الفنية رسمت بحب وعاطفة شديدة، فهي تترسخ في أذهان جمهور الفن الذي يتورط في علاقة مع تفاصيلها وخطوطها وألوانها وما ترمز إليه، فكل تفصيلة في تلك اللوحات لها معنى وموقف، وأثر وجداني عميق، لذلك فإن مثل هذه الأعمال تظل خالدة، وتؤكد في كل مرة براعة المبدع الذي رسمها، وقد اتجه كثير من الفنانين إلى رسم أقرب الناس إلى قلوبهم في الحياة، مثل أمهاتهم وزوجاتهم وحبيباتهم، أو أبنائهم، فكانت النتيجة أعمالاً في غاية البراعة، لأن المحبة هي عنوانها العريض.

الفنان الأمريكي جيمس مكنيل ويسلر، «1834 1903»، يعتبر من أبرز فناني الولايات المتحدة، قضى معظم وقته متنقلاً بين الدول الأوربية، وكوّن صداقات هنالك مع مفكرين وأدباء معروفين، وكان من المدافعين الأقوياء عن مدرسة الفن للفن، وعلى الرغم من أنه عاصر الانطباعية غير أنه لم يتأثّر بها، بل فضّل أن يختط لنفسه أسلوباً مستقلاً، فكان أن تبنّى أفكاراً تجديدية في اللون والتوليف تأثّر بها بعض معاصريه من الفنانين، ومن أتوا بعده، واشتهر بلوحاته ذات الخطوط المموجة والموهبة الذكية والطبيعية المتمردة، وهي الأعمال التي كوّنت له شهرة عالمية حيث أصبح واحداً من أميز الرسامين في القرن التاسع عشر.

رقة وشاعرية

تعد لوحة «والدة ويسلر»، أو «الأم ويسلر»، من أشهر أعمال الفنان، وهي تنتمي إلى فلسفته في الفن والحياة ورؤيته الجمالية، فأعماله تتصف برقة وشاعرية خاصة، ولها تميز فني منفرد، لا يضاهيه أي فنان آخر، لذلك حمل عدة ألقاب مثل: الرومانسي والواقعي، حيث إنه يتميز بالموهبة والشاعرية المرهفة، والإحساس الموسيقي لدرجات الألوان في لوحاته، وتميز بأنه لا يستخدم ألوان الظل الجاهزة، أو اللون الأسود من الأنبوبة مباشرة، بل يقوم بمزج اللون البديل للأسود، ويصنع تجانساً بديعاً، حيث إن اللوحة عنده هي مجمّع لدرجات ومشتقات الأزرق الغامق، وصولاً إلى سطوع هادئ مع أساليب فريدة تقوم على جمال اللون والضوء، وتتميز مناظره باحترافية مع اهتمامه بالرقة والأناقة، وذلك يبدو جلياً في لوحة «الأم ويسلر»، التي رسمها عام 1871، تعبيراً وامتناناً عن دور أمه في حياته، وإهداء للأم بشكل عام باعتبارها السيدة الأولى دائماً في حياة كل الرجال، مستخدماً ألوان الزيت على القماش، وقصد منها تكريم أول وأهم امرأة في حياة الفنان وكل إنسان، وهي الأم، كما أن اسم اللوحة جاء مختلفاً فهو يحمل تحدياً واضحاً لأسلوب التسميات التقليدية، ويحاكي في الوقت نفسه العناوين «اللونية» للسيمفونيات والمؤلفات الموسيقية التي وضعها مؤلفون موسيقيون ينتمون إلى ذات الفن للفن نفسها.

قصة

هنالك عدة روايات وقصص وحكايات حول اللوحة، غير أن أبرزها هو أن ويسلر كان اتفق مع إحدى العارضات الجميلات للحضور إلى المرسم الخاص به لكي يقوم برسمها، لكن الفتاة أخلفت موعدها ولم تحضر، ففكر الفنان في رسم والدته التي كانت معه في لندن، حيث كانت قبل مجيئها تعيش في الولايات المتحدة، وكانت آنذاك أرملة مسنّة، وكان أبناؤها أصبحوا كباراً، وفي ذلك الوقت كانت الحرب الأهلية الأمريكية في قمة استعارها، ونسبة لتلك الظروف اقنع الفنان والدته «آنا»، بالمجيء إلى لندن حيث أقامت معه حتى وفاتها، وعندما رسمها كانت في سنّ السابعة والستين.

