لم أقرأ لكاتب أو سينمائي أو مسرحي أو مهندس جمالي حول الإضاءة، مثلما قرأت للمخرج العبقري «الشاعر» فدريكو فلّليني (1920-1993)، وهو هنا شاعر السينما الإيطالية بل والعالمية، غير أن شعريته هذه تتكثف على شكل قصيدة قصيرة حين يتحدث عن الإضاءة، وهي، بالطبع، الإضاءة في الفيلم أو الإضاءة السينمائية، غير أن قراءة أو فهم فلّليني للإضاءة هي درس جمالي للمسرحي ولمخرج الأعمال الدرامية، ولمخرج الفيلم الوثائقي، بل إن رؤية فلّليني للإضاءة لا بد أن تجذب الشاعر إذا كان يمتلك شغفاً ملائكياً بالنور والشمس والضوء، وإلى جانبه الرسام، فما من رسام إلاّ ويغرف من الضوء، كما يغرف الشاعر الغنائي من الماء.
درس أو «قصيدة» فلّليني في الإضاءة درس لكليات الفنون الجميلة، وربّات أو سيدات البيوت. النساء الجميلات والجماليات اللواتي يعتنين بديكور وأثاثات بيوتهن. كل قطعة أثاث وما حولها وما فوقها من إضاءة، إضاءة برتقالية، إضاءة قرمزية، إضاءة صفراء، إضاءة قزحية لا فرق.. المهم كيف تحوّل المرأة الضوء في بيتها إلى خصلة حرير.
ولكن، أراك استرسلت كثيراً حول الإضاءة، في السينما، في البيت، في غرفة النوم، في غرفة الطعام، في المكتب، في الفندق.. في كل مكان، فالضوء ظل الإنسان الخفيف، والحياة عبودية وظلام بلا ضوء، مرة ثانية، ها أنت تسترسل بحكم «طغيان» الضوء وشعريته الذهبية، فماذا قال فلّليني عن الإضاءة.
يقول الإيطالي الذي كما لو أن في عروقه دماء عربية: «الإضاءة هي أيديولوجيا. شعور. لون. نَغَمَة. عُمْق، جَوّ، سرد قصة. الإضاءة هي كل ما يضيف، يحذف، يختزل، يكثّف، يُثري يخلق فوارق دقيقة، يؤكد، يُلمِّح».
ولا ينسى فلّليني سقوط الضوء على الوجه البشري أو على الجسد البشري، فلعلّ الضوء هو المادة الأثيرية الوحيدة التي لا تنتظر أمراً من أحد، لكي تقع أو لا تقع على وجه أو جسد الكائن البشري، وإذا كان الإنسان يحمل على جسده يومياً بضع كيلومترات من القماش، فهو يحمل على هذا الجسد أيضاً طبقة أو صفيحة من الضوء. يقول فلّليني: «الإضاءة تحفر الوجه وتكتشفه أو تصقله. تخلق تعبيراً حيث لا يوجد أي تعبير. تهب البلادة مع الذكاء. والشيء التافه وغير المشوّق تجعله يبدو مغوياً. الإضاءة ترسم محيط الجسد وتحدّد أناقته. تبجّل الريف الذي ربما لا يكون ذا قيمة بذاته».
إلى أن يتحوّل فلّليني إلى شاعر تماماً وهو تحت الضوء. يقول: «الإضاءة هي ملح الهذيان الذي يُحرّر الرؤى».
نصّ ضوئي، شفاف، مهني، بل احترافي حول الإضاءة ليس في حدود السينما فقط، بل في أفق الحياة.
[email protected]