عادي

الظواهري.. صيد أمريكي في أفغانستان

23:25 مساء
قراءة 4 دقائق
كابول..الملاذ الأخير للظواهري

كتب - المحرر السياسي:

جاء نبأ الإعلان عن قتل أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة في غفلة من العالم المنشغل حتى شحمة أذنيه في نزاعات أشد خطراً وأوسع نطاقاً، لكن ذلك لم يمنع من إثارة عدد من الأسئلة بعد الحادثة باعتبار أن التنظيم الذي كان «مالئ الدنيا وشاغل الناس» لم يلفظ أنفاسه الأخيرة حتى الآن.

قُتل أيمن الظواهري في عملية سرية حسب الرواية الأمريكية، استخدمت فيها طائرات بلا طيار مزودة بصواريخ «هلفاير أر9 اكس- فلاينغ جينسو» والمجهزة بشفرات حادة يلفظها الصاروخ لتقطيع الهدف وتمزيقه دون إثارة الغبار.

فقد أعادت عملية قتل الظواهري في العاصمة الأفغانية كابول، إلى الأذهان الطريقة «الهوليودية» التي ترسم بها واشنطن سيناريو مثل هذه العمليات وتنفذها، ومنها عملية قتل سلفه أسامة بن لادن التي لم تؤكد الإدارة الأمريكية حتى اليوم، ما إذا كانت جثته قد دفنت على الطريقة الإسلامية، حسب ادعائها بداية، أو أكلتها أسماك المحيط، كما قالت في مرحلة تالية.

مآرب انتخابية

صحيح أن مثل هذه الأخبار تبعث على الارتياح في غالبية دول العالم، خاصة تلك التي ذاقت ويلات العمليات الإرهابية، إلا أن ربط عمليات اغتيال زعماء «القاعدة» ومعهم زعماء تنظيم «داعش»، بما تقتضيه مسارات السياسة الأمريكية، كان دائماً موضع بحث وتمحيص في أوساط خبراء مراكز الأبحاث. فقد تم ربط قتل ابن لادن بمآرب انتخابية كان الرئيس باراك أوباما يسعى لتحقيقها. واليوم تأتي عملية قتل الظواهري لتؤكد السياق نفسه، حيث يستعد الرئيس جو بايدن وحزبه الديمقراطي لخوض انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس بعد 90 يوماً. ويرى محللون أن واشنطن اختارت هدفاً ممثلاً في«عجوز» يسهل اصطياده، وهناك الكثير من العوامل التي تفيد بأن الولايات المتحدة تريد الاستثمار في العملية إعلامياً بأكثر مما تريد تحقيق شيء حقيقي على الأرض في إطار عملية مكافحة الإرهاب.

وفي سياق ربط تلك العمليات بالسياسة الخارجية الأمريكية يرى باحثون أن مقتل الظواهري يؤرخ لنهاية مرحلة مهمة في السياسة الخارجية الأمريكية التي قامت خلال السنوات العشرين الماضية على فلسفة محاربة الإرهاب الذي منحته مرتبة الشرف كعدو خارجي بعد زوال الاتحاد السوفييتي، لتبرير ليس فقط تحركات واشنطن لضمان هيمنتها على العالم، بل وتمرير قرارات الإنفاق العسكري في الكونغرس حتى في الظروف التي كان فيها الاقتصاد الأمريكي معتلاً. أما وقد صار ذلك العدو أكثر وضوحاً في ظل إدارة بايدن التي حملت مسؤولية «عودة أمريكا» علناً من خلال مواجهة روسيا والصين، فقد أصبحت محاربة الإرهاب ممثلاً في تنظيمات تعددت أسماؤها الإرهابية وتشابهت أفعالها لدرجة تثير الريبة، هدفاً باهتاً وبالياً لا ينفع في التعبئة الشعبية ولا الرسمية.

