لا ندري إن كانت «دار التقدم» موجودة حتى الآن في روسيا وفي موسكو تحديداً، حيث كانت دار النشر تلك مضخّة لأدب ما كان يُسمّى جمهوريات الاتحاد السوفييتي في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، غير أن العودة إلى الكتب التي كانت تصدر عن تلك الدار التي اشتهرت بترجمة الرواية والشعر بشكل خاص، تكشف لنا عن سياسية النشر الروسية أو السوفييتية في تلك المرحلة، وهي سياسة أيديولوجية بالدرجة، أي أن الأدب كان موجّهاً، سواء في كتابته أو في ترجمته إلى غرض سياسي بالدرجة الأولى.
وفي ضوء تلك السياسة النفعية الانتهازية آنذاك، كانت الكتب تباع بأسعار زهيدة إن لم تكن أسعاراً رمزية حين نقارن ثمن الكتاب بطباعته وتغليفه وجودته العالية من حيث صناعة النشر، وما يترتب عليها من نفقات شحن وتوزيع وتخزين في الكثير من بلدان الوطن العربي.
كانت في روسيا السوفييتية آنذاك وحدة تُسمّى «إعلام الأدب السوفييتي»، وكانت «دار التقدم» تتبع مباشرة إلى هذا الإعلام، لكن ما يهم الإشارة إليه الآن أن السوفييت لم يكونوا عشوائيين أو ارتجاليين في سياساتهم النشرية تلك، ثم إن تخصيص وحدة إعلامية مكرّسة كلياً لما كان يُسَمّى الأدب الروسي يعني أن ذلك الأدب، سواء أكان سياسياً أو أيديولوجياً أو إبداعياً، كانت له ميزانيات ومؤسسات مالية وإدارية تديره أو تدير القطاع الذي كان يتولى ذلك الأدب.
كما يبدو من بعض العبارات المثبّتة على إصدارات «دار التقدم»، فإن «إعلام الأدب السوفييتي» كان يتولى أيضاً اختيار المترجمين العرب الجديرين بنقل ذلك الأدب إلى اللغة العربية، ويبدو أن أولئك المترجمين «المؤدلجين» بالضرورة قد كانوا يرتعون في النعيم السوفييتي «الثقافي»، وكانت لهم امتيازات مادية ومعنوية في موسكو، ويحظون بمنافع عديدة حتى لو كان عملهم يتحدد في أطر أدبية ثقافية.
كانت «دار التقدم» في موسكو حريصة أشدّ الحرص على إرضاء قرّائها العرب من الناحيتين الثقافية والمهنية، ومن باب العودة إلى تقاليد تلك الدار أنقل لك بعد أكثر من أربعين عاماً على تلك العلاقة بين الدار والقارئ هذه العبارة التي كانت تثبّتها في الصفحة الأخيرة من إصداراتها. وتلك هي العبارة: «إلى القرّاء، إن دار التقدم تكون شاكرة لكم إذا تفضّلتم وأبديتم لها ملاحظاتكم حول ترجمة الكتاب، وشكل عرضه وطباعته، وأعربتم لها عن رغباتكم. العنوان: زوبوفسكي بولفار ٢١، موسكو- الاتحاد السوفييتي».
كان ذلك كلّه قبل حوالي نصف قرن وأكثر، وكذلك تعود الأسبقية في فكرة أن يوجد إعلام للأدب أو إعلام للثقافة أو إعلام للفنون، وبشكل عام هو إعلام متخصص. وكل ذلك يعود إلى ما كان يُسمّى الاتحاد السوفييتي، وهي فكرة ذكية لو لم يكن ذلك الإعلام أيديولوجياً ومسيساً.
[email protected]
انتهازية ثقافية قديمة
4 سبتمبر 2022 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 سبتمبر 00:16 2022
شارك
