فروسية زايد..تــراث ومعاصـــرة

00:14 صباحا
قراءة دقيقتين

اقترنت الفروسية والصيد معاً بصفات المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وارتفع بهما من الهواية إلى وسيلة من وسائل القيادة، وسخّر جانباً منهما للتواصل مع أبناء شعبه، من كل الشرائح الاجتماعية، أثناء رحلات الصيد في الصحراء، يصغي إليهم بحب، وتواضع القائد الحريص على حاضر ومستقبل شعبه وأمته، ويستمع منهم إلى ما يطرحونه من أحلامهم وهمومهم وآمالهم، ومشاغلهم في مختلف تفاصيل حياتهم اليومية.
 فقد كان، رحمه الله، يرى أن رحلات الصيد، زماناً ومكاناً، هي من أنسب الفرص وأكثرها هدوءاً وصفاءً، للتعبير عن الأفكار ووجهات النظر، في أي شأن من الشؤون، وبذلك تكون رحلات الصيد ديواناً مفتوحاً بأفق الصحراء الممتدة، يسمح باختبار معادن الناس، والتعرف إليهم عن كثب، ويُظهر طبائعهم على حقيقتها، بتلقائية وصفاء. وهكذا، فإن رحلات الصيد والقنص لم تكن لتزجية الوقت والترفيه وحسب؛ بل إن الأهم كان في سلوك الشيخ زايد، ممارسة فعلية لمعاني العادات والتقاليد الأصيلة التي تعوّد عليها منذ أيام صباه الأولى، ونضجت وتكاملت مع سماته القيادية الفريدة؛ بل إن ممارسة هذه الهواية بقدر ما تحتاج إليه من استغراق ودقة وانشغال، لم تكن لتبعده، أو تلهيه عن الدِلالات التي تنضح بها ثوابت وأصول المنطلقات التي تحكم آداب وأصول هذه الرياضة العريقة، لإيمانه بأن رياضة الصيد بالصقور هي من الملامح الأساسية للتراث الإماراتي الأصيل، وكذلك الجزيرة العربية منذ القدم.
 وقد حافظ الآباء والأجداد على رياضة الفروسية والصيد وتوارثوها، وحافظوا عليها، وطوروها، لما لها من أهمية في تماسك المجتمع، وتمسّكه بجذوره العميقة الضاربة في عمق التاريخ، وبهذا الفهم العميق الواضح، فقد رفع الشيخ زايد هذه الرياضة من مستوى الهواية المجردة، لتدخل في النسيج الأساسي للتقاليد، وتأخذ حيّزها اللائق بها، ولتأخذ صفة الواجب الذي يجب أداؤه بحب وانتماء، سواء من حيث الممارسة الفعلية، أو تمثّل القيم والمبادئ التي تزخر بها، ما يجعلها قابلة؛ بل وواجبة للتوارث بين الأجيال، باعتبارها تفصيلاً مهماً من الهوية الوطنية، يقول طيّب الله ثراه: «إن ممارستنا لهذه الرياضة تجعلنا لا ننسى تقاليدنا العربية الأصيلة، وتمسّكنا بأهداب الفضيلة ومحاسن الأخلاق، لأنها من الأشياء الخالدة للإنسان، وإذا حظي بها فهي أكبر سعادة في الحياة، وبعد الحياة، وأنا أقول إن محاسن الأخلاق أفضل ما يورث جيل لأهله».
بهذه الإحاطة، تميزت نظرة الشيخ زايد للفروسية وسباقات الخيل والهجن، والصيد بالصقور، وهي رياضة أصبح يطلق عليها (الصقارة)، ما أدى إلى انتشارها وتطورها وازدهارها لاحقاً، وتقام لها سنوياً العديد من المهرجانات والسباقات على المستويين، المحلي والعالمي، يشارك فيها الآلاف من هواة الصيد بالصقور، من مختلف الدول والشعوب، تحقيقاً، وتجسيداً لنظرة الشيخ زايد الإنسانية، وقناعته الراسخة في أن تكون هذه الرياضة سبباً لمدّ جسور التعارف بين شعوب العالم كافة.

https://tinyurl.com/5bvyujz2

عن الكاتب

كاتب وشاعر

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"