القاهرة: «الخليج»
يصدم العلم منذ ظهوره الناس بنظريات لم تخطر لهم على بال، ولم تتهيأ أذهانهم لاستيعابها، ولا يزال العلم يطرق أبوابنا بأفكار جديدة ترمي بالناس في «تنافر معرفي»، فهل نفتح لها ونلقي بطرائقنا المصونة في التفكير في البحر، تلك الطرائق التي نشأنا عليها، وصارت جزءاً من كياننا وبنيتنا؟.
لحسن الحظ أو لسوئه كما يقول عادل مصطفى في كتابه «جهاز المناعة الأيديولوجية» فنحن مزوّدون بجهاز دفاعي فكري، يحمينا من غزو الأفكار الجديدة، مثلما يحمينا جهاز المناعة البيولوجي من غزو أي كيان غريب أو دخيل على الجسم.
يطلق عالم الاجتماع ستيوارت سنسلون على هذا الجهاز «جهاز المناعة الأيديولوجية».. إنه الجهاز الذي يقاوم قبول أي أفكار جديدة خاطئة أو صحيحة، من شأنها أن تطيح بأفكارنا الأساسية القديمة، يكشف هذا الجهاز حقيقة أن التغير أمر عسير، وخاصة حين يحمل معه جرعة كبيرة من التنافر المعرفي، ويناقض اعتقاداتنا القديمة.
لكن ماذا عن «التنافر المعرفي»؟ هو حالة انفعالية غير سارة، تحيق بالمرء حين يتخذ موقفين متعارضين، أو يبتلع فكرتين متناقضتين، أو حين يكون لديه صراع بين اعتقاد يتبناه وسلوك يأتيه. ومن شأن هذا التنافر أن يؤدي إلى توتر وضيق وكرب، وأن يهيب بالمرء أن يسوي هذا الصراع، ويبذل وسعه لكي يستعيد الاتساق بين المواقف أو بين الأفكار والسلوك، ذلك أن الكائنات البشرية كما يقول ليون فستنجر، صاحب نظرية التنافر المعرفي تسعى إلى تحقيق الاتساق النفسي الداخلي من أجل أن تؤدي الأداء السوي في العالم الحقيقي.
يلجأ الشخص الذي يكابد تنافراً معرفياً إلى إجراء تعديلات تهدف إلى خفض التنافر، بتغيير السلوك المناقض للاعتقاد أو بالتخلي عن الاعتقاد المناقض للسلوك، أو بتعديل الفكرة المسببة للتنافر بإضافة معلومات أو فرضيات إليها.
يعود عادل مصطفى إلى فكرة ستيوارت سنسلون عن جهاز المناعة الأيديولوجي، موضحاً أن العلم يطرق بابنا، وهو يحمل النظرية الجديدة في يد، والتنافر المعرفي في الأخرى؛ لذلك فنحن غالباً ما نلفظ النظرية الجديدة بادئ الرأي، ونتشبث بقديمنا، وغالباً ما يكون الأشد رفضاً وممانعة من بيننا هم الأعلى ذكاء وعلماً، تلك مفارقة كبرى يشهد بها تاريخ كثير من الفتوحات العلمية، ينبغي أن نقلّب فيها الرأي ولا يليق أن نشيح عنها بوجوهنا، أو نمر بها مرور الكرام.
السؤال الآن: لماذا يرفض معظم الناس قبول التفسيرات العلمية الجديدة المدعمة بوفرة من الأدلة الصحيحة؟ الجواب عند سنلسون واضح: جهاز المناعة الأيديولوجية الذي يلفظ أي أفكار جديدة، لا تتفق مع أفكارنا القديمة، ويحمينا من الأفكار الثورية الجديرة بتقويض أي من أفكارنا الأساسية: مقدماتنا وفروضنا المسبقة ومفاهيمنا الراسخة.
ما دامت الفكرة الجديدة مؤيدة بالأدلة العلمية الصحيحة، فإن من واجبنا الفكري والأخلاقي، أن نثبط لها من جهاز مناعتنا الأيديولوجية، ونتقبلها كتفسير أفضل للظاهرة، علينا أن نعي بجهاز مناعتنا الأيديولوجية، ونشد به إلى حيز الشعور، فنحكمه ولا يحكمنا، ونملكه ولا يملكنا.