مبررات المواجهة جاهزة

وتتجه أنظار العالم اليوم إلى ما هو أهم من التنظيمات الإرهابية وسط معارك طاحنة في أوكرانيا يحشد فيها الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كل ما يمكنه من عتاد ودعاية إعلامية لترسيخ صورة روسيا كدولة مارقة ترعى الإرهاب، في إطار يذكرنا بحملاتها الدعائية في مواجهات سابقة مع تنظيم القاعدة. وقد لا تكون الصين التي لا تكف واشنطن عن استفزازها عبر تحركات متتالية كان آخرها زيارة نانسي بيلوسي إلى جزيرة تايوان، بعيدة عن الاستهداف الأمريكي حيث أصبحت مبررات المواجهة جاهزة في دوائر صنع القرار الأمريكية. وأياً كانت وجهات النظر فيما يخص توقيت ومبررات العملية فسوف تترك بلا شك آثارها على أكثر من صعيد. فعلى صعيد ما يجري في أفغانستان التي وقعت على أراضيها وأنكرت قيادة طالبان علمها بها أو حتى بوجود الظواهري في كابول، تتصاعد نبرة التحذير من اتساع نطاق التعاون والتنسيق بين تنظيم القاعدة الذي يستعد لتنصيب سيف العدل زعيماً له بدل الزعيم القتيل، وحركة طالبان وهو ما حذرت منه واشنطن التي غادرت أفغانستان على عجل ليس خوفاً من اتحاد التنظيمين؛ بل لأن خطط المواجهة في أوكرانيا كانت أكثر إلحاحاً على ما يبدو. واتهم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن حركة طالبان بانتهاك اتفاق الدوحة الذي وقعته طالبان مع الولايات المتحدة عام 2020، بإيوائها الظواهري.

وعلى صعيد التنظيم نفسه لا يبدو أن مقتل الظواهري سيكون له تأثير كبير خاصة وأنه كان قد تخلى عملياً عن الكثير من المهام لشخصيات أخرى في التنظيم. صحيح أنه كان مرجعية تاريخية للجماعات الإرهابية، وربما كان هو من أطلق مصطلح الجهاد العالمي ضد الأمريكيين، إلا أن المرحلة الراهنة من المواجهة تتخذ أبعاداً جديدة فرضها انكماش الدور الأمريكي على مستوى العالم بينما تعاني الدول التي تستهدفها «القاعدة» في عملياتها مشاكل اقتصادية وسياسية تستدعي إعادة النظر في تكتيكات التنظيم على ما يبدو.

ولهذا يخشى المراقبون من اندلاع موجة من العمليات الإرهابية الانتقامية لمقتل أيمن الظواهري، حيث تستغل «القاعدة» الحادثة من أجل إعادة رصّ الصفوف وتوليد زخم جديد ينفعها في إعادة توحيد نفسها بشكل ما.

التقاط الأنفاس

وقد تراجعت قدرات التنظيم العملياتية تراجعاً بالغاً ولم يعد بوسعها تنفيذ عمليات كبيرة مثل أحداث 11 سبتمبر 2001، وهي عمليات تحتاج إلى مجهودات وقدرات لوجستية كبيرة لم تعد في متناول اليد لدى التنظيم.

لكن ذلك لا يعني أن التنظيم لن يستمر في التقاط أنفاسه في ظل حكم طالبان ويعيد بناء خطوطه التمويلية أو عمليات التجنيد وغيرها، بحيث تبقى أنشطته في إطار«الذئاب المنفردة» الأكثر احتمالاً في تنفيذ عمليات انتقامية لمقتل أيمن الظواهري.

ورغم الضربات المتلاحقة التي لحقت بالتنظيم الإرهابي إلا أن «القاعدة» لا تزال أقوى بكثير من«داعش» ولم تختفِ من الخريطة على الرغم من سيطرة الأخير على المشهد الإعلامي لسنوات. ومع ذلك لا يزال التنظيم قوياً في مناطق مثل اليمن ومنطقة الساحل والصحراء في إفريقيا، لكن السؤال المهم الآن: هل يبقى أعضاء التنظيم في هذه الأماكن على ولائهم ل «القاعدة» خاصة وأن التنظيم في هذه المناطق قوي نسبياً؟ لقد تمكن العالم من محاصرة تنظيم القاعدة وكبح جماحه بفضل توحيد المواقف الدولية وتنسيقها في محاربة الإرهاب على مدى عشرين عاماً. أما وقد بات العالم عاجزاً عن التواصل دبلوماسياً لحل أبسط أزماته مثل نقل الحبوب من أوكرانيا، فلا بد أن يشكل ذلك مرتعاً لتنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الرديفة التي سوف تعزز الترابط والتنسيق فيما بينها وهو ما ينذر بمخاطر لا تنتهي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"