علاقة عاطفية

قيل إن السبب الأساسي الذي دفع الفنان إلى رسم والدته، إضافة إلى حبه الكبير لها، هو أن ويسلر كان له علاقة عاطفية كبيرة جمعته بفتاة فرنسية تعرّف إليها في باريس اسمها، جوانا هيفرنان، والتي كانت موديله المفضلة وظهرت في بعض لوحاته في الفترة التي قضاها في باريس، لكنه تخلى عنها بعد أن اكتشف أنها هي الموديل التي استخدمها غوستاف كوربيه في لوحته «أصل العالم» التي جلبت له غضب وسخط الكثيرين، وقيل إن سبب غضب ويسلر على هيفرنان أنه صُدم بتحرّرها المبالغ فيه، وربّما كان يتوقع منها أن تكون بحشمة وورع أمّه التي أحبّها، ووجد فيها الأخلاق التي تمناها في حبيبته، لذلك حاول الفنان أن ينقل شخصية والدته الوقورة في العمل.

وصف

اختار ويسلر أن يرسم والدته في وضع جانبي وهي ترتدي فستانا أسود، وغطاء رأس أبيض، بينما أمسكت بيدها منديلاً حريرياً أبيض، وتظهر في سمو عجيب وهي جالسة كأنها ملكة متوجة تنبعث من صورتها وملامحها الحكمة والذكاء مع الوسامة والشموخ، وتشير شخصيتها إلى امرأة حكيمة هادئة من سلالة عريقة وتلبس ملابس تعبر عن الوقار، وتمتاز اللوحة بالبناء المعماري للتكوين العام للمشهد، أو الصورة، ويلاحظ فيها التقسيمات في المساحة الكبيرة المستطيلة، وتظهر على يسار اللوحة ستارة بملمس ناعم، وعليها زهور مصممة بطريقة يابانية، حيث إن أسلوب ويسلر في اللوحة يتميز بالألوان المطفأة والمُحْتَوى غير المتناسق حيث تأثر بالرسامين اليابانيين الذين استخدموا التقنيات نفسها في فن نحت الخشب، وتميزت اللوحة بتباين ألوان الفستان مع ألوان الستارة، مع تنوع وثراء التقنيات الفنية التي وظفها ويسلر في رسم هذا العمل، وتعكس اللوحة الصغيرة على الحائط والستارة تناسقَ التكوين، ومما يلفت الانتباه في هذا العمل جمال ورقة التباين بين الألوان الغالبة على اللوحة، خاصّة الأسود والرمادي والأبيض، كما يلاحظ المتلقي أن ملامح المرأة جامدة وقد لا تعبّر عن انفعال محدّد، ويتبين للناظر أن ويسلر نجح في إظهار الجانب القوي في شخصية والدته «آنا» حيث ينظر للوحة باعتبارها رمزاً للأمومة والتعاطف والرفق بالوالدين والقيم العائلية بشكل عام.

مكانة

اكتسبت اللوحة مكانة كبيرة وعالمية وصارت تحمل لقب «موناليزا العصر الفيكتوري»، ما يشير إلى الشعبية التي قوبلت بها، والصدى الكبير في أوساط الفنانين والنقاد والجمهور بصفة عامة، وامتدت شهرتها إلى موطن الفنان الأم في الولايات المتحدة، حيث صارت ذات شعبية جارفة هناك، وفي عام 1934، أصدر مكتب البريد الأمريكي طابعاً عليه صورة والدة ويسلر مصحوبة بشعار يقول: «في ذكرى أمهات أمريكا»، وأصبحت رمزاً مصاحباً لاحتفالات عيد الأم، كما ظهرت في العديد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، وحتى اليوم لا يزال ينظر إلى اللوحة في الولايات المتحدة باعتبارها رمزا للأمومة والتقاليد العائلية الأصيلة، وتم تجسيدها أيضاً كتمثال فيما بعد، وقد اجتذبت عدداً كبيراً من الفنانين والمبدعين الذين قلدوها ونسجوا على منوالها من حيث الألوان والخلفية وطريقة جلوس السيدة.

معارض

عرضت اللوحة في باريس لأول مرة، واستقبلت استقبالاً عاصفاً، ثم اشتراها متحف لوكسمبورغ بمبلغ ستمائة دولار، غير أنها انتقلت في ما بعد إلى متحف أورسيه في باريس حيث ظلّت فيه إلى اليوم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"